نواكشوط ـ «القدس العربي»: ليلة الثلاثاء المقبلة، هي ليلة القدر، تلك الليلة التي نسجت حولها الأساطير مع عظمتها الدينية؛ ففي هذه الليلة يطلق سراح مردة الجن بعد تقييدهم طيلة شهر رمضان.
ويستند ذلك لحديث الرسول عليه السلام: «إن شهر رمضان تفتح فيه أبواب الجنة، وتغلق فيه أبواب الجحيم، وتغل فيه مردة الشياطين».
وذهب البعض إلى أن المراد بالتصفيد والسلسلة إنما هي فئة المردة ورؤوس الشياطين فقط، فيفعل صغار الجن ما عجز عن بعضه الكبار، وقيل العكس، فالمصفد هو صغار المردة، والمطلوق هو إبليس كبيرهم وزعيم مكرهم وكيدهم؛ لأن الله أجاب دعوته بأن ينظره إلى يوم يبعثون، ليواصل الإغواء والإغراء والإضلال، وفي كلا الحالين فالعدد يقل، والوسوسة تضعف.
ومن العائلات الأفريقية من تلجأ في ليلة القدر، إلى شراء القطران ورشّه في جوانب البيت، وذلك في محاولة لإبعاد الشياطين والجنّ تبعًا لمعتقدات تقول بأنّ «الشياطين المصفّدة» التي يُطلق سراحها بعد ليلة القدر تكره رائحة القطران، فيمنعها ذلك بالتالي من دخول البيوت.
وعكسا لذلك، تقوم الأسر في المغرب العربي، بتعطير بيوتها برائحة البخور الزكيّة، وكذلك إشعال الشموع بهدف «استقبال الملائكة».
ومن العائلات في بعض دول الساحل من تقوم بختان أطفالها ليلة القدر، تبرّكاً بالليلة التي تُعَدّ «خيراً من ألف شهر» وذلك في حفلات ختان جماعية لأبناء العائلات الفقيرة، فيرتدي الصغار لباساً تقليدياً أبيض ويُحتفى بهم في حفلات فنية راقصة وأصيلة.
ومع طابعها الديني، ارتبطت ليلة القدر بالخرافات والأساطير، فهناك من يعتقد بتشقّق السماء ونزول ملائكة منها ليلة القدر لتحقيق أماني الناس وأحلامهم.
ولعلّ المقصود بمثل هذه القصص الأسطورية ليس نشر الخرافة بقدر ما هو تحبيب هذه الليلة العظيمة إلى الأطفال وإعلاء شأنها عبر حكايات تشوقهم إليها.
ويسود في المجتمع الموريتاني، الاعتقاد بتصفيد الشياطين في رمضان، وتحدث الباحث الاجتماعي الموريتاني محمد فال عبد اللطيف ضمن محاضرة له عن ذلك قائلا: «من بركة رمضان عند الموريتانيين أنه لا يحاسب المرء على ما أنفق فيه مما جعل بعضهم يعتقد أن الإسراف فيه جائز، ومن بركاته التي يؤمن بها العامة ولا يدركون كنهها أن الشياطين تصفد فيه وتغلق أبواب النيران وتفتح أبواب الجنان كما ورد في الحديث الصحيح، ووقعت فيه المعارك الحاسمة في حياة الأمة، وكان فيها النصر حليفاً للإسلام».
ونوّه إلى «أن شهر رمضان مع ذلك، وخصوصا في أيامه الأخيرة، يقترن بنوع من الخوف والتوجس لدن كثير من الناس ولاسيما في ليلة القدر، فلا شك أنهم يؤمنون بأنها خير من ألف شهر وأن قيامها له فضل كبير، لكنهم أحاطوها بهالة من التقاليد والأساطير والمعتقدات عكرت عليهم صفوها وذكروا من ذلك إطلاق سراح مردة الجن وانتشارهم في الفضاء وانتشار الأشباح وتحرشاتها بالناس؛ ومن بين تلك الأساطير أسطورة رأس الحمار المشهورة، زعموا أنه يظهر لبعض الناس ليلة القدر رأس حمار بلا جسم فيقول لهم: قولوا ما تتمنون أحصله لكم».
فاتفق أن تعرض رأس الحمار، لرجل معروف بالجبن فقال له: قل ما تتمنى قال: «أتمنى أن تخرج عني فورا فلا تراني ولا أراك، فأرسلها مثلا».
ومن دياجير الرعب ومن نقع المعارك مع الجن في ليلة القدر، تنبثق تباشير عيد الفطر، فيستقبله الجميع مرددين مع أبي الطيب «عيد بأي حال عدت يا عيد».