القاهرة- “القدس العربي”: يظل العجز في الموارد المائية بشكل عام، والتهديد الذي يواجه حصة مصر من مياه النيل، الذي يمثل المورد الرئيسي للمياه في البلاد، بسبب سد النهضة الأثيوبي، أحد أهم الأزمات التي تواجه مصر وتهدد الرقعة الزراعية والأمن الغذائي في البلاد.
لجأت مصر إلى وضع خطة لترشيد استهلاك المياه، وتنفيذ العديد من المشروعات لمواجهة انخفاض موارد البلاد من المياه، خاصة في ظل أزمة سد النهضة، إلا أن كثير من المشروعات التي تنفذها تواجه انتقادات حول مردودها الحقيقي.
هانى سويلم، وزير الري والموارد المائية المصري، قال إن سد النهضة الأثيوبي يمثل ضغطاً على موارد المياه المصرية.
وأضاف، خلال لقائه غرفة التجارة الأمريكية في القاهرة، أمس الثلاثاء: “نحن نواصل المفاوضات والمناقشات مع إثيوبيا وتقديم العديد من المقترحات لها والحلول لتوفير الطاقة، لا سيما أن حجم الفيضانات يؤثر بشكل مباشر على كميات المياه الواردة، سواء مرتفعة أو منخفضة، وهناك محاولات لإيجاد سبل للتعاون ما تزال قائمة”.
وتتمسك دولتا مصب نهر النيل، مصر والسودان، بالتوصل أولاً إلى اتفاق ثلاثي على ملء وتشغيل سد “النهضة” لضمان استمرار تدفق حصتيهما السنوية من مياه نهر النيل وسلامة منشآتهما المائية.
غير أن إثيوبيا ترفض ذلك، وتقول إن السد، الذي بدأتْ تشييده قبل أكثر من عقد، واكتمل 90% من عمليات البناء فيه، ضروري من أجل التنمية، ولا يستهدف الإضرار بأي دولة أخرى.
وتوقفت المفاوضات بين مصر وإثيوبيا والسودان بشأن قواعد ملء وتشغيل السد، منذ ما يقرب من عامين، عندما شرعت إثيوبيا بشكل أحادي في الملء الثاني لخزان السد، وانسحاب مصر والسودان من المفاوضات، التي يقودها الاتحاد الأفريقي. وتصاعدت حدة التوترات بين الدول الثلاث عقب ذلك بشكل أكبر عندما أكملت إثيوبيا الملء الثالث للسد في آب/ أغسطس الماضي.
وكان وزير الري المصري قال، أمام الجلسة العامة لمؤتمر الأمم المتحدة للمياه 2023، الشهر الماضي، إنه في حالة استمرار الممارسات الأثيوبية على التوازي مع فترة جفاف مطوّل، قد ينجم عن ذلك خروج أكثر من مليون ومائة ألف شخص من سوق العمل، وفقدان ما يقرب من 15 في المائة من الرقعة الزراعية في مصر، ومضاعفة فاتورة واردات مصر الغذائية.
إلى ذلك، قال أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية المصري، عباس شراقي، إن توربينات سد النهضة متوقفة عن العمل منذ أسبوعين.
وقال شراقي إنه، للأسبوع الثاني على التوالي، تظهر الأقمار الاصطناعية توقف توربيني سد النهضة عن العمل، في حين أن تدفق المياه مستمر من خلال بوابة التصريف الشرقية التي تعمل بنصف طاقتها لإمرار حوالي 20 مليون متر مكعب/يوم، ما أدى إلى تراجع بطيء لبحيرة سد النهضة.
وأضاف، عبر صفحته الرسمية على الفيسبوك: “العمل مستمر في وضع الخرسانة على الممر الأوسط، ومن المتوقع أن يرتفع عشرين مترًا ليصل إلى منسوب 620 متراً، لمضاعفة المخزون إلى حوالي 35 مليار متر مكعب، وفي هذه الحالة يجب ألا يقل منسوب الجانبين عن 630 متراً ليسمح لمياه الفيضان في النصف الثاني من شهر سبتمبر من التدفق أعلى الممر الأوسط.
لكن أزمة المياه في مصر، لا تتعلق بسد النهضة فقط، لكن تتعلق بالزيادة السكنية في ظل اعتماد البلاد على حصة ثابتة تمثل 55 مليار متر مكعب من مياه نهر النيل، بحسب وزير الري المصري، الذي قال إن بلاده تواجه تحديات مثل محدودية الموارد المائية والزيادة السكانية، وتقابلها احتياجات مائية تقدّر بضعف الموارد المتاحة، ما يدفع مصر لاستيراد منتجات غذائية بقيمة 10 مليارات دولار سنويًا، لافتاً إلى أن معظم مساحة مصر هي عبارة عن صحراء، بسبب قلة كميات الأمطار المتساقطة على مصر.
وزاد: “نسعى إلى التوسع فى الزراعات قليلة استخدام المياه، واختيار نوعيات معينة من الطماطم، على سبيل المثال، بهدف توفير الغذاء فى ظل التحديات العالمية الحالية”، لافتاً إلى أن التأثيرات السلبية للتغيرات المناخية التى تواجهها مصر ودول العالم، تتطلب تعزيز التعاون بين دول العالم للتعامل مع هذا التحدي وتنفيذ التعهدات الدولية فى هذا المجال، وهو ما دفع مصر لإطلاق المبادرة الدولية للتكيف بقطاع المياه، وذلك خلال فعاليات مؤتمر المناخ الماضي COP27 والتي تستهدف تنفيذ مشروعات على أرض الواقع في الدول النامية، وخاصة الدول الإفريقية فى مجال التكيف مع التغيرات المناخية.
وتابع: “التحديات الأخرى التي تواجهها مصر أيضاً تتمثل في المياه الجوفية العميقة في الصحارى، والتي تعد مياهاً جوفية غير متجددة، وتقع على أعماق كبيرة، ما يستلزم حفر آبار بأعماق كبيرة قد تصل إلى حوالي 1 كيلومتر، بالإضافة للتكلفة العالية للطاقة المستخدمة في رفع هذه المياه”.
ولفت سويلم إلى أنه للتعامل مع هذه التحديات تتخذ مصر العديد من الإجراءات، مثل مشروعات حماية الشواطئ المصرية، حيث تم تنفيذ أعمال حماية الشواطئ بأطوال إجمالية تصل إلى 144 كيلومتراً، وجار العمل على حماية أطوال أخرى تصل إلى 50 كيلومتراً بهدف تأمين الأفراد والمنشآت بالمناطق الساحلية، والعمل على إيقاف تراجع خط الشاطئ في المناطق التي تعاني من عوامل النحر الشديد، واسترداد الشواطئ التي فُقدت بفعل النحر.
وكانت الحكومة المصرية روّجت، خلال الفترة الماضية، لشق أطول نهر صناعي لتنفيذ مشروع “الدلتا الجديدة”، بمساحة تصل إلى 2.2 مليون فدان، والذي يستهدف بالأساس زيادة رقعة الأراضي الزراعية بالبلاد، وتأمين غذاء المصريين من السلع الأساسية، في الوقت الذي تؤسس ضمنه أكبر نهر اصطناعي لإمداده بالمياه.
وفي الوقت الذي ينتقد خبراء توقيت تنفيذ المشروع في ما يتعلق بأزمة المياه، إضافة إلى الأزمة الاقتصادية التي تشهدها البلاد، خاصة أن التكلفة التي أعلنتها الحكومة المصرية لتنفيذ النهر الصناعي تبلغ 60 مليار جنيه مصري، تقول وزارة الري المصرية، إن آلية توفير المياه لمشروع الدلتا الجديدة، ستكون عبر إعادة استخدام مياه الصرف الزراعي بطريقة آمنة دون إهدار للمياه، وإعادة توجيهها ونقلها للأماكن الزراعية بالمشروع.
وبحسب بيانات وزارة الري المصرية، يشمل المشروع مساراً وحيداً لإيصال المياه للمشروع بطول 174 كلم، ينقسم بين ترع مكشوفة ومواسير مغطاة للحفاظ على المياه من الفقدان، ويتضمن 12 محطة مياه لرفعها، ومحطة معالجة كبيرة في منطقة “الحمام” (شمال مصر)، ليصبح إجمالي المياه المتدفقة بقدرة 7.5 مليون متر مكعب يومياً، ما يجعلها أكبر محطات معالجة مياه للصرف الزراعي على مستوى العالم”.
إلى ذلك، يواجه مشروع تبطين الترع الذي تنفذه الحكومة المصرية بتكلفة قدرها 80 مليار جنيه مصري بغرض الحفاظ على المياه، انتقادات واسعة.
وقال النائب حسانين توفيق، عضو مجلس الشيوخ، خلال الجلسة العامة لمجلس الشيوخ، أمس الأول الإثنين، إن مشروع تبطين الترع، من المشروعات الجيدة، ولكنه لم يكتمل بسبب ظهور بعض المشكلات، لافتاً إلى محافظة المنيا، والتي ظهرت بها تشققات بالترع عقب انتهاء الأعمال، ودعا إلى إعادة النظر في المشروع، في ظل تصريحات وزير الري بشأن جدوى المشروع في بعض المناطق.
وأضاف: “في ما يتعلق بمنظومة الري الحديث، ندرك جميعًا حجم التسهيلات التي عملت عليها الحكومة، خلال الفترة الماضية، ولكن على أرض الواقع نجد أن الظروف اختلفت، خاصة بعد ارتفاع الأسعار الكبير والمتسارع في مصر، فالفدان الذي كان يحتاج لـ 20 ألف جنيه لعمل شبكة التحول من ري الغمر لري التنقيط أصبح الآن بحاجة إلى 60 ألف جنيه، وبالتالي نحتاج لمراجعة حكومية، وخاصة على مستوى قروض التمويل التي كانت توفرها البنوك من أجل هذه الخطوة، والتي تتم تحت رعاية مجلس الوزراء ووزارتي الري والزراعة، والتي لم تكن تتجاوز الـ 20 ألف جنيه للفدان، والعمل على رفعها وفقاً للأسعار الحالية”.
وتابع أنه “في ظل توجه الدولة للتحول الرقمي، لتسهيل تقديم الخدمات، يتطلب التنسيق بين وزارات الري والزراعة والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، لإعداد استراتيجية التحول الرقمي في أنظمة الري الحديثة والزراعة بالتقنيات الحديثة، ليكون هناك تعظيم لدور التحول الرقمي في زيادة الإنتاج الزراعي”.
وقال: “كان ترشيد مياه الري يمثل أولوية، إلا أنني أرى أن هذه الأولوية لا بد أن تبدأ من نشر ثقافة غلق الحنفية المفتوحة في المنازل، حيث إن المواطن الذي يُرشد استهلاك الحنفية هو الذي سيرشد مياه الزراعة عند ري أرضه الزراعية، وغلق ماكينة الري التي تعمل بالساعات، كما أنه سيكون أكثر قابلية للتعامل من خلال منظومة الري الحديثة التي تسعى الحكومة جاهدة لتنفيذها بتحويل واقع ري الغمر إلى ري التنقيط».