اندلاع اشتباكات بالأسلحة الثقيلة بين قوات الجيش والدعم السريع، تمركزت في المواقع الاستراتيجية، وسط انتشار عسكري واسع، وحالة من الذعر بين المواطنين، فيما علق مطار الخرطوم الدولي الرحلات المحلية والدولية.
الخرطوم ـ «القدس العربي»: أعلنت قوات الدعم السريع سيطرتها على القصر الرئاسي ومطار الخرطوم وقاعدة مروي الجوية ضمن مناطق أخرى، فيما قال الجيش السوداني أنه يتصدى لهجوم الدعم السريع الذي وصفه بـ«الغادر» متهما إياها بتنفيذ أجندة جهات أخرى. بينما شوهدت السنة اللهب تتصاعد من أحد أبراج القيادة العامة للجيش.
من جانبها دعت القوات المدنية الموقعة على الاتفاق الإطاري، الجيش والدعم السريع إلى الوقف الفوري للعدائيات، مناشدة المجتمع الدولي والإقليمي للتحرك بشكل عاجل لوقف المواجهات. فيما أكدت وسائل إعلام محلية سقوط إصابات بين القوات العسكرية والمدنيين.
وشهدت العاصمة السودانية الخرطوم، ومدينة مروي شمال البلاد، ومناطق أخرى، منذ صبيحة السبت، اندلاع اشتباكات بالأسلحة الثقيلة بين قوات الجيش والدعم السريع، تمركزت في المواقع الاستراتيجية، وسط انتشار عسكري واسع، وحالة من الذعر بين المواطنين. فيما علق مطار الخرطوم الدولي الرحلات المحلية والدولية.
وقال مصدر مطلع في مطار الخرطوم، لـ«القدس العربي» إن قوات الدعم السريع انتشرت بشكل كثيف داخل المطار الرئيسي للبلاد وقامت بمحاصرة برج الملاحة وطلبت من الموظفين التوقف عن القيام بمهامهم.
وحسب شهود عيان تحدثوا لـ«القدس العربي» أغلقت قوات عسكرية متنوعة، صباح أمس السبت، محيط القيادة العامة للجيش وشارع المطار وعددا من الشوارع الرئيسية وسط الخرطوم.
وقالت المواطنة سلمى أحمد، لـ«القدس العربي» إنها خرجت مع زملائها من مكاتبهم وسط الخرطوم، صباح (اليوم) وسط حالة من الخوف والذعر بعد تصاعد أصوات إطلاق النار، وحاولوا التوجه لمناطق أكثر أمنا، إلا أنهم فوجئوا بإغلاق معظم شوارع وسط الخرطوم، مضيفة: تارة نجد الطريق مغلقا بقوات الجيش وأخرى الدعم السريع.
وبينت أنهم لجأوا للشوارع الداخلية للخروج من المنطقة.
وأشار الجيش في بيان مقتضب، إلى أن قواته تتصدى لـ« الدعم السريع» متهما اياه بمهاجمة الجيش في عدة مناطق في البلاد.
وقال في بيان السبت: «إن قوات الدعم السريع في مواصلة لمسيرتها في الغدر والخيانة حاولت مهاجمة قوات الجيش في المدينة الرياضية بالعاصمة الخرطوم ومواقع أخرى وأن القوات المسلحة تتصدى لها».
وقال الجيش في بيان آخر إن ما يتم تداوله عن أن قوات الدعم السريع (المتمردة) سيطرت على مطار مروي أو أي مواقع أخرى هو محض إشاعة وحرب نفسية.
وتابع «قواتكم المسلحة الأبية تفرض سيطرتها وهيمنتها على كل القواعد والمطارات، وما زالت تدافع وتؤدي واجبها الدستوري والوطني والقانوني».
وبعد بيان للدعم السريع، صباح السبت، قالت فيه إن الجيش يضرب حصارا على قواتها في منطقة سوبا جنوب الخرطوم، وينهال عليها بهجوم كاسح بكافة أنواع الأسلحة الثقيلة والخفيفة واصفة اللحظة بالتاريخية الحرجة، أعلنت لاحقا، أنها سيطرت على القصر الرئاسي والمطار القومي وقاعدة مروي، وكبدت الجيش خسائر فادحة.
وأشارت إلى أنها تفاجأت صباح السبت بقوة كبيرة من الجيش تدخل إلى مقر تواجد قواتها في أرض المعسكرات سوبا بالخرطوم وتضرب حصارا على القوات المتواجدة وأن تلك القوات انهالت عليها بهجوم كاسح بكافة أنواع الأسلحة الثقيلة والخفيفة، إلا أنها عادت وكبدت الجيش خسائر فادحة.
وأكدت أن ما تقوم به من تحركات في إطار الدفاع عن النفس بعد هجوم الجيش على قواتها في العاصمة الخرطوم ومناطق أخرى، واصفة ما حدث بالاعتداء الغاشم .
ولفتت إلى أنها أجرت اتصالات مع كل من الآلية الدولية الرباعية ومجموعة الوساطة المحلية وأطلعتهم على الأمر.
وأضافت: «نهيب بالشعب السوداني وبالرأي العام الدولي والإقليمي إلى إدانة هذا المسلك الجبان كما ندعو الشعب السوداني إلى التماسك في هذه اللحظة التاريخية الحرجة».
وفي مدينة مروي، التي تبعد نحو 350 كيلومترا، شمال العاصمة السودانية الخرطوم، بدأت التوترات تتصاعد على نحو غير مسبوق، بين الجيش وقوات الدعم السريع.
وشهدت المدينة منذ صبيحة السبت أصوات إطلاق نار كثيفة وتصاعد ألسنة الدخان من داخل القاعدة الجوية العسكرية التابعة للجيش، وانتشارا واسعا لقواته في أنحاء المنطقة، في ظل حالة من الهلع بين المواطنين.
وفجر الأربعاء الماضي، فوجئ مواطنو المنطقة ذات الطبيعة الصحراوية الهادئة، بعشرات السيارات العسكرية والجنود التابعين لقوات الدعم السريع يدخلون إلى المنطقة عبر الجسور وطريق شريان الشمال، الأمر الذي دعا لجان المقاومة لإطلاق تحذيرات للمواطنين بأخذ الحيطة والحذر، منددة بتحويل المنطقة إلى مسرح للصراع العسكري.
بالمقابل، انتشر الجيش، الذي يملك قاعدة جوية عسكرية في المنطقة، وطالب الدعم السريع بالمغادرة، وسط تعزيزات عسكرية من الجانبين.
سبق ذلك، تحشيد عسكري واسع في العاصمة السودانية الخرطوم وإقليم دارفور غرب السودان، حيث حرك الدعم السريع مدرعات من الإقليم وصلت إلى العاصمة بالتزامن مع وصول آليات عسكرية أخرى إلى مدينة مروي شمال البلاد.
وشهدت البلاد خلال اليومين الماضيين تحركات واسعة لجهود الوساطة، لاحتواء الأزمة بين الجيش والدعم السريع، محذرين من أن انطلاق الطلقة الأولى يعني الحرب.
وتواصلت التحركات لاحتواء الأزمة حتى مساء الجمعة، حيث عقد فريق الوساطة المكونة من أحزاب وحركات مسلحة، اجتماعات مع القادة العسكريين في محاولة لجمع رئيس المجلس السيادي السوداني القائد العام للجيش عبد الفتاح البرهان ونائبه قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو «حميدتي» في لقاء مشترك، يهدف إلى نزع فتيل الأزمة.
وقالت في بيان قبل ساعات قليلة من اندلاع الاشتباكات، أنها التقت البرهان مساء الجمعة، وأنها وجدت لديه روح إيجابية لحل الأزمة، وذلك بعد اجتماع آخر عقدته مع «حميدتي» أبدى خلاله التزامه بوقف التصعيد والاجتماع بـ«البرهان» بدون قيد أو شرط.
وحسب بيان للوساطة، أشارت إلى أنها خلال لقائها مع البرهان لمست «روحًا إيجابية معهودة» واستعدادًا للإقدام على أي خطوة تعين على حلحلة الإشكال الطارئ بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع وإعادة الأمور إلى نصابها الطبيعي.
وفيما يلي اجتماعها مع حميدتي، أوضحت أنها في مواصلة جهودهم لنزع فتيل الأزمة الأمنية في البلاد، التقت «حميدتي» وأكد لها بعد حوار صريح وجاد، التزامه التام بعدم التصعيد، واستعداده للجلوس مع البرهان وقيادة القوات المسلحة السودانية في أي وقت من غير قيد أو شرط، بغية الوصول إلى حل جذري للأزمة يحقن الدماء ويحقق الأمن في البلاد. إلا أن تلك التحركات لم تفلح في منع انفجار الصراع المسلح، وتصاعد الاشتباكات بين الجيش والدعم السريع.
وجاء التصعيد الأخير بين الجانبين، بالتزامن مع تعقيدات تواجه المفاوضات حول الإصلاح العسكري ودمج قوات الدعم السريع في الجيش وهيكلة القيادة.
وعلى الرغم من عمليات التحشيد العسكري وحرب التصريحات التي تصاعدت مؤخرا بين قادة الجانبين، تعد هذه المرة الأولى، التي تبلغ فيها التوترات هذه الدرجة من التصعيد.
وكان الجيش السوداني قد أشار في بيان الخميس إلى تحركات عسكرية يقوم بها الدعم السريع من دون تنسيق مشترك معلنا دق ناقوس الخطر وأن البلاد تمر بمنعطف تاريخي خطير، وأن تلك المخاطر تزيد بقيام قيادة قوات الدعم السريع بتحشيد القوات والانفتاح داخل العاصمة وبعض المدن. لاحقا تطورت الأحداث بشكل متسارع وصولا لاندلاع الاشتباكات المسلحة.
وفي 25 تشرين الأول/اكتوبر 2021 نفذ رئيس المجلس السيادي السوداني، القائد العام للجيش عبد الفتاح البرهان، ونائبه قائد قوات الدعم السريع، محمد حمدان دقلو «حميدتي» انقلابا عسكريا، أطاح بالحكومة الانتقالية بقيادة رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك، والتي تم تشكيلها في أعقاب إسقاط الثورة الشعبية لنظام الرئيس السوداني المعزول عمر البشير.
إلا أن الخلافات تصاعدت لاحقا بين الجانبين، مع تصاعد قلق «حميدتي» من تقارب الجيش مع الإسلاميين، الناقمين عليه بالأساس، بسبب تخليه عن البشير في لحظات حكمه الأخيرة، الأمر الذي قد يهدد وجود قائد الدعم السريع في السلطة حال عودة الإسلاميين.
وفي 5 كانون الأول/ديسمبر الماضي، وقع عدد من الأطراف المدنية، أبرزها مكونات الحرية والتغيير، اتفاقا إطاريا مع المكونات العسكرية، وقع عليه البرهان وحميدتي كل على حدة، بالإضافة إلى عدد من قادة الحركات المسلحة.
وكان من المنتظر أن يتم توقيع الاتفاق النهائي، في السادس من الشهر الجاري، إلا أن تصاعد الخلافات بين الجيش والدعم السريع حول عملية الإصلاح العسكري، حال دون ذلك.
ومثلت مسألة هيكلة القيادة، عقدة الخلاف بين الجانبين، حيث يتمسك الجيش بتبعية الدعم السريع لقيادته، ومن الجانب الآخر يطالب «حميدتي» بأن تتبع قواته لرئيس الوزراء المدني، في الحكومة المقبلة، والذي سيشغل أيضا منصب رئيس مجلس الأمن والدفاع.
وكانت لجان المقاومة في مروي، شمال السودان- مسرح التصعيد الأخير بين الجيش والدعم السريع- قد دعت المواطنين لأخذ الحيطة والحذر، منددة بمحاولات تحويلها لمنطقة صراع عسكري.
وأكدت رفضها تحركات لسيارات عسكرية تابعة لقوات الدعم السريع في المنطقة، منذ الأربعاء، مشيرة إلى أن الجيش منع دخول تلك القوات.
وأشارت في بيان، إلى أن مواطني المنطقة، استيقظوا الأربعاء، على حركة سيارات تابعة لقوات الدعم السريع عبر الجسور وطريق شريان الشمال، شمال البلاد، متجهة نحو محلية مروي.
وقالت إن الدعم السريع وعبر زعيم عشائري بالمنطقة، قامت بشراء مساحة تقدر بـ25 فدانا، مجاورة لمطار مروي بمنطقة (فتنة) على مقربة من منشآت تابعة للجيش.
وشددت اللجان على رفضها لما وصفته بتمدد قوات الدعم السريع في المنطقة وترويع الأهالي عبر تحويل المحلية لمنطقة صراع عسكري.
وأضافت: «لا مكان في أراضينا لميليشيا الدعم السريع بأي صورة من الصور».
وحسب البيان، رفض الجيش قيام قاعدة الدعم السريع جوار قاعدة مروي الجوية التابعة للجيش شمال السودان، ومن ثم شهدت المنطقة تحركات لسيارات عسكرية تابعة للدعم السريع، تصاعدت بعدها الأحداث على نحو غير مسبوق.
ويتهم المجلس المركزي للحرية والتغيير، النظام السابق، بتأجيج الصراع بين الجيش والدعم السريع لعرقلة العملية السياسية الجارية في البلاد، ودفع البلاد نحو الحرب.
وأعلنت استعدادها للعمل المشترك للتصدي لما وصفتها بـ«مؤامرات المؤتمر الوطني المحلول»- الحزب الحاكم السابق-، لافتة إلى أن أساس الأزمة ليست بين القوات المسلحة والدعم السريع وإنما يكمن في محاولات النظام السابق العودة إلى الحكم وأن عناصره مستعدون لجر البلاد نحو الحرب الأهلية.
ودعت الجميع للوقوف ضد الحرب وضد عودة الإسلاميين.