مساعد الأمين العام للأمم المتحدة عبد الله الدردري: أفغانستان تواجه وضعاً صعباً والعائلات تتخذ قرارات قاسية لتأمين قوتها اليومي وشعبها مظلوم

حاوره: سليمان حاج إبراهيم
حجم الخط
0

أعادت القرارات الأخيرة لحكومة طالبان التي تحكم أفغانستان، ومنعها النساء العمل مع المنظمات الأممية وغير الحكومية، بعد حظرها التحاقهن بالجامعات والمدارس، البلد لواجهة الأحداث، مع التحديات التي يعيشها الشعب الأفغاني الذي يواجه مصاعب عدة، تلت عقوداً من الحروب والصراعات والاحتلال الأجنبي، وعقدت من الوضع العام. وخص الدكتور عبد الله الدردري الذي عين مؤخراً مساعداً للأمين العام للأمم المتحدة، ومديرًا للمكتب الإقليمي للدول العربية لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي «القدس العربي» بمقابلة شاملة تزامنت ونهاية مهمته ممثلاً مقيماً لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، للحديث عن الوضع في أفغانستان وإبراز التحديات الحالية التي يواجهها بلد يصنف من أفقر دول العالم. ويكشف الخبير الأممي أن أفغانستان ما تزال تعاني من آثار الحروب والصراعات التي أنهكت بلد له موقع استراتيجي ومخزون ثري من الموارد والامكانيات، لكنها غير مستغلة بسبب الظروف التي يمر بها. ويعتبر الاقتصادي السوري عبد الله الدردري، أن الوضع في كابل، ينذر بكوارث إنسانية حيث ما يزال أكثر من نصف سكان أفغانستان، يعتمدون على المعونات الإنسانية، وهم بحاجة ماسة إليها، والوضع على الحافة، وأي صدمة، مثل تراجع المعونات، ستؤدي إلى انهيار جديد وخطير في الوضع الإنساني، والاقتصادي، وينجم عنه ارتفاع نسب البطالة والفقر.
وتكشف المعطيات التي جمعها الصندوق الإنمائي الأممي بعد مسح شامل، تسجيل نحو 84 في المئة من الأفغان ليس لديهم قدرة على إنفاق ما كان خط الفقر عام 2020 رغم وجود أكثر من 3.5 مليار دولار أمريكي، معونات خارجية. ويشدد الخبير الأممي أن أفغانستان لا تحتمل صدمة جديدة، وهذه مسؤولية «سلطات الأمر الواقع» (طالبان) أولاً والمجتمع الدولي. ويضيف أن حوالي 92 في المئة من الأفغان اضطروا لاستخدام آليات قاسية للخروج من وضعهم الصعب، مثلاً قاموا بتزويج بناتهم في سن مبكرة، وحرموا أولادهم من التعليم وأدخلوهم سوق العمل، مع تخفيض حجم وكمية الوجبات الغذائية. كما أن حوالي 60 في المئة من الأفغان يستدينون فقط من أجل الأكل. وبالمقابل يتحدث الخبير السوري في الصندوق الإنمائي الأممي الذي ستكمل مهمته في أفغانستان استعداداً للعودة للمنطقة العربية، عن جهود فريقه التي تكللت أيضاً بتحقيق نجاحات شكلت فارقاً، منها خلق مليون فرصة عمل مؤقتة، ودعم الشركات المحلية، والمساهمة في جهود البنية التحتية في القطاع الزراعي والقطاع المدني والحضري والعمراني، وحتى إنقاذ البلد من حافة المجاعة. وإلى تفاصيل الحوار.
○ أرقام الأمم المتحدة تشير إلى أن ثلث الشعب الأفغاني أي 28 مليون رجل وامرأة وطفل يحتاجون إلى المساعدات المنقذة للحياة، وتسجل معاناة 20 مليون شخص من انعدام الأمن الغذائي، ستة ملايين منهم على بعد خطوة واحدة من المجاعة. ما الذي أوصل الوضع لهذه الحالة القاتمة؟
•لا يجب أن ننسى أن أفغانستان تعاني من الحروب والصراعات منذ أربعين سنة، ويضاف لحالة عدم الاستقرار عوامل أخرى مثل الفساد، وسوء الإدارة، وضعف الحوكمة، وعدم الاندماج في الاقتصاد الإقليمي، رغم موقعها الممتاز في الاقتصاد الإقليمي. كما يوجد ضعف شديد في البنى التحتية، وقدرة الطاقة الكهربائية ضعيفة. أفغانستان تحتاج إلى 10 آلاف ميغاواط من الطاقة الكهربائية على الأقل، بينما لا يتوفر لديها أكثر من 700 ميغاواط. وهناك ضعف في المنظومة المصرفية، حتى قبل وصول طالبان الحكم، فالنظام المصرفي ضعيف، ونسبة الإقراض للناتج المحلي الإجمالي أقل من 4 في المئة، وهي أقل نسبة في العالم. ولا ننسى أن عملية الإقراض أمر أساسي وحيوي في الحركة الاقتصادية. والاعتماد الكامل على المعونات الخارجية في المشاريع التنموية، ولم يكن هذا التمويل جزءاً من الموازنة العامة للدولة، في معظمه كان خارج الموازنة العامة. وبالتالي لم تكن هناك مساءلة حقيقية عن كيفية إنفاق هذا المال في التنمية. يضاف لها الهدر في التمويل العسكري، على مدى 20 سنة منذ تولي «الحلف الأطلسي» الإشراف على الأمور العسكرية في البلاد. طبعاً نضيف لهذا أنها خامس دولة في العالم الأكثر تأثراً بعوامل تغير المناخ، حيث تعاني من تقلبات عنيفة بين الفيضانات والجفاف، وهذه العناصر والعوامل والظروف توضح بشكل عام كيف تجد أفغانستان نفسها في هذا الوضع.
○ أين يقف البلد بعد مضي نحو سنتين على عودة طالبان للحكم؟
•الاقتصاد الأفغاني فقد سنة 2021 حوالي 20.7 في المئة من الناتج الإجمالي، ثم حوالي 7 في المئة من الناتج، والمزيد من الانكماش عام 2022 وتوقعاتنا لـ 2023 /2024 أننا سنبدأ بملاحظة بعض النمو الإيجابي يتراوح بين 1 إلى 2 في المئة سنوياً. والمشكلة أن هذا النمو هو أقل من معدل نمو السكان أي هو 2.5 في المئة، وبالتالي أفغانستان لا يمكن أن تخرج من حلقة الفقر المفرغة ما دام النمو الإجمالي وحصة الفرد من الناتج المحلي الإجمالي أقل من نسبة نمو السكان. وبالتالي ما تحتاجه أفغانستان هي معدلات نمو عالية تتجاوز 4 إلى 5 في المئة حتى يظهر الانعكاس على معدلات الفقر وعلى مستوى التحديات الإنسانية.
○ لكن لتحقيق هذا الرهان يحتاج الأمر لاستقرار سياسي يدعم الاستثمارات، في حين أن المعطيات والمؤشرات تؤكد أن ذلك ليس متاحاً، كيف تنظرون للأمر؟
•اليوم الوضع الاقتصادي غير جاذب للاستثمارات الأجنبية المباشرة، هناك اهتمام من قبل المستثمرين الأفغان، بعضهم مهتم بالعودة والاستثمار في البلاد، لكن هذا أمر يحتاج إلى مسار طويل من الإصلاح في البنية التحتية وبنية ومناخ الاستثمار. طبعاً الوضع الأمني تحسن، لكنه يتراجع نسبياً بسبب أحداث العنف التي تشهدها البلاد مؤخراً مع العمليات التي يقوم بها تنظيم الدولة. هناك بعض الاستقرار في السياسة العامة للدولة، وبالنسبة للسياسة الاقتصادية، لكن هناك تذبذبا شديدا في قضايا الضرائب، الآن تحصيل الضريبة يتم حتى على مستوى الباعة في الشارع، ومع وجود استقرار في الرسوم الجمركية، لكن نسمع أيضاً أخباراً عن زيادات في الرسوم.
○ طبعاً يضاف لها الاعتماد على المساعدات الخارجية، ما تأثيره على الوضع؟
•هناك اعتماد كبير على الأموال المتدفقة من الأمم المتحدة والمساعدات الخارجية إجمالاً، فالأمم المتحدة استقدمت حوالي 2 .2 مليار دولار نقداً في عام 2022 إلى أفغانستان، وهذا هو السبب الرئيسي لاستقرار العملة المحلية وتراجع معدلات التضخم. لكن هذا عمل خارجي فلا يمكن لدولة أن تعول دائماً على التدفقات المالية الأجنبية. وبدأنا فعلياً بمشاهدة تراجع في هذا التدفق، خصوصاً أن القرارات الحكومية حول المرأة ودورها في الاقتصاد، تهدد جدياً استمرار المساعدات الدولية وخاصة المساعدات التنموية، ما سيهدد هذا النمو الاقتصادي البطيء والمتواضع والهش.
○ كيف تقيم حصيلة عملكم في أفغانستان منذ استلام المنصب قبل أربع سنوات؟
•يمكن تقسيم المدة التي قضيتها في أفغانستان لعهدتين منفصلتين، الأولى من 2019 إلى 2021 وكانت محاولة لتعزيز برنامج الأمم المتحدة الإنمائي فيما يتعلق بإدماج أهداف التنمية المستدامة قبل عودة حركة طالبان، وكان الهدف الرئيسي دمج أهداف التنمية المستدامة بالخطط التنموية القطاعية والكلية، وبناء القدرات في المؤسسات الوطنية، وإجراء تقديم نماذج عن آليات عمل حكومي أفضل ومكافحة الفقر. ونجحنا في ذلك، ففي حلول عام 2021 كانت لدينا برامج كبيرة على أهداف التنمية المستدامة، وكانت لدينا آلية حكومية برئاسة النائب الأول لرئيس الجمهورية آنذاك، وهو يترأس مجلس أهداف التنمية المستدامة، والممثل المقيم هو الرئيس المشارك في هذا المجلس، وأصبحنا في قلب عملية صنع القرار الاقتصادي والتنموي.
○ طبعاً الأمر تغير مع عودة طالبان للحكم؟
•كل ما تحقق من تنسيق انهار في يوم واحد، بحلول 15 آب/اغسطس 2021 بدأنا مرحلة مختلفة تماماً، وهي مرحلة تقديم الدعم المباشر للمواطنين للحفاظ على الحد الأدنى للنشاط الاقتصادي، ودعم الصمود الاقتصادي والاجتماعي للمجتمعات المحلية. وخلال هذه الفترة استطعنا أن نخلق حوالي مليون فرصة عمل مؤقتة للأفغان، ودعم 40 ألف شركة تملكها النساء. وتمكنا من تهيئة بنية تحتية في القطاع الزراعي والقطاع المدني والحضري والعمراني، وتمكنا من الترويج للمنتجات الأفغانية في الخارج، خاصة الشركات التي تملكها نساء. كما تمكنا من تعزيز الصلح والسلم المحلي بين أفراد المجتمعات من خلال نشاطات تدعم مثل هذه الحوارات التي تشمل الجميع. كما تمكن الصندوق الإنمائي خلال الفترة الأخيرة من جمع موارد لا بأس بها، وأكثر من 200 مليون دولار من أجل إطلاق مشاريع جديدة في مجال الطاقة الشمسية، والقطاع الخاص ودعم الترقية والتعليم والصحة والتنمية المجتمعية على المستوى المحلي. ويمكن أن أقول أنا أنظر إلى السنوات الأربع الماضية وافتخر بما قمنا به، بذلنا جهدا كاملا، ولكن النتائج لم تكن كاملة، نظراً لعوامل كثيرة أثرت على الخطط.
○ ما هي المعوقات التي حالت دون تحقيق النتائج المرجوة؟
•ما من شك أنه حدثت تطورات كثيرة منذ تولي طالبان السلطة، ونحن نعمل في جو النساء فيه يغبن تدريجياً وبشكل مطلق عن الحياة العامة، فعن أي نمو اقتصادي أو أي مشاركة وأي مجتمع متجانس نتحدث، في ظل سياسة تقصي دور المرأة؟ ثانياً، كنا نتوقع أن يحصل التزام من قبل حركة طالبان بما تم التعهد فيه، بالنسبة لمنظومة حوكمة تشمل الجميع، فيما يتعلق بكل هذه القضايا، لكن لم يتم تنفيذ هذا الالتزام بشكل كامل. وبالتالي نحن نواجه ظروفاً صعبة جداً. كما لا تنسى أننا محاطون بعقوبات أممية ودولية ومن الاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة وبريطانيا، وغيرها، وهي عوامل تحد من إمكانية التوسع في النشاطات التنموية في البلاد.
○ إذاً ترى أنه فترة عملكم منذ سيطرة طالبان إلى غاية الآن، تأثرت بشكل كبير بالتغيرات التي حصلت؟
•مما لا شك فيه تأثر عملنا بشكل ما، لكن ظهرت بعض الفرص، وتبين لي من تجربتي الشخصية أن العمل مباشرة مع المجتمعات المحلية يعطي نتائج أسرع وأقوى، فلم أكن أتخيل أنه يمكن أن نستطيع خلق مليون فرصة عمل مؤقتة خلال سنة واحدة، كان هذا الهدف يبدو من المستحيلات، وتأكد لنا أن العمل مع المجتمعات المحلية فعال جداً ويعطي نتائج سريعة، وأيضاً لاحظنا انخفاضاً كبيراً في معدلات الفساد.
○ إذا تبقى قضية تواصل مباشر لتحقيق النتائج المرجوة محلياً وتذليل الصعوبات؟
•نعم مع طالبان وخاصة مع المجتمع المحلي، كان هناك تنسيق لتحقيق مشاريع التنمية، وتبين لنا مؤخراً مع إصدار الحكومة المركزية قرار منع عمل النساء مع المنظمات غير الحكومية، أنه على المستوى المحلي، قيادات وأعيان المجتمع، هم من يتكفل التواصل مع قيادة طالبان المحلية، وإقناعهم للعدول عن القرار، وحاجة الجميع لعمل النساء لتنفيذ البرامج التنموية، فليس سهلاً أن يدق الرجال أبواب البيوت ويتواصلون مع النساء. وبالتالي المجتمعات المحلية أثبتت أن لديها قدرة كبيرة على التفاوض مع طالبان محلياً لاستكمال العمل. وحقيقة 95 في المئة من النشاطات لم تتوقف، رغم القرارات التي صدرت بالنسبة لعمل المرأة.
○ العديد من التقارير تشير أنه من الخطأ الاستمرار في مواصلة تقديم المساعدات لأفغانستان البلد الذي اقتصاده منهار، هل ترون الأمر دقيقاً؟
•نحن نواجه معضلة أخلاقية في هذا الموضوع، مبادئنا لا تسمح أن نرى النساء لا يأتين إلى مكاتبنا ويحرمن من العمل، ويتم إقصاؤهن، وفي نفس الوقت، إذا قررنا التوقف عن العمل بسبب ذلك سيحرم الكثيرون من المساعدة، فنحن نخدم ملايين الأفغان، وهناك مئات الأفغانيات يعتمدن على نشاطنا، وتحقيق التوازن دائماً معضلة أخلاقية، لكن لابد أن نستمر، وما دامت الدول المانحة مستعدة للتمويل فيجب أن نستمر، فهذا لا ينفي أن هناك حوارا سياسيا بين البعثة السياسية والأمم المتحدة وطالبان بالدفع إلى إلغاء هذه القرارات، ونتمنى أن ينجحوا وتعود الزميلات إلى العمل.
○ هل هناك تقدم في هذه المفاوضات؟
•ليس بعد، فالقرار الذي صدر نهاية السنة الماضية شمل العاملات في المنظمات غير الحكومية الدولية، وحالياً توسع المنع ليشمل الموظفات العاملات في منظمات الأمم المتحدة. ما يزال الحوار مكثفا مع «سلطات الأمر الواقع» (طالبان) من أجل التراجع عن القرار، لكن من خلال تجربتنا لم يعودوا عن أي قرار بالتالي ما يهمنا الآن تطبيق القرار على الأرض، والتعاون مع المجتمعات المحلية والسلطات المحلية وإيجاد هوامش للتحرك والنشاط.
○ الكثير من التقارير ترى أن جهات أجنبية ودولية ستسحب مساعدتها عن أفغانستان بسبب قرار منع النساء عن العمل، ألا يثير الأمر المزيد من المخاوف؟
•الوضع العام في أفغانستان ووفق دراستنا الحديثة، يؤكد أن المجتمع الأفغاني استطاع أن يتفادى الأسوأ، فقد كنا نتوقع حدوث مجاعة، وبعد 15 آب/اغسطس أي قبل سنتين، كنا نتوقع أن تصل معدلات الفقر إلى 95 في المئة من نسبة السكان، لم تتحقق هذه التوقعات الأسوأ، لكن الوضع أيضاً ليس مثالياً، وما يزال أكثر من نصف سكان البلاد يعتمدون على المعونات الإنسانية، وهم بحاجة ماسة إليها. وضمن الدراسة المعمقة التي أنجزناها، يتضح بأن الوضع على الحافة، وأي صدمة مثل تراجع المعونات ستؤدي إلى انهيار جديد وخطير في الوضع الإنساني، والاقتصادي، وارتفاع نسب البطالة والفقر. أي نحن الآن في نقطة حرجة لا تحتمل مزيداً من الضغوط كتراجع تلك المعونات. نقول هذا الكلام للدول المانحة، ونقوله أيضا لسلطات الأمر الواقع، أن الوضع لا يحتمل مزيداً من الضغط.
○ لكن في حال أن طالبان لم تتراجع عن قراراتها المتعلقة بالنساء، ربما الأوضاع ستزداد سوءاً؟
•لو تراجعت معدلات المساعدات والمعونات الخارجية، فإننا سنشهد مزيداً من التدهور السلبي في الناتج العام الإجمالي، ومزيداً من التراجع في حصة الفرد من الناتج المحلي، فمثلا توقعاتنا في حصة الفرد من الناتج لا تتجاوز 363 دولارا للفرد في السنة، ومن المتوقع إذا تراجعت المساعدات أن تصل إلى 330 دولاراً، وهي أقل بكثير مقارنة مع 700 دولار كانت في 2019. وهو تراجع رهيب.
○ معدلات الفقر لا تزال مرتفعة حتى الآن بالرغم من كل الجهود، ما الحلول للتخفيف من حدتها؟
•يمكن الاستدلال بمؤشر قوي على ارتفاع معدلات الفقر، نحن لم نقم بعد بمسح لنفقات الأسر الذي يحدد معدل الفقر، ولكن المسح الذي نعتمده الآن والذي غطى 17 ألف أسرة في أفغانستان، وهو مسح معبر جداً، تبين لنا أن أكثر من 84 في المئة من الأفغان، ينفقون حالياً أقل من 2668 أفغانيا (30.92 دولار أمريكي) في الشهر، وهذا كان خط الفقر في عام 2020 وبالتالي نحو 84 في المئة من الأفغان ليست لديهم قدرة على إنفاق ما كان خط الفقر عام 2020. وإذا أضفنا ارتفاع أسعار المواد الغذائية، فنحن نتحدث عن خط فقر فوق 90 في المئة. رغم وجود أكثر من 3.5 مليار دولار أمريكي معونات خارجية. وبالتالي فإن أفغانستان لا تحتمل صدمة جديدة، وهذه مسؤولية «سلطات الأمر الواقع» (طالبان) أولاً والمجتمع الدولي.
○ هل هناك إعادة تفكير من طالبان في القرارات التي عززت من هذه العزلة والحال؟
•نحن نأمل ذلك ونحثهم دوماً، وهناك اجتماعات ستجري في شهر أيار/مايو المقبل، بين المانحين فيما بينهم، وبينهم وبين «سلطات الأمر الواقع» لاتخاذ قرار ما، والإجابة على سؤال إلى أين سنتوجه، هذه هي الوقائع، فالتقرير الذي أعددناه يتضمن تفاصيل أكثر وهي مؤلمة، فمن بين 17 ألف أسرة التي شاركت في المسح، فقط 8 في المئة منها قالت إنها لم تضطر لاستخدام آليات صمود وبقاء، وحوالي 92 في المئة من الأفغان اضطروا لاستخدام هذه الآليات، مثلاً قاموا بتزويج بناتهم في سن مبكرة، وحرموا أولادهم من التعليم وأدخلوهم سوق العمل، وتخفيض حجم وكمية الوجبات الغذائية. يضاف لذلك أن حوالي 60 في المئة من الأفغان يستدينون فقط من أجل الأكل، والذين أقرضوهم المال السنة الماضية من أجل الأكل، لم يعد لديهم المال للإقراض.
○ يعني المؤشرات قاسية؟
•نحن ذاهبون إلى حافة هاوية، ونحتاج إلى زيادة المعونات وتحسين بيئة الاستثمار، وتحسين في السياسة الحكومية، وتراجع عن قرارات منع المرأة من العمل، هذا بشكل عاجل، ويجب المبادرة في تنفيذها بسرعة.
○ المعلومات التي قدمتها الآن، تؤكد دقة الكثير من التقارير الصادرة عن لجوء أسر لخيارات مثل بيع أبنائها أو أعضائهم الجسدية مقابل مبالغ زهيدة لتأمين ضروريات الحياة؟
•يمكن القول إن نصف الأفغان، لا يملكون ملابس شتوية في بلد شتاؤه قاس، و40 في المئة من الأفغان لا يمتلكون ثمن وعاء البلاستيك لملء الماء، هذا الوضع لا يمكن أن يستمر، وهذا الوضع يدفع البعض إلى مزيد من التطرف، لأن هناك من يدفع أكثر للمنظمات المتشددة وإلى الهجرة، لأن أغلب الناس لا يستطيعون رؤية أبنائهم يموتون جوعاً.
○ يعني كل هذه المعطيات تؤكد أن أفغانستان ستكون من أفقر دول العالم؟
•أفغانستان اليوم هي إحدى أفقر 3 دول في العالم، للأسف الشديد، مع كل من اليمن وجنوب السودان، وبورندي، وهي تنافس هذه الدول على هذه المرتبة الأخيرة. وهو وضع مؤسف وصعب.
○ لو تحدثنا عن تجربتك الشخصية والعمل لأربع سنوات في أفغانستان كيف تنظر لها؟
• عندما سئلت أن أذهب إلى أفغانستان ممثلاً مقيماً لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، طرحت على نفسي سؤالاً عن القرار، حيث لم يكن لدي اطلاع واسع على وضع أفغانستان، لكن بصراحة أستطيع القول إن عملي في البلد كان من أغنى وأثرى التجارب المهنية والشخصية على مدى 36 سنة في مسيرتي المهنية. وبصراحة الشعب الأفغاني مظلوم، فهو شعب كريم، وشهم، وتاريخه عريق. أفغانستان تمتلك كل مقومات النهوض وتحتاج إلى رعاية، هو موضوع سوء التدبير، وإذا تعمقنا في وضع أفغانستان نجد أن القضية ليست في الفقر، لأن البلد يمتلك الكثير من الموارد، وغني بمقومات. لذلك حاولت أن أركز في السنوات الماضية على هذا الموضوع، ومساعدة الأفغان على إطلاق طاقاتهم. وتعلمت الكثير، فأنا مدين لأفغانستان بجزء هام من مسيرتي المهنية.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية