الفلسطينيون في مرحلة ما بعد تفاهمات العقبة وشرم الشيخ

سعيد أبو معلا
حجم الخط
0

رام الله ـ «القدس العربي»: لا أبلغ من تعبير وزير الأمن القومي الإسرائيلي ايتمار بن غفير عندما قال بعد ساعات من لقاء العقبة الخماسي الذي جمع أمريكا ومصر والأردن مع الفلسطينيين والإسرائيليين، إن «ما جرى في العقبة سيبقى في العقبة». ويمكن أن نقول إن مثل هذه الجملة وبصياغة أكثر وضوحا صدرت عن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بعد لقاء شرم الشيخ الذي تبع لقاء العقبة بأسابيع عند مخاطبة بعض وزراء حكومته حيث قال بما معناه دعكم من التعليق على تفاهمات شرم الشيخ، فما جرى هناك سيبقى في المنتجع السياحي الشهير.

وسيبدو في التصريحين تلخيص للموقف الإسرائيلي الرسمي المتوقع سلفا. لكن الأيام التي توالت بعد اللقاءين مباشرة وما بينهما تؤكدان المؤكد والمتوقع والمحذر منه، في ضوء أن فهم الاحتلال لكل التفاهمات يأتي في سياق تفسيري خاص به ولخدمة مصالحه تماما.
ولغرض الوقوف على سؤال ما بعد تفاهمات العقبة وشرم الشيخ عقد المركز الفلسطينيّ لأبحاث السياسات والدّراسات الإستراتيجيّة «مسارات» قبل أيام جلسة افتراضية للعصف الذهني بهدف مناقشة وطرح سؤال: إلى أين؟ أو ما بعد التفاهمات في العقبة وشرم الشيخ؟
خلال اللقاء الذي كان عبارة عن عصف ذهني مفتوح وبدون متحدثين رئيسيين قدم مجموعة من المتحدثين والباحثين والأكاديميين وجهات نظرهم حول الواقع الفلسطيني في ظل تفاهمات رفضها الفلسطينيون بما يشبه حالة من شبه الاجماع.
وحسب ميسر اللقاء قال الباحث والمحلل السياسي خليل شاهين إن الفلسطينيين دخلوا عمليا في مرحلة ما بعد التفاهمات ذات الطابع الأمني.
وقال إن الفلسطينيين يعيشون في حالة من اليأس في أن تقدم القيادة على تغيير يعكس اتجاه المسار السياسي السائد منذ سنوات، فحالة المعارضة الشديدة للمشاركة في اجتماعي العقبة وشرم الشيخ لم تكن فقط من الفصائل خارج حركة فتح إنما كانت من داخل الحركة أيضا، كما أن هناك تسريبات ممن شارك في المسار تقدم معلومات مفادها أن إسرائيل لم تنفذ أية تفاهمات.
وحسب شاهين وهو باحث وخبير إعلامي ومحلل سياسي، عضو هيئة مكتب مجلس الأمناء ومدير البحوث والسياسات في المركز الفلسطيني لأبحاث السياسات والدراسات الإستراتيجية فإنه أمام الواقع الفلسطيني وغياب القدرة على التأثير على القرار السياسي يصبح السؤال: ماذا يمكن أن تفعل القوى والحركات والنقابات عمليا من أجل تشكيل حالة من الضغط السياسي لتغيير المسار الاستراتيجي؟ وإلى حين ذلك يكون السؤال الملح حول: ما نفعل الليلة وغدا؟ وشدد شاهين أن أربع دول تؤمن بحل الدولتين لم تكن قادرة على تضمين بياني تفاهمات العقبة وشرم الشيخ على كلمتين «حل الدولتين» بسبب معارضة إسرائيل ذلك.
بدوره طرح عمر عساف، وهو عضو التجمع الوطني الديمقراطي منسق حملة المؤتمر الشعبي الفلسطيني – 14 مليون، طرح سؤالا واعتبر الجواب عليه أولوية حيث قال: «هل هناك من يراهن على أن السلطة يمكنها أن تتراجع عن مسارها بحيث تصطف إلى جانب الموقف الشعبي الفلسطيني؟».
وأضاف: «أنا هنا لا أتحدث عن حركة فتح إنما أتحدث عن الأشخاص الخمسة الذين يتحكمون بالقرار الوطني الفلسطيني، فهل يمكن أن يرجعوا إلى إرادة الشعب؟».
وشدد في مداخلته أن القوى المنظمة (الأحزاب والفصائل) لديها أزمة، وبالتالي هي ليست جزءا من الحل، كما أنها تعترف أنها تعيش في أزمة، وعليه يكون السؤال: ما العمل؟ ماذا نفعل؟
وتابع طارحا سؤالا مركزيا في كيفية النظر للتفاهمات الأخيرة: «ما هو معيار فشل تفاهمات شرم الشيخ والعقبة؟ فمهما تصورنا أنها فشلت فعلينا معرفة أن الإسرائيليين يمشون على خط رسم سابقا ولا يتوقفون عن ذلك، أما السلطة الفلسطينية فهي لا تقاوم الإسرائيليين، إنما تتلقى التعليمات».
ورأى أن معيار الحكم بفشل التفاهمات فيه تشويش، والسبب في ذلك مرتبط بإن الفشل يعني أن نكون قادرين على إفشال ما يريده الإسرائيليون.
وقال عساف: «ما لم يكن هناك تجميع للقوى الوطنية التي تعارض سياسات السلطة داخل فلسطين وخارجها، ليس بهدف مناشدة السلطة أو نصح الرئيس أبو مازن، إنما من أجل النزول للشارع تحت مطلب واحد مضمونه أن فريق القيادة الفلسطينية الحالي لا يستند لأي شرعية وينبغي إعادة القضية إلى الشعب، ومن دون ذلك لن نشكل أي تصرف رادع للسياسة الفلسطينية.

تغيير المسار الحالي

أما الدكتور حسن أيوب، وهو باحث ومحلل في الشأن الفلسطيني، والسياسة الأمريكية، ومدرب متخصص قي قضايا الديمقراطية والحكم الرشيد، وفي مسائل حل الصراعات، فطرح بدوره سؤالا معتبرا أنه يمثل مفتاح المأزق الفلسطيني الذي نعيشه وهو: لماذا تخشى السلطة الفلسطينية التصعيد؟
ورأي أيوب وهو أكاديمي في جامعة النجاح الوطنية أن بداية علينا أن نصحح تصورا ردده البعض ومفاده أن السلطة الفلسطينية ذهبت إلى شرم الشيخ والعقبة مترددة أو بفعل الضغط العربي والدولي.
وتابع: «لنتذكر أنه وقبل أسابيع من لقاء العقبة كانت أصوات مسؤولين في السلطة تتحدث بصراحة حول طلبها من إسرائيل والإدارة الأمريكية بإن تقوم بالدور الأمني في شمال الضفة الغربية، وبعد ذلك ظهرت خطة الجنرال الأمريكي مايك فينزل الخاصة بالترتيبات الأمنية لإعادة السيطرة على شمال الضفة.
وحاول أن يجيب على سؤال أسباب خوف السلطة من التصعيد قائلا: «السلطة تخشى حالة التصعيد لأن هناك خلفية عامة لما تعيشه من أزمات على مستوى داخلي وتراكم لحالة كبيرة من الفشل السياسي، فالتصعيد أمر سينهي مشروع السلطة وسيعريه تماما».
وأشار إلى أن السلطة تتصرف من واقع هذه الخشية، فهي مرعوبة من فقدان زمام الأمور، تماما كما أنها مرعوبة من تشكل نموذج بديل مقاوم.
وقدم أيوب تقييما للمخاطر والفرص الموجودة باللحظة الراهنة، ففي جزئية المخاطر رأى أن إسرائيل انتقلت لاستراتيجية مختلفة تماما مع الحكومة اليمينية الحالية، فهي لم تعد تبالي بأي مظاهر لعملية تسوية، ولا حتى بالحد الأدنى، إنما نحن أمام استراتيجية تخير الفلسطينيين بين ثلاثة خيارات قاتلة: البقاء بلا حقوق، أو الرحيل أو القتل.
وحسب أيوب فإن التعديلات القضائية أحد أبرز أسبابها وأكثرها أهمية هو مغادرة ما خلقته إسرائيل من حالة توازن بين قوة البطش العسكري ومهمات الإدارة المدنية، فالحكومة الجديدة تريد تقييد الجهاز القضائي الذي يحافظ على مظاهر التوازن هذه. فالضم يحصل اليوم بقوة القانون وقوة الأمر الواقع.
وأضاف أنه من المخاطر أيضا حالة الضغط المتواصل من أجل تحويل السلطة أو نقلها من مربع التنسيق الأمني إلى مربع الشريك الأمني أيضا. إلى جانب أن إسرائيل لم تعد مجرد أداة وظيفية في يد الدولة الغربية، فهي تتصرف اليوم بصفتها دولة لها مصالح، حتى لو تناقضت مع الإدارة الأمريكية، وأفضل مثال العلاقة الجديدة مع بريطانيا.
أما في مسألة الفرص فقدمت مداخلة أيوب تقييما للفرص مثل وجود تغيير في تموضع القوى الإقليمية وتنويع تحالفاتها وعلاقاتها، لكن شدد أن السلطة لم تقدم على ذلك، وهي تستمر في حشر نفسها في خيار واحد أو خيارين، إما التفاوض أو انتظار حدوث التفاوض.
وختم أن المطلوب هو العمل على تجميع القوى الشعبية الفلسطينية والنخب السياسية من أجل العمل على تغيير المسار الحالي.

الاجماع الفلسطيني

أما الأكاديمي والباحث عماد أبو رحمة فرأى أن أكبر مشكلة في ذهاب السلطة إلى لقائي القمة وشرم الشيخ ترتبط بإن السلطة خالفت الاجماع الفلسطيني، وغيبت المؤسسات الرسمية، «فمن الذي أخذ القرار؟ وكيف أخذ القرار؟ أمران يعدان مؤشران مهمان، وهما مسألة تخصنا جميعا، في ظل أن قرارات من يقوم بالقيادة تمس كل المواطنين.
ورأى أبو رحمة أن التحرك الأمريكي جاء مع تصاعد حالة المقاومة، ووجود حكومة يمين فاشية، حيث حمل التدخل الأمريكي مضمون انقاذ حكومة نتنياهو وفي الصميم من ذلك المضمون الأمني حيث غابت الجوانب السياسية.
وحاول الإجابة على سؤال: ماذا خسرنا من المشاركة؟ قائلا: «في الوقت الذين كانت الإدانات الدولية تنهال على حكومة الاحتلال، وحتى من أمريكا، قمنا بتوفير الغطاء لكل الممارسات الاحتلالية، وشكلنا حالة انقاذ وتحسين لصورة إسرائيل أمام كل العالم».
وأضاف: «بدل العمل على تصاعد المقاطعة والإدانة الدولية نقوم بعمل لقاءات ذات مضمون أمني توفر غطاء للاحتلال».
وشدد أن مسار السلطة خاطئ، إنه «مسار يعكس الرؤية العقيمة للقيادة التي تقول: لا خيارات لنا إلا القبول على أمل عودة الإدارة الأمريكية وإحياء المفاوضات الميتة، أما من لا خيار لديه غير المفاوضات فهو طرف يقبل الذهاب للقاءات أمنية بغض النظر عن كون مؤسسات هذا الطرف أخذت قرار الذهاب أو ما طبيعة نتائج هذه اللقاءات».
وأشار أبو رحمة أنه «في حال وسعت السلطة خياراتها، وأدركت أنه لا يجب أن تحصر نفسها في خيار واحد وهو وهم العودة للمفاوضات، في ظل أنه لم يعد هناك أي آفاق لأي تسوية، فأمام وضع لا يتطور في دولة الاحتلال تجاه التفاوض، ولا يوجد طرف مستعد لأي مفاوضات، ولا توجد إدارة أمريكية مستعدة لرعاية عملية مفاوضات حقيقية وجديدة، يبقى أمام السلطة التعاطي مع الحالة الشعبية الراهنة، واعتماد خيار الشعب الفلسطيني».
ورآى أن السؤال اليوم هو كيف يتوحد الفلسطينيون ميدانيا في مواجهة الطوفان والجنون الإسرائيلي، فالوحدة الميدانية شعبيا والمقاومة بمختلف أشكالها هما المدخل الصائب الذي يمكنه أن يوفر المناخات للوحدة السياسية.
وختم أبو رحمة: «الاستمرار بالمسار خطير جدا، فيما قليل من الحكمة تجعلنا ندرك التقييم السلبي لكل ما جرى، وبالتالي سنمتنع عن المشاركة في لقاءات ستستمر من دون أي نتائج إيجابية للفلسطينيين».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية