مواصلة تغييب القضية الفلسطينية في احتجاجات تل أبيب إسرائيل بين جبهتين داخلية وخارجية وتصارع من أجل ديمقراطية جنبا إلى جنب مع الاحتلال

وديع عواودة
حجم الخط
0

الناصرة ـ «القدس العربي»: لم يتخيل أقطاب حكومة الاحتلال وعلى رأسهم رئيسها بنيامين نتنياهو أن يجدوا أنفسهم أمام مأزقين قاسيين في الجبهتين الداخلية والخارجية، تشهد إسرائيل بسبب جرائهما ضربة لهيبتها ومكانتها أو قوة ردعها كما يحب المعّلقون الإسرائيليون تسميتها. في الأولى بادر الائتلاف الإسرائيلي الحاكم لمحاولة تمرير تشريعات قضائية، لتقليل هيمنة الجهاز القضائي وسيطرته على السلطتين التشريعية والتنفيذية، لكن أوساطا معارضة واسعة في البرلمان والرأي العام والشارع اعتبرتها انقلابا على الديمقراطية وبدوافع شخصية بالأساس فخرجت للشوارع بقوة اندفاع فاجأت الحكومة وقد اعترف رئيسها نتنياهو أنه لم يتوقع ردة الفعل الغاضبة على هذه «الإصلاحات القضائية» وذلك طبقا لتسريبات مقرّبين من حوله. وقد زادت حدة المعارضة الداخلية بعدما أٌقدم على حماقة في قرار عجول أطاح به وزير الأمن في حكومته يوآف غالانت رغم التوترّات الحاصلة واضطر بعد نحو أسبوعين على التراجع عن قراره بشكل مهين وتحت ضغط الشارع الإسرائيلي خاصة بعدما أنذرته استطلاعات رأي بانهيار شعبيته وشعبية ائتلافه الحاكم.

وأظهر استطلاع رأي نشرته صحيفة «معاريف» صحة نتائج استطلاع آخر قامت به القناة العبرية 12 وحسبه تراجعت قوة ائتلاف نتنياهو من 64 مقعدا في الكنيست إلى 51 مقعدا لو جرت الانتخابات العامة الآن، والليكود يتساوى مع «المعسكر الوطني» وغانتس الأنسب لرئاسة الحكومة بنظر المستطلعين عموما وناخبي أحزاب المعارضة خصوصا. كما كان متوقعا يكشف الاستطلاع عن وجود استياء من رئيس حزب «عوتسما يهوديت» المتطرف ووزير الأمن القومي، المدان بالإرهاب إيتمار بن غفير، تمثل بتراجع شعبيته لدرجة اقترابه من نسبة الحسم، إلى جانب تراجع كبير في شعبية أحزاب الائتلاف بقيادة رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو. وحسب الاستطلاع فإنه لو جرت انتخابات للكنيست الآن، لتغيرت الخريطة السياسية-الحزبية الإسرائيلية، من خلال ازدياد تمثيل الأحزاب التي تتألف منها المعارضة من 56 عضو كنيست إلى 69 عضو كنيست، وتراجع أحزاب الائتلاف من 64 عضو كنيست حاليا إلى 51 عضو كنيست. ويعني ذلك أن بإمكان المعارضة تشكيل حكومة من دون مشاركة قائمة الجبهة والعربية للتغيير. وتبين من الاستطلاع أيضا تراجع تمثيل حزب «هناك مستقبل» برئاسة يائير لابيد من 24 عضو كنيست حاليا إلى 19 عضوا، بينما يرتفع تمثيل كتلة «المعسكر الوطني» برئاسة بيني غانتس من 12 عضو كنيست حاليا إلى 26 عضو كنيست ويتساوى تمثيله مع حزب الليكود الحاكم، الممثل حاليا بـ32 عضو كنيست. وقال ثلث ناخبي قائمة الصهيونية الدينية برئاسة وزير المالية باتسلئيل سموتريتش في الانتخابات السابقة إنهم لا يعتزمون التصويت أو أنهم لا يعرفون حاليا لمن سيصوتون. كذلك استمر غانتس في الاستطلاع الحالي بالتفوق على نتنياهو كمرشح أنسب لتولي منصب رئيس الحكومة، بحصوله على تأييد 44 في المئة من المستطلعين مقابل 37 في المئة لنتنياهو، فيما قال 19 في المئة إنه لا يعرفون من الأنسب. وفي هذه الناحية، حصل غانتس على أغلبية ساحقة بين ناخبي أحزاب المعارضة، الذين اعتبر 81 في المئة منهم أنه الأنسب لرئاسة الحكومة. لكن شعبية نتنياهو بين ناخبي أحزاب الائتلاف أكبر، إذ قال 92 في المئة منهم إنه الأنسب لرئاسة الحكومة وفي التزامن تتواصل الاحتجاجات الإسرائيلية في الشوارع بدون انقطاع وسط تنظيم وتصميم لافتين.

الجبهة الخارجية

وفي التزامن يواجه نتنياهو وحكومته بل إسرائيل تحديات خارجية تنال من مكانتها وهيبتها تتمثل بتصميم الفلسطينيين على مواجهة الاحتلال وعلى الالتفاف حول الحرم القدسي الشريف وحول كنيسة القيامة في وجه التقييدات والاعتداءات المتصاعدة عليهما وعلى بقية المقدسات. ويجمع عدد كبير من المعلقين الإسرائيليين على أن حكومة الاحتلال ارتكبت حماقة كبيرة عندما أغفلت الحقيقة بأن للقوة حدود وأن الحرم بالنسبة للفلسطينيين هو ليس أولى القلبتين وثالث الحرمين فحسب به هو مركز عصب القدس وأن الاعتداء عليه هو بمثابة عبث ببرميل بارود، وأن مشاهد ضرب النساء والشيوخ خلال صلاة التراويح في الأقصى كانت صبا للبنزين على النار المشتعلة أصلا بشكل خاص منذ مارس/آذار 2022. وتتواصل الانتقادات في الرأي العام الإسرائيلي لحكومة الاحتلال ورئيسها لسماحهم باقتحام الأقصى بطريقة بربرية و«الوقوع في مصيدة نصبتها المقاومة» أو إيران من خلال استدراج قوات الاحتلال لدخل الحرم وداخل المسجد وتوثيق الاعتداءات الهمجية بالصوت والصورة وإشعال المقاومة في عدة جبهات ضمن ما يعرف بـ «وحدة الساحات» وهذا ما حذر منه المستشرق الإسرائيلي دورون ماتسا واللواء في الاحتياط الباحث في الشؤون الاستراتيجية يتسحاق بريك وهما قد اتفقا في مقالين منفصلين (نشرا في يديعوت احرونوت وفي معاريف) على أن إسرائيل تغط اليوم في نوم وفي غفلة من أمرها فيما يقوم أعداؤها بتجهيز كل ما يلزم لحرب واسعة وشيكة وعلى عدة جبهات بينما إسرائيل غير مستعدة وبدون جهوزية عملياتية ومنشغلة بل غارقة في خلافات داخلية.

الأقصى الدرع الواقي والحلم الجامع

وعلى خلفية ذلك ورغم كل التقييدات والإجراءات الأمنية المشددة التي فرضتها قوات الاحتلال، أدى نحو ربع مليون فلسطيني صلاة الجمعة الأخيرة من شهر رمضان المبارك في المسجد الأقصى وهذا يعكس قدسيته الدينية والوطنية بالنسبة للشعب الفلسطيني ممن يرون به الدرع الواقي والحلم الجامع لهويتهم وحقهم التاريخي في بلادهم الفلسطينية.
في التزامن بحث الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي زياد النخالة مع القيادة العراقية انتهاكات إسرائيل في الأقصى ومستجدات القضية الفلسطينية. وفي ظل تصاعد التوتر الأمني، استدعى الجيش الإسرائيلي قوات الاحتياط التابعة لمنظومات الدفاع الجوي ويقوم بنشر مزيد من بطاريات «القبة الحديدية» في شتى أنحاء البلد. وقالت قناة التلفزة الإسرائيلية أمس الأول إن الجيش الإسرائيلي استدعى عددا من قوات الاحتياط التابعة لمنظومات الدفاع الجوي وقام بنشر مزيد من بطاريات «القبة الحديدية» في شتى أنحاء البلد، وذلك في ظل التوتر الأمني في جميع القطاعات والإطلاق الأخير للصواريخ من أراضي لبنان وقطاع غزة وسوريا. وأضافت القناة أن الجيش الإسرائيلي نشر عدداً من قوات الكوماندوز لتعزيز قوات الشرطة في مراكز المدن الإسرائيلية، بناء على تعليمات وزير الدفاع يوآف غالانت، تحسباً من احتمال تنفيذ عمليات ضد أهداف إسرائيلية داخل المدن المركزية في منطقة تل أبيب ووسط إسرائيل. وأشارت إلى أن الجيش الإسرائيلي نشر بشكل واسع بطاريات «القبة الحديدية» في شتى أنحاء البلد واستدعى عدداً من قوات الاحتياط في الدفاعات الجوية لتشغيل هذه البطاريات لمواجهة احتمال وقوع هجمات بطائرات مُسيّرة أو عبر قذائف صاروخية ضد مواقع إسرائيلية.
وحسب التقرير، فإن أحد أسباب تعزيز القوات الأمنية في إسرائيل هو تزامن يوم الجمعة الأخير في شهر رمضان مع «يوم القدس العالمي» الذي تحييه إيران منذ سنة 1979 وأكد أن هذا اليوم يتسم بما وصفه بأنه نشاط دول المحور الإيراني ضد إسرائيل في مجموعة متنوعة الأبعاد. وأكدت قناة التلفزة أخيراً أن الجيش الإسرائيلي مستعد لإحباط هجمات محتملة مستقبلا عبر إطلاق قذائف صاروخية أو بواسطة طائرات مُسيّرة أو هجمات سيبرانية أو عمليات تنطلق من المناطق الفلسطينية المحتلة وتشمل إطلاق نار أو تفجير أو طعن أو دهس.

إغلاق المجال الجوي

وفي التزامن أيضا قررت إسرائيل إغلاق مجالها الجوي المدني على بعد 6 كيلومترات من الحدود اللبنانية والسورية شمالا، ومثلها على الحدود مع قطاع غزة جنوبا، وذلك تحسبا لهجمات صاروخية بمناسبة إحياء يوم القدس. وأوضحت الإذاعة العبرية العامة أنه تم توزيع رسالة بهذا الخصوص على سلطات المطارات، على أن يكون المنع ساريا حتى الساعة 7:30 من مساء اليوم الأحد بالتوقيت المحلي، وأضافت أنه جرى تعميم القرار على كافة الشركات التي تسيّر رحلات جوية من وإلى إسرائيل.
وكانت الإذاعة الإسرائيلية قد نقلت عن مصادر قولها إن هذه الإجراءات تأتي تحسبا لإقدام ما سمتها منظمات موالية لإيران على إطلاق صواريخ نحو إسرائيل خلال يوم القدس. وتصاعد التوتر مؤخرا ردا على الاقتحامات الإسرائيلية المتكررة داخل المسجد الأقصى خلال شهر رمضان، ووقعت اشتباكات في أنحاء مختلفة من الأراضي الفلسطينية ومناطق داخل الخط الأخضر، بالإضافة إلى إطلاق قذائف صاروخية من لبنان وغزة والجولان السوري المحتل.

تغييب القضية الفلسطينية

ومع ذلك لا يلاحظ وجود ربط إسرائيلي بين الجبهتين الداخلية والخارجية إلا من قبل الائتلاف الحاكم ولخدمة أغراض دعائية ضيقة بالزعم أن استمرار الاحتجاجات وإعلان المزيد من الضباط والجنود عن عصيانهم واستنكافهم عن التطوع والخدمة في الجيش يضعف إسرائيل في عيون أعدائها ودفعهم للتجرؤ عليها كما تجلى في إطلاق الصواريخ وهذا ما ترفضه المعارضة مؤكدة ان حماية الديمقراطية هي التي ستعزز قوة الدولة اليهودية وتزيد مناعتها أما تحولها لنظام دكتاتوري فهي بداية نهايتها. كما أن الربط يأتي من بعض أوساط اليسار التي تشير لعدم إمكانية وجود نظام ديمقراطي حقيقي مع استمرار الاحتلال لكن هذه الأصوات ما زالت محدودة ولذا فإن القضية الفلسطينية من هذه الناحية ما زالت مغيبة في احتجاجات تل أبيب وسط مطالبات من قبل فلسطينيي الداخل باستحضارها وتسويتها من باب أنها تتناقض والديمقراطية ويعتبرون ذلك أحد أسباب عدم مشاركتهم في الاحتجاجات هذه. ولكن هل يكفي اكتفاء فلسطينيي الداخل بذلك والوقوف جانبا والتفرج على المعركة الإسرائيلية الداخلية لأن شعارات المتظاهرين لا تلائمهم؟ هناك مراقبون يعتقدون أن الفلسطينيين في إسرائيل يتعاملون مع الأزمة الإسرائيلية بسذاجة أو رؤية سطحية وبنظرة طوباوية أو سياسية غير ناضجة خاصة أن نجاح التشريعات يعني بدء مرحلة سياسية خطيرة على كل الشعب الفلسطيني ما يستدعي محاولتهم على الأقل السعي لمنعها بطريقتهم وتحت شعاراتهم وتواصلهم مع من يؤازرهم في الشارع اليهودي وفي العالم.
ضمن هذه الأصوات المحدودة شن كاتب إسرائيلي هجوما لاذعا على دولة إسرائيل، قائلا إنه يشعر بالاشمئزاز من الوحشية التي تمارسها قوات الاحتلال في جميع الأراضي الفلسطينية. وفي مقال نشرته صحيفة «جروزاليم بوست» قال الناشط السياسي والاجتماعي غيرشون باسكن إن ما من إنسان ذي خُلق يمكن أن يشاهد ما يفعله الإسرائيليون تجاه الفلسطينيين ولا يشعر بالغضب

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية