«سيرة الآخرين» لبشير البكر: من الحسكة إلى إيثاكا!

يقدم البكر في «سيرة الآخرين» نسيجا من خيوط السير الشخصية، وأشكالا من النقد الأدبي والفني، والتأطير التاريخي، محلولة، دائما، بأثير يعبق بتفاصيل العلاقات الشخصية المتداخلة، وتحضر العلاقات بصور الصداقة، أو العلاقة الأدبية، أو المهنية، منظورا إليها بعين متأملة، مقيّمة، متعاطفة في أغلب الأحيان.
يشكّل الكتاب ما يشبه لوحة جدارية ضخمة، أو معمارا سرديا تلعب فيه الشخصيات، التي قام الكاتب بإحيائها، بشكل يظهر، بوضوح، كيف أن جزءا كبيرا من عالمنا السياسي والثقافي مرتبط بأولئك الذين كان أغلبهم مالئ الدنيا وشاغل الناس.
يدل العدد الكبير من الأشخاص، على اتساع دوائر الكاتب وتطاول تجربته بالسياسة والاجتماع، واندماجه في التاريخ السياسي والثقافي لجغرافيا واسعة، تمتد من سوريا، مكان ولادته، إلى لبنان، الذي كان موئل المثقفين السوريين لعقود طويلة، وصولا إلى الخليج العربي، حيث عمل طويلا ضمن الملف اليمني، وتولى إدارة مجلة شعرية، وصولا إلى فرنسا، التي عمل فيها ضمن مجلة «اليوم السابع» وصارت محل بناء إسرته وإقامته لزمن طويل، وانتهاء في لندن، حيث كان أحد مؤسسي الزميلة «العربي الجديد» مؤلفا، خلال تلك الرحلة الطويلة، كتبا في السياسة والشعر، يضيف إليها الكتاب الأخير تجربة في سرد السير.
تفسّر هذه الإقامات، في سوريا، لبنان، فرنسا، والخليج العربي، والسياق الجغرافي الثقافي السياسي المتعرج للبكر وجود واحدة وثلاثين شخصية من سوريا، وخمس عشرة شخصية من لبنان/فرنسا، وتسع من فلسطين، إضافة إلى شخصيات من العراق/السعودية واليمن وتونس وموريتانيا/المغرب وفرنسا.
تتحوّل سير الشخصيات أحيانا إلى تنقيب في الأماكن، على ما نرى في الحديث عن حلب، خلال فصلي رياض الصالح الحسين وحامد بدرخان، بشكل يؤثّر في السياق الثقافي للشخصيات، على ما هو حال تامر والماغوط، مع نشر باكورة مجموعاتهما، القصصية والشعرية، في لبنان عن دار مجلة شعر، وعلاقات كثيرين المعقدة مع باريس مثل يوسف عبدلكي وبشير هلال وصاموئيل شمعون ونجوى بركات، وحالة بندر عبد الحميد الذي أسس «مضافة» ثقافية دمشقية فيها يعرفها مثقفو سوريا والعالم العربي، وحالة التشكيلي سمير سلامة الذي يذهب إلى فلسطين فلا يجد البيت الذي ولد فيه في صفد، وحالة يحيى يخلف الذي اشتهر بروايته عن نجران في السعودية، وحسونة المصباحي الذي يعود في نهاية رحلته الحياتية إلى قريته في ريف القيروان.
في الكتاب معلومات كثيرة بديعة، على ما نرى من الكشف عن أن بطل «شرق المتوسط» لعبد الرحمن منيف هو يوسف زعيّن، القيادي السابق في حزب «البعث» وأن نعرف أن الماغوط كان يخاتل قراءه في مسألة سبب انضمامه للحزب «السوري القومي الاجتماعي» (قصة مشهورة عنه يقول فيها إن مقر الحزب في السلمية كانت فيه مدفأة، على عكس حال مقر «البعث») ومنها احتفاظ البكر بمخطوط استقالة محمود درويش من اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، وكتابته عن أطراف الصراع على خلافة بورقيبة في تونس، ما أدى لاعتقاله والتهديد بترحيله إلى سوريا، وتأثير إريك رولو في موقف ميتران من القضية الفلسطينية، ودوره في إجلاء ياسر عرفات عن طرابلس 1983 على سفينة فرنسية، في وقت كان النظام السوري يريد تصفيته، وغداؤه مع «السيناتور» (الرئيس الأمريكي الحالي) جو بايدن في باريس عام 2004، بدعوة من الناقد السينمائي غسان عبد الخالق، وسكنى علي الجندي مع غسان كنفاني، وحادثة تعرفه الغريبة على بدر شاكر السياب عبر الشيخ دحام الدندل إلخ.
تشتبك شخصيات «سيرة الآخرين» بتقاطعات الجغرافيا والثقافة والسياسة السورية والعربية والعالمية، وتتشابه، في أحيان كثيرة، مع سيرة البكر نفسه، وكما يورد الكاتب على لسان عبد الرحمن منيف، في الفصل المكتوب عنه إن «كل رواية تحمل قدرا من شخصية الكاتب» فإن شخصيات سير البكر، تحمل بدورها، الرحلة الكبيرة في المسالك والممالك، التي قطعها هو نفسه، فعبد الرحمن منيف، المولود من أب سعودي وأم عراقية، يقيم في العراق ومصر وسوريا وفرنسا، والباهي محمد موريتاني ـ مغربي يقيم في فرنسا، وحامد بدرخان، سوري ـ تركي، ولا تقتصر التشابهات على شخصيات المنطقة العربية، فهناك تقاطعات مثيرة مع سير أجانب مسّهم الوضع العربي، كما هو حال إريك رولو الذي تنقل عبر الشرق الأوسط، أو أمين معلوف اللبناني ـ الفرنسي، الذي شغله موضوع الانتماءات والهويات المتعددة فنشر أكثر من كتاب حولها. يمكن النظر إلى الكتاب، ضمن هذا السياق، باعتباره سير الآخرين المنثورة في سيرة الكاتب، وسيرة البكر، المنثورة عبر سير الآخرين، ومن الطبيعي، والحال هذه، أن نجد أسماء تلك الشخصيات، بشكل كبير، في السير الأخرى.

مع التبحر أكثر في الكتاب نصل إلى أن الكاتب مشغول، في الحقيقة، بشخصيات تعبر، مثله هو نفسه، الحدود العجيبة المتخيلة أو الحقيقية: المدنية والبداوة، القدامة والحداثة، الشرق والغرب، الثقافة والسياسة، الشعر والسرد، الواقعي والغرائبي. يحلّق بعض أولئك، في رحلة مكثفة تراجيدية، وينطلق آخرون إلى آخر ما يصله سهم الروح أو الجغرافيا أو الثقافة أو السياسة.

تتواشج علاقات البكر الواسعة على مد البسيطة، وتؤدي به للقاء شخصيات «أكبر من الحياة» كما يقول التعبير الإنكليزي، وفي جمهرته تجد المفكر والمثقف والروائي والصحافي الموسوعي والرسام والشاعر والمغني والناقد والسياسي، ويلتقط الكاتب، من حياة كل شخصية نقطة مركزية يبني عليها شغله ويوضح منظوره، وتصبح تلك الإضاءة نقطة هندسية في معمار الكتاب ككل. يحكي البكر مثلا عن خروج عزمي بشارة من فلسطين وتفرغه للعمل الفكري، ويلتقط في عبد السلام العجيلي ميزة «الحكواتي» ويرى في صادق جلال العظم «المفكر في صف الثورة» وينتبه إلى المعنى العميق للصالون الثقافي لعبد العزيز المقالح، ويلتقط شخصيات تحلّق عاليا ثم تنقطف باكرا، كما سمير قصير ورياض الصالح الحسين ودعد حداد (التي «ماتت من شدة الشعر»)
ممتع، لمحبّ القراءة، في رأيي، أن يعتبر «سيرة الآخرين» أحجية يقوم بلأم أجزائها بنفسه. يمكن أن تبدأ الأحجية من اختيار البكر عنوان «سيرة الآخرين» لكتابه، كما لو أن كل السير هي سيرة واحدة (سيرة الكاتب نفسه؟). قراءة أخرى مقترحة للكتاب هي أن نعتبره مقاربة لحقبة ثقافية اجتماعية سياسية واسعة، يكون فيها الكاتب رحالة دائبا، ليس على المستوى الجغرافي حسب، بل على مستوى المعارف والعلاقات والتشابكات. تؤدي تلك التشابكات إلى مصادفات مهمة، كما في الحبكات الروائية، مثل أن يتبرع شخص في صنعاء، ليعرّفه إلى عالم اليمن، بأخذه من الفندق إلى مقيل (صالون) عبد العزيز المقالح، ليكتشف أن سائقه البسيط شخص مسيّس ومثقف كان من أركان المشير عبد الله السلال (الجنرال الذي أنهى حكم الإمامة في اليمن) وأن يلتقي في الصالون بأدونيس وكمال أبو ديب وأدباء آخرين منهم، زيد مطيع دماج (صاحب رواية «الرهينة» الشهيرة) وخالد الرويشان، الذي أصبح وزير ثقافة.
هناك قرابة يحب البكر نسجها مع من مسّتهم الصحراء أو البداوة، كما هو حال الباهي محمد، وخليل النعيمي، وفواز طرابلسي، وعبد الرحمن منيف (الذي كان نفسه ممسوسا بهذا العالم) كما أن البعض يستشعر فيه ملامح المناطق الأخرى التي طبعته بطابعها (يظن الشاعر جهاد هديب أنه مغربي).
مع التبحر أكثر في الكتاب نصل إلى أن الكاتب مشغول، في الحقيقة، بشخصيات تعبر، مثله هو نفسه، الحدود العجيبة المتخيلة أو الحقيقية: المدنية والبداوة، القدامة والحداثة، الشرق والغرب، الثقافة والسياسة، الشعر والسرد، الواقعي والغرائبي. يحلّق بعض أولئك، في رحلة مكثفة تراجيدية، وينطلق آخرون إلى آخر ما يصله سهم الروح أو الجغرافيا أو الثقافة أو السياسة. يقوم الكاتب، خلال ذلك، بجسر تلك الحدود، ذاهبا مثل رحالة كافافيس الباحث عن «إيثاكا» من المكان الذي ولد فيه، الحسكة (الواقعة في منطقة يسمّيها أهلها «الجزيرة» لوقوعها بين نهري دجلة والفرات) إلى بحر الظلمات عابرا نحو أوروبا، ناظرا إلى صدوع القارّات، وحروب الثقافات، وتناحر الهويّات، باحثا عن حلول لألغاز، أو عن توافق ممكن أو متخيل للهويات والثقافات والأديان والقوميات، زافرا زفرة العربي الأخيرة في الغرب، متلهفا لرؤية السماء الأولى التي ولد تحتها، مثلما وقف يوما على الأرض الأولى فرأى عوالم أخرى بعيدة.

كاتب من أسرة «القدس العربي»

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية