أحمد العمراوي 1 الممنوع محظور علي وعليك بنص الشرع أو القانون أو العرف. أعرف وتعرف ذلك منذ الولادة، وربما قبل مجيئك إلى الدنيا بأهلية تامة، ربما بالفطرة تدرك بعض الممنوعات، وبالتربية والتدريب تنمي ما أدركت وما لم تدرك.
سلوك الكائن الحي مرتبط بهذا المنع، فبقدر استطاعتك الكبرى التغلب على شهواتك ‘ الدنيئة’ ‘ ‘المنحطة’ ، ستكون الكائن المستقيم المرضي عنك من طرف الكل.
الشيطان يؤثر على ذاتك ‘ المريضة’ فتخلق الفوضى ولذا وجب تنبيهك بالقول والفعل والكتابة. ما هي لغة المكتوب التي تشير إلى الممنوعات في عصرنا الحالي، وفي شوارعنا العامة بالتحديد؟ 2نقرأ أحيانا إعلانات مصحوبة بإشارات، أو بعلامات للمنع متعارف عليها دوليا. كالعلامات الخاصة بتنظيم السير بالنسبة للسيارات مثلا. علامة قف بالحرف العربي وباللاتيني. ممنوع التدخين نقرأها بالعربية أو الفرنسية أو الأنجليزية. D’fense de fumer ، No smoking. اختيار الحرف واللغة يخضع للمكان وأهله. في المقاهي الشعبية تكتب عبارات المنع بالعربية، وفي المقاهي الراقية تكتب بلغة موليير وشيكسبير. وقد نرفق ذلك بعلامات بالنسبة للذين لا يقرأون الحروف مهما كانت لغتها.3لمن نتوجه بالممنوعات كتابيا؟ نحن نتوجه بها حتما لمن يحسن القراءة أو يعرف فك الحروف على الأقل. لغة الممنوع stop تتجه للذهن والفكر من أجل الفعل أو تجنب الفعل. فإذا كان الأمر عند الأصوليين هو: اللفظ الذي يدل على طلب امتثال الفعل، سواء أكان بصيغة جازمة؛ أم كان بصيغة غير جازمة، فإن تهريفه عند البلاغيين هو طلب الفعل على وجه الاستعلاء من الأعلى إلى الأدنى على سبيل التكليف والإلزام بصيغ مختلفة كفعل الأمر، أو المصدر النائب عن فعل الأمر، أو المضارع مع لام الأمر أو اسم فعل الأمر.
أما النهي عند الأصوليين فهو ‘ القول الطالب لترك الفعل’ سواء أكان ذلك بصيغة جازمة، أم كان بصيغة غير جازمة. ويعرف في علم البلاغة بكونه طلب الكفّ عن الفعل على وجه الاستعلاء والإلزام. وفي كل تعريف نلاحظ ها التوجه من مخاطِب إلى مستقبل للخطاب من أجل الفعل أو الامتناع. ومن ثم فالمنع القانوني هو الكف عن إزعاج الجماعة من أجل سلامة الكل.
يتوجه النهي إذن للتنبيه على ارتكاب مخالفة تدخل في الإخلال بشيء ما قد يمس الجانب الأخلاقي أو الاجتماعي أو الأمني المتعلق بالآخر. نحن لا نهتم في خطابنا مع هذا الآخر بالجنس أو اللون، ولكننا نعير اهتماما بالغا للغته التي سنخاطبه بها ليفهمنا أكثر، وسنستعمل لغة أقرب للغته الأم، أو ما سيعرف بلغة رغبة الأم وهو اللفظ الصحيح من زاوية التحليل النفسي. 4’ممنوع رمي الأزبال’، عبارة نقرأها على بقايا جدار أو على جدار هو في طور الإنشاء. تكتب بخط غليظ وبكتابة رديئة غالبا. ولكنك حين تبحث عن مكان ‘ شرعي ‘ لوضع نفاياتك ولا تجده فستكون هذه العبارة الدالة على المنع هي نفسها الدالة على الأمر، وهذا المكان الملوث من طرف واحد سيتحول بالتالي إلى مكان للتلويث الجماعي، لأنه مكان شبه مستور أو منزوٍ قليلا عن أنظار العامة.’ممنوع البول’، عبارة نجدها في الكثير من شوارعنا، في الأحياء الشعبية خاصة. نقرأها بالعربية الفصحى والأقل فصاحة. نادرا ما نجدها بلغة أخرى غير العربية. فهل معنى ذلك أن توجهنا بالخطاب هو لفاعل ينتمي للحقل العربي لغويا وفكريا وعلى مستوى الهوية أيضا؟
وكأنما قراء الحرف العربي هم وحدهم من يلوثون المكان بهذا السائل المزعج، هم لا يجدون مرحاضا عموميا ولن يجدوه ولذلك علي أن أحذرهم من ناحية، وأرشدهم من ناحية أخرى إلى المنع وضده.
اتركوا متاعكم بداخلكم من فضلكم إلى أن تخرجوا للخلاء الذي له أيضا آدابه لدى فقهائنا القدامى الذين كانوا يخوضون في كل شيء بلا حرج. على بعض الحيطان نقرأ: ممنوع البول يا حمار، نقرأ يضا: ممنوع البول ومن حصل فإنه سيأدي ( هكذا كتبت ) ، نقرأ أحيانا ممنوع البول: اذهب بعيدا، وأيضا احترم تحترم. لعل المثير هنا دون أن ندخل في تحليل سوسيولوجي أو نفساني دقيق، فذلك ليس مقصدنا هنا، المثير في منع البول في الشارع العام هو لغة المكتوب: العربية. حبيبتنا المقدسة. لغة الشعر والأدب ونشرات الأخبار الرسمية ولغة الجرائد الأكثر انتشارا إلكترونيا وورقيا, العربية تتسع لكل شيء، فهل سنكتب بها كل شيء؟ ونحن نتساءل فقط: لِمَ نكتب ونتعمد أن نربط بين هذا النوع من المنوعات وبين اللغة العربية الفصحى رغم أننا الآن نكتب أغلب اللوحات الإشهارية التجارية بالدارجة؟ هل معنى ذلك أننا لن نحاسِب من لا يقرأ الحرف العربي إذا قام بهذا الفعل ‘ الشنيع’ ما دمنا قد كتبناه بلغة يجهل حروفها؟ عن العلاقة بين الكلام ومن ثَم الكتابة يقول الدكتور مصطفى صفوان: ‘ غيرية الصوت الذي يعلن الحكمة الأخلاقية هو على شاكلة صوت دالّ اللاوعي، حيث يثبت أن الذات تفرض سماع رسالتها من مكان آخر ( كبير) إلى موقع اللغة ّ ( مصطفى صفوان، الكلام أو الموت، ترجمة مصطفى حجازي، مركز دراسات الوحدة العربية، 2008، ص: 95) الآخر الكبير Grand A حسب جاك لاكان، هو هذا الرمزي الذي أخاطبه فيك وفي، ولكن لنفترض فقط أننا أكثرنا من المراحيض في كل مكان ونظمنا مدننا، وأكثرنا من مواضع وضع القمامات، فهل سيكون لهذا المكتوب مشروعية، في كتابة تدل على المنع بالعربية خاصة؟
نشير فقط إلى أن اللغة العربية هي لغة قائمة بذاتها في كل شيء، ومن هنا على أهلها مناط التكلبف إذا أرادوا رد الاعتبار لذواتهم المهزوزة بازدواجية مهزوزة هي أيضا نطقا وكتابة. [email protected]