فلسطين وإسرائيل: حرب على كل الجبهات وحكومة المتطرفين تريد تأكيد حل الدولة العنصرية الواحدة

إبراهيم درويش
حجم الخط
1

بدا في الأسبوع الماضي وكأن كل الجبهات الإسرائيلية والفلسطينية والسورية والإسرائيلية ستشتعل وتتحول إلى حرب شاملة، هذا إلى جانب التطورات اليومية للحكومة المتطرفة لبنيامين نتنياهو ووزرائه الذين يحاولون التصرف وكأنهم ملوك الأرض سواء في القدس والضفة الغربية، فقد قاموا بالتضييق على المصلين في المسجد الأقصى واقتحامه والتظاهر نحو مستوطنة غير شرعية في الضفة الغربية بقيادة وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير وعدد من وزراء الحكومة ونوابها في تظاهرة استفزازية بعد سلسلة التصريحات حول تدمير القرى الفلسطينية وتوسيع المستوطنات والضم واستمرار المداهمات التي يقوم بها الجيش الإسرائيلي للمدن الفلسطينية وقتل الشبان بذريعة أنهم كانوا يخططون لعمليات «إرهابية». ووسط كل هذا تتواصل الأزمة الداخلية في إسرائيل على خلفية الإصلاحات القضائية، حيث أعلن الرئيس يتسحق هيرتزوغ قبل أيام عن التوصل لتسوية بين الحكومة والمحتجين.
ويبدو أن حكومة نتنياهو عازمة على خلط الأوراق وإشعال الحرائق في كل مكان. فقد كانت الهجمات الصاروخية من غزة ولبنان وسوريا ردا على الممارسات الإسرائيلية في القدس وانتهاكها حرمة رمضان مع أن بعض المحللين قرأوا فيها رسائل عن وحدة «محور المقاومة» ضد إسرائيل وجرأة من ممثليه. في تقرير نشره موقع «أتلانتك كاونسل» (13/4/2023) قال فيه نيكولاس بلانفورد إن الهدوء المشحون عاد إلى الحدود اللبنانية الإسرائيلية بعد أيام من إطلاق مجموعة مجهولة وابلا من الصواريخ على إسرائيل من لبنان. مشيرا أنها كانت أخطر موجة عنف تشهدها المنطقة منذ أكثر من ستة عشر عاما.

لا شيء يحدث بدون الحزب

فقد اعتبر هجوم 6 نيسان/أبريل الذي تم خلاله إطلاق 34 صاروخا من نوع غراد عيار 122 ملم من قطاع ساحلي جنوب صور في جنوب لبنان وضرب مناطق في غرب الجليل، ردا على ضرب قوات الأمن الإسرائيلية للمصلين في المسجد الأقصى بالقدس. من بين أربعة وثلاثين صاروخا، تم اعتراض 25 بواسطة نظام القبة الحديدية المضادة للصواريخ. ولم تعلن أي جهة مسؤولية عن الهجمات، في وقت نفى فيه متحدث باسم حزب الله أي علاقة بها، ولكن إسرائيل حملت الجماعات الفلسطينية واعتبرته «حدثا فلسطيني التوجه» تقف وراءه إما حماس أو الجهاد الإسلامي. وردت بقصف أهداف في غزة وجنوب صور، أحدها قريب من مخيم الرشيدية للاجئين الفلسطينيين.
ولا يستبعد أن تكون عناصر من حزب الله وراء الهجمات الصاروخية ولكن إسرائيل اختارت تحميل الفلسطينيين اللوم. ويعتقد بلانفورد أنه يتم تحميل اللوم وبشكل روتيني للفصائل الفلسطينية من قبل مسؤولي الأمن الإسرائيليين واللبنانيين في المرات المتلاحقة لإطلاق الصواريخ بعد عام 2006 من جنوب لبنان على إسرائيل. والسبب هو أنها تتزامن عادة مع الحملات العسكرية الإسرائيلية ضد حماس في قطاع غزة، وبالتالي توفر المبرر. بالإضافة إلى ذلك، فإن الهجمات دائما ما تكون من عمل هواة وتتألف من صواريخ يسهل الحصول عليها يتم إطلاقها من قاذفات أحادية بدائية، بدلا من الراجمات متعددة الفوهات التي صممت من أجلها. وغالبا ما تكون المقذوفات بعيدة عن الحدود أو تصطدم بالبحر. ومع ذلك، فقد شهدت السنوات الست عشرة الماضية عمليات إطلاق صاروخية متقطعة ولم يقبض لا حزب الله أو الجيش اللبناني على أي فلسطيني. وبالنظر إلى تعقيد مهمة إطلاق الصواريخ ونصب الراجمات في مناطق تحت سيطرة حزب الله، فلربما نسق الحزب مع حماس أو جماعة فلسطينية أخرى.
ولم تترك التعليقات الإسرائيلية أي مجال للشك بأن القصف الصاروخي هو عملية منسقة بين حزب الله وحماس.

تجنب المواجهة

ويحمل الرد الإسرائيلي خلاصة أخرى وهو أن تحميل الجماعات الفلسطينية المسؤولية كان محاولة لتجنب المواجهة مع حزب الله أو محاولة لخفض التوتر، ذلك أن اتهام إسرائيل لحزب بالتورط يعني ضرب أهدافه، ما يخاطر بالتصعيد الذي كان يمكن أن يؤدي إلى حرب شاملة.
بدلا من ذلك، كان إلقاء اللوم على حماس، مع التلميح إلى مشاركة حزب الله المحتملة، هو الخيار الأسهل والأكثر أمانا، لا سيما بالنظر إلى الحد الأدنى من الإصابات والأضرار داخل إسرائيل من الضربة الصاروخية. ولكن ما يهم هو أن حزب الله أطلق أكبر وابل من الصواريخ ضد إسرائيل ومنذ عدة سنين، وحدث كل هذا في سياق أوسع وهو تطبيع حماس علاقاتها مع سوريا في نهاية العام الماضي، وذلك بعد قطيعة استمرت لسنوات بسبب رد نظام دمشق الوحشي على المتظاهرين في عام 2011 وبالضرورة عادت حماس لمحور المقاومة الذي تقوده إيران، ويضم سوريا وحزب الله والجهاد الإسلامي الفلسطيني وميليشيات وفصائل إقليمية أخرى معارضة لإسرائيل والطموحات الغربية في الشرق الأوسط.

تحول

وأسهم الرد الإسرائيلي على المصلين والتطورات المتزايدة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وسط تكهنات باحتمال اندلاع انتفاضة ثالثة قريبا، في هذا التحول على محور المقاومة. كل هذا شجع حزب الله وحماس والجهاد الإسلامي على التنسيق بشكل أوثق، فقد كان إسماعيل هنية، زعيم حماس، في بيروت في 6 نيسان/أبريل وأجرى محادثات مع الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله.
ويعكس التعاون زيادة ملحوظة في النشاط على طول الحدود الشمالية لإسرائيل، وكذا التنسيق القوي بين حزب الله وحماس والجهاد الإسلامي الفلسطيني، والاضطرابات في إسرائيل والضفة الغربية إلى جانب رد الفعل المتحفظ نسبيا على أكبر هجوم صاروخي من لبنان منذ عام 2006 وهو ما سيشجع غالبا حزب الله وحلفاءه على إجراء مزيد من الاختبارات لإسرائيل في الأسابيع المقبلة، متقبلين جميع المخاطر الكامنة في ذلك. وتوصلت مجلة «إيكونوميست» (9/4/2023) إلى نفس النتيجة وهو التنسيق المتزايد بين أعداء إسرائيل، مشيرة أن التنسيق بين حماس وحزب الله هو أكبر من مجرد الرد على أحداث الأقصى ولا مجرد مجموعة صواريخ نسبت لمنظمات فلسطينية، فالكل يعرف أنه لا يحدث أي شيء في جنوب لبنان بدون موافقة حزب الله. كما أن الضربة على الجولان حدثت في منطقة من المعروف أن كل من حزب الله وفيلق القدس الإيراني يعملان بمباركة الرئيس السوري بشار الأسد. ومثل لقاء هنية ونصر الله، فلم تكن مصادفة أن يكون قائد فيلق القدس، إسماعيل قاآني في دمشق ذلك الوقت. ورأت المجلة أن إسرائيل اختارت عدم التصعيد في فترة عيد الفصح اليهودي، واكتفت بالرد على جيرانها بضربات جوية صغيرة النطاق ضد المباني غير المأهولة ومنصات الإطلاق. وعبرت المجلة عن قلقها من استخدام راجمات الصواريخ في الجنوب والشمال وسط اضطرابات في الضفة وغزة، إلى جانب التطورات الإقليمية الأوسع نطاقا، ولا سيما الثقة المتزايدة بالنفس لدى إيران ووكلائها بعد الاختراقات الدبلوماسية الأخيرة. ففي 10 آذار/مارس، وقعت إيران والسعودية اتفاقية بوساطة الصين، لإنهاء سبع سنوات من قطع العلاقات الدبلوماسية. كما خرج الأسد في الفترة الأخيرة من العزلة التي فرضها عليه العالم العربي بعد اندلاع الحرب الأهلية السورية في عام 2011 وزار في 19 آذار/مارس دولة الإمارات.
ومن هنا تعتقد المجلة أن التقارب وإعادة النظام الإقليمي منح فرصا غير متوقعة للاعبين آخرين. فحماس، المنقسمة منذ سنوات إلى جناحين، واحد متشدد يسعى إلى إقامة علاقات وثيقة مع سوريا، وهي قاعدة مهمة، وإيران مصدر التمويل وحاملة راية الإسلام الشيعي. وعلى الجانب الآخر، هناك خالد مشعل، الذي سعى إلى تحسين العلاقات مع الدول العربية السنية المعتدلة نسبيا، ولديه القليل من الحب لسوريا وإيران. في عام 2012 قطع العلاقات مع البلدين وأغلق مقر حماس في دمشق احتجاجا على مذابح الأسد للمتظاهرين. الآن وبعد محاولات إعادة الأسد مرة أخرى إلى الحظيرة العربية وتحسن العلاقات السعودية-الإيرانية، يبدو أن مشعل قد خسر الرهان.

تراجع التطبيع؟

وأضافت المجلة أن الاصطفاف الإقليمي الجديد يعتبر تراجعا، ولو مؤقتا، لموجة التطبيع التي قادت عام 2020 لإقامة إسرائيل علاقات دبلوماسية مع الإمارات والبحرين والمغرب أيضا. وأضافت أن قادة عربا مثل محمد بن زايد، رئيس الإمارات التقوا مع رئيسي الوزراء السابقين، نفتالي بينيت ويائير لابيد علانية وبشكل متكرر. أما نتنياهو فلم يعقد سوى اجتماع واحد من هذا القبيل منذ عودته إلى السلطة نهاية عام 2022 مع العاهل الأردني الملك عبد الله. وتم تأجيل زيارة مقررة إلى الإمارات إلى أجل غير مسمى. ويؤكد دبلوماسيون إسرائيليون وعرب أن محمد بن زايد، حاكمها الذي قاد الانفتاح العربي على إسرائيل، أصبح الآن أقل حماسا لأن يرى برفقة نتنياهو بينما تقوم الشرطة الإسرائيلية باقتحام ثالث أقدس الأماكن الإسلامية. وحقيقة أن حكومة نتنياهو تواجه أيضا احتجاجات غير مسبوقة في الداخل وانتقادات نادرة من إدارة بايدن بشأن إصلاحها القضائي المثير للجدل، والذي تم تعليقه الآن، هو سبب آخر للابتعاد عن نتنياهو الذي كان في يوم من الأيام يتمتع بنفوذ كبير. وربما خاطرت حماس وحزب الله في الهجمات بتأليب الرأي العام ضدهما نظرا للقوة الإسرائيلية الضاربة لكن السخرية من نتنياهو الضعيف وعلى ثلاث جبهات منفصلة، هي مخاطرة هم على استعداد لتحملها.

أين السلطة؟

ووسط كل الأحداث المتصاعدة في الضفة الغربية وعلى الحدود كان هناك صوت غائب وبشكل واضح: السلطة الوطنية، فرغم التطور الذي حصل في علاقاتها مع الولايات المتحدة بعد سنوات ترامب العجاف، إلا أن الضغوط الأمريكية عليها لم تتوقف كي تتحرك وتسيطر على المدن ومكافحة الجماعات المسلحة الجديدة وخاصة في نابلس وجنين. وتعرف السلطة أن إرسال قواتها إلى المدن يجردها من الشرعية كما حدث عندما اندلعت تظاهرات في نابلس العام الماضي احتجاجا على اعتقال مصعب اشتية المتهم بتمويل جماعات مثل عرين الأسود.
وتعتقد «إيكونوميست» (11/4/2023) أن غياب السلطة عن المشهد الحالي، نابع من عدم اهتمام الشارع الفلسطيني بها، فلم يعد هذا الشباب المحبط من عدم قدرتها على حمايتهم من المستوطنين الذين يعربدون في قراهم ومزارعهم يهتم بها، هذا إلى جانب مداهمات الجيش الإسرائيلي شبه اليومية، فالسلطة التي ينظر إليها كبلدية تحمل اسما مفخما لم تعد مهمة لحياتهم، فهي ليست فاسدة وبدون شرعية فقط بل ولا تستطيع تقديم خدمات وتواجه إضرابا للمعلمين منذ عدة أشهر وتعاني المستشفيات من نقص الأدوية والمعدات الطبية. وهي محاصرة من إسرائيل التي تضغط عليها لضرب المنظمات المسلحة التي لم تعد تستمع إلى القوى التقليدية ولا إلى السلطة، وبدون مال خاصة أن اسرائيل علقت أموال «المقاصة» التي تجبيها نيابة عن السلطة. أما المانحون الدوليون فهم محبطون، وحسب دبلوماسي، فلم تعد الدول المانحة تتعامل إلا نادرا مع السلطة وتذهب أموال الدعم مباشرة للمستشفيات أو المنظمات غير الحكومية. وهي بدون انتخابات منذ عام 2006 أو طريق واضح لخلافة الزعيم المسن، محمود عباس، 87 عاما، الذي يحكم منذ 18 عاما، وهو في ولايته الرابعة وألغى انتخابات في 2021 خوفا لخسارة حزبه، حركة فتح. ولهذا السبب فقدت السلطة علاقتها مع الشارع الذي كشف استطلاع أن نسبة 54 في المئة من الفلسطينيين ترى في انهيار السلطة مصلحة لهم وأن نسبة 54 في المئة منهم ترى في السلاح طريقا لإنهاء الاحتلال. وفي وقت لم تعد هناك أي عملية سلمية فقد احتضرت أو تحتضر منذ عام 2014.

دولة واحدة ولكن عنصرية

وهو ما بات يشير إلى واقع الدولة الواحدة وليس حل الدولتين. واقترح مقال في «فورين أفيرز» (14/4/2023) أن حل الدولة الواحدة بات واقعا، فحكومة نتنياهو الأخيرة لم تخترع حل الدولة الواحدة بل وجعلت من الصعوبة على الناظر تجاهله. ربما كان هناك مجال لقيام الدولة الفلسطينية وقت أوسلو عام 1993 لكن الدولة هذه لم تعد في الجناح تنتظر الخروج. والحقيقة أن كل المنطقة غرب نهر الأردن خاضعة لإسرائيل، فاحتلال الضفة الغربية هو واقع دائم وليس عرضيا، كما أن إسرائيل ليست دولة ديمقراطية. ويرى الباحثون المشاركون في المقالة أن حقيقة الدولة الواحدة لا تعني التخلي عن الفلسطينيين وحقوقهم، بل على العكس، فالحاجة لحمايتها مهمة نظرا للعنف اليومي والاستيلاء على أراضيهم والتوسع الاستيطاني. والسؤال ما هي انعكاسات هذا الوضع الحالي على صناع السياسة، أي تحول حقيقة الدولة الواحدة من سر مفتوح إلى حقيقة لا يمكن إنكارها؟ فمن ناحية إدارة بايدن، فهي ملتزمة بإدارة الأزمة ومتمسكة بوهم حل الدولتين والحفاظ على الوضع الراهن وسط عاصفة تتجمع في فلسطين وإسرائيل.
ولو أرادت الولايات المتحدة تجنب أزمة في الشرق الأوسط، فعليها أن تتوقف عن استثناء إسرائيل من المعايير الليبرالية للنظام العالمي التي تريد قيادته. ويؤكد المشاركون على أن الدولة الواحدة ليست أمرا ينتظر بل بات واقعا، فهناك دولة واحدة تتحكم من النهر إلى البحر وتسيطر على نقاط الدخول والخروج وقررت تغليب هويتها اليهودية على الهوية الليبرالية، دولة يريد المستوطنون فيها بناء إسرائيل جديدة على صورتهم.
ومن هنا باتت إسرائيل تشبه دولة أبارتهايد، ويقتضي هذا الوضع نظرة فاحصة من الولايات المتحدة للنظر إلى الواقع الذي ساعدت على خلقه واستثنته طوال الوقت من المعايير الليبرالية التي تفرضها وتطالب الآخرين بها. وفي الوقت الذي لا تستطيع فيه واشنطن منع إسرائيل من تطبيع العلاقات مع جيرانها العرب إلا أن عليها الامتناع عن لعب دور القابلة، في وقت لم تحل فيه القضية الفلسطينية، فوضع كهذا شجع إسرائيل على ممارساتها وعزز من اليمين المتطرف والمتفوقين اليهود الذين باتوا يطالبون بكل شيء، أو كما قال بن غفير فإن غزة لهم وعلى الفلسطينيين الرحيل إلى السعودية أو بلدان أخرى مثل العراق أو إيران. في الماضي كانت أصوات الصهيوينة الدينية هامشية ولكنها بفضل نتنياهو باتت تعبر عن كل إسرائيل اليوم.
بالمحصلة هدأت الجبهات وأعلن نتنياهو عن وقف اقتحامات المستوطنين للأقصى في العشر الأواخر من رمضان، على الآقل هذا ما قاله، والكل يعرف أن الهدوء بين الفلسطينيين والإسرائيليين حذر بانتظار الجولة المقبلة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية