صور من العفة والحياء في ثقافتنا الأدبية

أحسن الشعر أصدقه أم أكذبه؟ جدلية قديمة متجددة. فمال أكثر النقاد القدامى إلى الصدق فحسنوا من القول أشرفه، وعدوا ذلك من عيار الأدب، كما في نظرية عمود الشعر؛ وازدرى المتأخرون، من ذوي «الصوت العالي» الصدق، واعتدوا بالجمال أكثر منه، فأبحروا بشعرهم في كل الأغراض بلا شراع. وبقي آخرون أوفياء للموروث، لا تقليدا غير واع، بل قناعة ترسخت بدرس وبصر.
تلقف النقاد المحدثون نظرية الجمال كما هي جاهزة من الثقافة الغربية، التي تحررت من تاريخها الكنسي، الذي أثقل المعرفة بما ليس منها. وقد كان العلماء الأوروبيون على صواب في مجمل ثورتهم بداية عصر النهضة، لولا أنهم كانوا كمن احتطب ليلا، فأتوا على موروثهم الديني عامة، وفصلوا، بغير حكمة، بين الأخلاق وعلم الجمال، فصلا أضر بهما معا، لتتفلت الفنون من ربقة الأخلاق فتسبح الأهواء بها في كل واد.

فتنة النساء والمخيال الشعري

للغزل في الأدب العربي عناية خاصة، وقد ضرب فيه الشعراء الفحول بنصيب وافر، فالمرأة رفيقة الحياة، وأنس الروح، ومتاع الجسد. وهي محظية بخلقة جميلة، جعلتها محط الأنظار ومثار الغريزة وعنوان الإعجاب. ذلك موضوع ثقافي حساس في مجتمعاتنا الشرقية، لُفّ لفّا محكما بغطاء من العفة والحياء، صوّره أحمد شوقي بأحسن ما يكون عندما أنشد في رائعته «خدعوها بقولهم حسناء
يوم كنا، ولا تسَل كيف كنَّا نتهادى من الهوى ما نشاءُ
وعلينا من العفـافِ رقيـبٌ تعبـت في مِراسـه الأهــواءُ

العلاقة بين الرجل والمرأة علاقة ساحرة لا تنضب أسرارها، وجد فيها الشعراء موردا غذى شاعريتهم فتغزلوا بالمرأة ما شاء لهم أن يتغزلوا، تارة بوصف فيه عفة أو مجون، وتارة أخرى بنسيب يذكرون فيه مودّات النساء والصبابة إليهن؛ فلكل شاعر وجهة هو موليها. وكانت المتغزل بها متلقية لذلك الشعر كما يتلقى الممدوح القول من مادحيه، لأن موقع المعني بالشعر، ولو كان مهجوا، لا يستدعي منه ردا، إلا إذا كان شاعرا لديه ما يقول لمن يتقصده، لذلك قلّ في «الأدب النسوي» البوح على طريقة الرجال، تناغما مع الفطرة البشرية التي جبلت عليها حواء. حواء التي زُيّنت في أصل الخلقة بالحياء، ونشّئت عليه إنشاء، إلا ما جاء في الحكمة النبوية عن آخر الزمان، حين يرفع الحياء من وجوه النساء رفعا.
ما أكثر ما يفتن الشعراء بدلّ النساء ويعجبون بحسنهن، فلربما هام الشاعر فألّه الحبيبة أو خرج بقوله عن حدود اللياقة والأدب، ولقد ورد في كتاب الإمام السيوطي «نواضر الأيك» ما يغني المرء عن التصريح. إن للنساء فتنة أشد ما تكون على الرجال الأسوياء، وأعذب ما في هذه الفتنة أن الرغبة فيها متأهبة دوما لأن تلبي، قولا وفعلا، لولا تلك الرواسي التي تمنع المفتون أن تميد به عاطفته الغريزية نحو المحذور؛ فمن الناس من يستغرق في شاعريته، لا يبالي إلا بما تراءى له من قيمة أدبية يضن بها على الزوال، فيسعى لتخليدها ولو كتمها إلى حين، كما هو الشأن في رسائل الحب والغرام، الطافحة بمشاعر جياشة، خبأها أصحابها دهرا مخافة أن تزري بهم، وأغلب من يصنع ذلك الرجال. بيد أن طائفة ممن اكتوين بلظى تلك الكلمات حرصن على إظهارها، وإنما يبكي على الحب النساء كما يقول العرفاء.
بين القابلية الجبلية للوداد، ودخول التجربة المحرضة على الوصال، والالتزام بالأخلاق، تشتعل ثورة الابتلاء بين جوانح العاشقين؛ فمن الناس من يتمادى في الحب فيفعل ما يملي عليه هواه، غير عابئ أين ترسو مراكبه؛ ومن الناس من يشتدّ بلاؤه فيدنف، ولما يزل متشبثا بحبل النجاة لا يفلته، ولا يرى شفاء من دائه إلا بالنكاح. لقد شغف امرأة العزيز فتاها حبا فأغوته، لكن الفتى استعصم، وألقى بالأسباب إلى خالقها متضرعا بضعفه البشري فعُصم. والقصة أروع مثال يحتذى في الأدب العالمي الخالد، حيث الحبكة المتقنة لعناصر القصة ومعانيها في منتهى الجمال، قصة اختلط فيها التعلق بالتمنع، والرغبة الجامحة بالتعفف، والسطوة بالقهر، والفضيلة بالرذيلة، والآدمية بالنبوة.. وبين ذا وذاك تمضي الحياة بآدم وحواء في دروب الابتلاء بلا توقف، لغاية لها في سر الوجود نسب، أشار إليه مسعر بن كدام بن ظهير لما أنشد:
تفنى اللذاذة ممن نال صفوتها من الحرامِ ويبقى الإثم والعارُ
تبقى عواقبُ سوءٍ من مغبتها لا خيرَ في لذة من بعدها النارُ

من روافد الشعرية الحياء

لم تعن النساء بنشر لواعج أهوائهن وتباريحها على الملأ إلا ما التقط عرضا من داخل الغرفات، لقد كانت الشريفات يعددن ذلك من الحياء فتنأى عن خدشه يقينا منهن بأنه من شعب الإيمان. ولهذا شاهد أوجب على عمر بن الخطاب (عليه رضوان الله) تقصير غياب الجند عن أزواجهم إلى أربعة أشهر، عندما سمع تلك المرأة تعالج لهيب الأشواق بقولها:
تطاول هذا الليل واسود جانبُهْ وأرقـني أن لا خليل ألاعـبـُهْ
فواللـه لـولا اللـه أنـي أراقبــُـهْ لحُرِّك من هذا السرير جوانبُهْ

ومن حرائر العرب اللواتي اخترن الاستعفاف بالنكاح بعد الترمل أسماء بنت عميس (رضي الله عنها) فقد خطبها أبو بكر الصديق لنفسه وتزوجها، بعد أن قالت مرثية في بعلها المتوفى سار بها الركبان؛ لذلك استأذن علي بن أبي طالب أبا بكر أن يكلم أسماء من وراء ستر فأذن له فقال لها على وجه البسط: من القائلة في شعرها:
فآليتُ لا تنفك نفسي حزينةً عليك ولا ينفكّ جلدي أغْبرَا
فللّه عينا من رأى مثـلَه فتىً أكرّ وأحمى في الهياج وأصْبرَا
فقالت: دعنا منك يا أبا الحسن فإنك امرؤ فيك دعابة !

لقد حسّنت البعثة النبوية كثيرا من عادات العرب وهذبت مشاعرهم، فحضت على غض البصر والتعفف بالصوم والزواج المبكر وأعلت من شأنه، وعرفت لعنترة العبسي حقه فأكرمت أهله، ولله دره حين قال:
وَأَغَضُّ طَرفي ما بَدَت لي جارَتي حَتّى يُواري جارَتي مَأواها
إِنّي اِمرُؤٌ سَمحُ الخَليقَةِ ماجِدٌ لا أُتبِعُ النَفسَ اللَجوجَ هَواها

شطحات الأدب النسوي في الشرق

لا غرو أن تبرز في أدبنا المعاصر ثلة من الكتاب والكاتبات، منهم الناشئ الجديد ومنهم المتمرس العتيد، يفوح من قول بعضهم تمرد ونزق، خطّوا نصوصا نثرية وشعرية في أغراض تدور حول «الأدب النسوي» يبدو أن أكثرها يبيح للنفس أن تتكشف للناس كما هي، غير مكترثة بالقيم الأخلاقية التي حكمت عيار القول في مجتمعاتنا المسلمة، وربما عيّر بعض هؤلاء المجتمعات الشرقية بالتخلف وازدراء حق النساء في البوح كما الرجال. ولهؤلاء نصير معضّد من أخلاقيات المجتمعات الغربية «المتحضرة»؛ وتلكم ملحمة ثقافية أخرى، لها حكاية شيقة جدا.
إن مربط الفرس عندنا في من تهوى أن تُسمع الناس أفراحها المجنونة بالحب العذري الذي تعيش، أو تبيح لهذا الحب أن يعبر سريرا لقضاء لذة تطفئ شغف الوله، إنها لحظات مشعشعة تذهب ألباب الرجال الحازمين، كما النساء، فهل في هذه القصص التي تجري في مخيلة بناتنا الكاتبات، العابرة أشعارهن الحدود عبر الإنترنت، أي مشكلات؟
للبيئة الثقافية التي تعيش فيها الكاتبات «المتحررات» سطوة على اختياراتهن الأدبية، سطوة الحرية المتفلتة من عقالها، أو سطوة الفضيلة التي تتجاوز بعباءتها حدود الفن، وليس العقل بكاف وحده ليملك القائل زمام أربه. أرب لو أطلق له العنان لظهر في الأرض فساد كبير، قد يورد الناس مهالك شتى، حياتهم القصيرة في غنى عنها. أما يسع الأديبات المحدثات من بنات الشرق بث ما يعتلج بين جوانحهن من نار الغرام داخل الحجرات، كما فعلت أسلافهن، ملتزمات بـ»الحلال» إن كان ولا بد من الكلام؟ أما كان لهن في عابدات الخلوات في جنح الظلام أسوة يتأسين بها، من أمثال رابعة الشامية، التي بدلت حبيبا قد ترثيه بحبيب آخر أبد الدهر تبقيه، حين كانت في الدجى تناجيه:
ولقد جعلتك في الفؤاد محدثي وأبحت جسمي من أراد جلوسي
فالجسم مني للجليس مؤانسُ وحبيب قلبي في الفؤاد أنيسي
لم تكف طائفةً من الشعراء، قديما وحديثا، عناصرُ الأدب الأربعة: العاطفة، والمعنى، والأسلوب، والخيال، فتجاوزوها إلى شيطان الشعر، يمدّهم في الغيّ، ولو أنهم مدّوا وصلا للوحي لمدّهم، كما مد روح القدس حسان بن ثابت الأنصاري في هجائه. وبين الوحي وشيطان الشعر ائتلاف واختلاف، وعلى بناتنا الشاعرات الجديدات أن يقدرن ذلك تقديرا حكيما قبل أن يخطون، ثم ليضربن بأقلامهن الأدبية في أي فن من الفنون.

كاتب من الجزائر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية