الدوحة ـ «القدس العربي»: فتيات وسيدات أجنبيات، بسحنات وجوههن المختلفة والمشرقة، يقرضن أبياتاً شعرية عربية بلسان فصيح، ويتحدثن عن رحلة عشق لغة الضاد التي أخذتهن نحو عواصم المنطقة العربية شرقها وغربها، وسعي حثيت لتعلم فنونها وآدابها ونقل معرفتها لأبناء جلدتهن في عواصم العالم المتقدم والسائر في طريق النوم.
هي قصة فتيات أجنبيات يدرسن اللغة العربية في المدارس والجامعات أو يُدرسنها، ويَجبن مدناً عربية للحديث مع أهل المنطقة، بلسانهم، وحالياً تتبنى مؤسسة قطر الدولية تدريب المعلمين، ومنحهم كل الموارد ومصادر التعلم لإتقان لغة الضاد، وهو ما يعني تحولا عكسيا يسهم في ترسيخ اللغة العربية التي كادت تتراجع في عقر دارها أي المنطقة العربية.
«القدس العربي» قابلت مجموعة من الطالبات الأجنبيات خلال رحلتهن إلى قطر، بترتيب من مؤسسة قطر الدولية، وكن يلتحفن حروف لغة الضاد، بعيداً عن صورة الهوس بالرقص الشرقي، ويتحدثن بلسان ينتقل بين الدارجة والفصحى ويمزج أحرفاً عدة، ويصدر تركيبة لغوية يفهمها مشارقة ومغاربة العالم العربي.
«اللغة العربية بحر» تتحدث ميغ غريف الطالبة الأمريكية في جلسة نظمت في العاصمة القطرية الدوحة، أمام حضور واسع استمع لتجارب مختلفة وملهمة. واستقطبت الجلسة التي حملت عنوان «معرفة اللغات مدخل إلى الحكمة» شريحة واسعة من الحضور، وشارك فيها ستّ متحدثات باللغة العربية كلغة ثانية، وهن من البرازيل وألمانيا والولايات المتحدة الأمريكية.
غريف وهي طالبة أمريكية في جامعة تافتس، تخبر الحضور أنه «بعد سبع سنواتٍ من الدراسة، ما زلت واقفة على عتبات اللغة العربية» واصفة كيف غيّرت تجربة تعلُّم اللغة العربية حياتها بداية في المدرسة الثانوية، واليوم في الجامعة وخارجها، مشيرة إلى أنه «هناك دائمًا المزيد لتتعلمه».
وخلال جلسة استكشافية نظّمتها مؤسسة قطر الدولية «QFI» ضمن فعاليات قمة TED بالعربي التي عُقدت في الدوحة، مؤخراً، وقف الجمهور الحاضر أمام عشرات القصص التي روتها العديد من الطالبات والمدرسات وبعض المشرفين، جمتهم قطر ضمن فعاليات فكرية، للحديث عن رحلة تعلم لغة كادت تصبح مهددة وهي تسترجع تدريجياً مواقعها، ليس في عقر دارها، بل حتى في العواصم الغربية الكبرى.
وتعددت قصص الطالبات وهن في العقد الثاني من أعمارهن، وتنوعت المغامرات التي خضنها، تخللها سرد للمقالب التي اجتزنها، وحدثت لهن خلال رحلة التعلم، والطرائف والنوادر التي تشهدها مسيرتهن. وتحدثت الطالبات عن العواصم والمدن، التي أمضت فيها غالبيتهن فترات لتعلم اللغة العربية، فكانت دمشق، وعَمان، والقاهرة، والدوحة، ومراكش، ولكل واحدة سبب للميل نحو وجهة ما في فصلها الدراسي الميداني، وعدد منهن تفكرن عملياً في الاستقرار في المنطقة.
سحر الشرق يسكن لغة الضاد
وكانت تلك القصص والروايات التي حكتها الطالبات مثار تحفيز الجمهور، الذي وقف على أبعاد الموضوع، ودورة التحول في مسار اللغة العربية، من قوة في أزهى العصور التي مرت بها خصوصاً في عهدها الذهبي، ثم تراجع، ثم تقهقر، وازدهار وهي المرحلة الحالية. وتكشف مسؤولة تحدثت عن الموضوع أن مؤسسة قطر وانطلاقاً من رؤية لا تسعى لدعم تعليم اللغة العربية في منطقتنا فحسب، بل تذهب أبعد، من خلال رعاية برامج خاصة في دول العالم.
واكتشف جمهور الدوحة من خلال قصص ميغان وسوزي وباولا، وغيرهن مدى ثراء لغة الضاد وإلهامها لأجيال غربية قطعت البحار والمحيطات حتى تتعلمها. وكان لافتاً الأثر الذي لعبته مؤسسة قطر الدولية في تعزيز هذه التجارب، حيث تشجع المؤسسة دراسة اللغة العربية كلغة عالمية من خلال إضفاء الطابع الاحترافي على تدريس العربية وعلى المنهجية والممارسات القائمة على الأبحاث.
وصفت باولا التي تسمي نفسها عاشقة اللغة العربية وهي طالبة من إسبانيا، تجربة تعلم اللغة العربية، أن «الخيار لم يفتح أمامها بابًا فحسب، بل فتح عالمًا بأسره» حيث كان قرارها بتعلّم اللغة العربية في الجامعة بدافع الفضول المحض تجاه هذه اللغة وثقافتها، وأعاد هذا القرار صياغة مسارها الأكاديمي والمهني. وتصب الروايات عن دوافع الطالبات لاختيار لغة أصبح أهلها أحياناً يستخفون به، في اتجاه تأكيد عمقها، وأنه يمكن أن تستعيد وهجها.
ومع خبرة واسعة في العمل في أوروبا والأمريكتين، أنشأت مؤسسة قطر الدولية شبكات من المعلمين والإداريين والطلاب والباحثين وغيرهم من الخبراء في دراسة اللغة. وعلى مدى السنوات الأربع عشرة الماضية، دعمت المؤسسة المعلمين والطلاب في العديد من دول العالم، للغوص في بحر اللغة العربية. وبما لها من خبرة واسعةٍ في أوروبا والأمريكيتين، تُقدم مؤسسة قطر الدولية الدعم للمعلمين والإداريين والطلاب والباحثين وغيرهم من الخبراء على مستوى منظومة اللغة العربية بهدف تعزيز قيمة تدريس اللغة العربية وتعلّمها كلغةٍ عالمية. وبفضل جهودها يحظى الطلاب والمعلمون على غرار المتحدثين في الجلسة الاستكشافية التي تابعها الجمهور بشغف، بفرص وأوجه دعم تغيّر حياتهم. وأسهمت برامج المرحلة الثانوية المدعومة منها في الولايات المتحدة في تعليم الطالبات المتحدثات في الجلسة الاستكشافية. وقالت كل من سوزي هيز، وشيلبي هولوواي، عن دور مدرّس اللغة العربية في مدرسة ليندبلوم الثانوية في شيكاغو في ولاية إلينوي: «لقد كانت تجربتنا في تعلّم اللغة العربية تجربة رائعة بفضل مُدرّس اللغة العربية» وأضافت سوزي: «لقد تعرّفت على عدد من أفضل الأشخاص في حياتي لأنني تعلّمت اللغة العربية». هذا وتعلّمت كافة المتحدثات الست المشاركات في الجلسة الاستكشافية، من معلمات وطالبات، اللغة العربية كلغة أجنبية. وأضافت باولا كافارو، الأستاذة المحاضرة باللغة العربية في الجامعة الفيدرالية في ريو دي جانيرو بالبرازيل، قائلة «حتى عندما أُدرّس طلابي، أتعلّم منهم». وبدأت كل من باولا كافارو، وباولا رويتشر، وكارولين سيبلي، دراساتهن اللّغوية في المدرسة، وهن يدَرسن اليوم اللغة العربية في المدارس الثانوية والجامعات في البرازيل وألمانيا والولايات المتحدة على التوالي. وقد شاركن جميعهن في وصف كيف تستمر اللغة العربية في تغيير حياتهن. وقالت باولا كافارو: «ليس لديّ الكلمات لوصف كيف غيّرتني اللغة العربية. بصراحة، أنا شخص أفضل لأنني تعلمت اللغة العربية».
وتتطلع مؤسسة قطر الدولية إلى مستقبلٍ تكون فيه اللغة العربية اللغة المفضّلة في الفصول الدراسية خارج العالم العربي. ومن خلال إتاحة الوصول إلى تعليم اللغة العربية، يتمتع الطلاب بالفوائد التي تنعكس عليهم من خلال تواصلهم مع مجتمعٍ عالمي من المتعلمين، وبارتباطٍ لمدى الحياة بثقافة ولغة حديثة وديناميكية. ومن أجل تحويل هذه الرؤية إلى حقيقةٍ واقعة، تلتزم المؤسسة بمساعدة معلمي اللّغة العربية على الارتقاء بمهاراتهم ومنحهم إمكانية الوصول إلى منهجيةٍ تستند إلى الأبحاث ليتمكنوا من إرساء ممارسات التدريس الأكثر فعاليةً وتطورًا.
وفيما يواجه التعليم الابتدائي والثانوي فجوةً عالميةً جوهريةً في تعلّم اللغة العربية، تسعى المؤسسة إلى معالجة هذه الفجوة من خلال دعم معلمي اللغة العربية في المرحلتين الابتدائية والثانوية، وكذلك معلمي الدراسات الاجتماعية والرياضيات والعلوم والفنون ممن يعتزمون استكشاف اللغة العربية والعالم العربي كجزء من مناهجهم الدراسية. وكان لافتاً أن المُتحدثات باللغة العربية كلغة أجنبية المشاركات في الجلسة الاستكشافية، بدأن تعلّم اللغة العربية في سن مبكرة، ما يبرهن الأثر الذي يحققه تعليم اللغة في المرحلتين الابتدائية والثانوية. وقالت مديرة حلقة النقاش كارولين سيبلي: «في أول يوم لي في فصل اللغة العربية، كتبت المعلّمة: اللغة العربية بحر. وسوف نسبح فيه. وأنا سعيدةٌ للغاية لأنني فعلت ذلك».