أم همام
الناصرة- “القدس العربي”: ولدت أم همام في طبرية المهجّرة عام 1937، وتلقت تعليمها الابتدائي فيها، لكنها هُجرّت مع عائلتها بسبب الاحتلال، فانتقلت مع عائلتها للناصرة، وفيها عملت 30 سنة في التربية والتعليم، وما زال التطوع الأقرب لقلبها ووجدانها.
في حديث لـ “القدس العربي” تقول المربية نوال الصالح- أبو أحمد (أم همام) (86 عاماً) إنه، مع احترامها لمدينة الناصرة، حيث تقيم منذ الزلزال الكبير عام 1948، ما زالت طبرية تسكن فؤادها، مرددة قول أبو تمام من قبل قرون: “ما الحب إلا للحب الأول”.

كالكثير من النساء الفلسطينيات نهضت أم همام من الركام، وبهمة عالية، كما يشي اسم نجلها البكر، واستأنفت حياتها وتطوير ذاتها ومدّ يد العون لأبناء شعبها في الناحيتين المادية والمعنوية، وترى بنفسها حارسة لذاكرة مدينتها طبرية، أولى المدن الفلسطينية التي احتلتْها الصهيونية، وهجّرت سكانها الفلسطينيين بدعم مباشر وسافِر من الاستعمار البريطاني.
وجدتُ نفسي مندفعة نحو بيتنا، فأدهشتْني حالته البائسة، وطيور الدجاج قد ملأت جنباته. قابلتني مستوطنة يهودية بوجه عابس، طردتْني، وبكل وقاحة، فبقيت حزينة كل النهار. ومن وقتها لم أذهب إلى طبرية.
“دارنا.. يراودني حلم بأن أفتح الباب “لا شور ولا دستور”، أدخل المنزل، وأستريح على سريري داخل غرفتي، حيث طفولتي وأحلامي الأولى، دون استئذان المستوطنين الصهاينة فيه. في المرة السابقة، قبل ستة عقود، كنت طالبة في الصف التاسع، خلال خمسينيات القرن الماضي، عندما ذهبنا ضمن رحلة مدرسية لطبرية، وهناك، وجدتُ نفسي مندفعة نحو بيتنا، فأدهشتْني حالته البائسة، وطيور الدجاج قد ملأت جنباته. استقبلتْني سيدة يهودية مستوطِنة في البيت بوجه عابس، وبعين واحدة، حيث بدا أن الثانية قد اقتُلعت من مكانها، طردتْني بصوت عال، وبكل وقاحة، فبقيت حزينة كل النهار. ومن وقتها لم أذهب إليها، وحتى أحفادي، ورغم حبي الكبير لهم لا أرافقهم لطبرية، لأن زيارتها تُكهربني وتصعقني أمام مشاهد استيطان الإسرائيليين في بيوتنا. ما زالت في ذهني صورة السيدة اليهودية التي صرخت في وجهي كالثور الهائج، عندما عرفتْ أنني بنت العائلة صاحبة البيت، قبل أن يأخذني بسرعة المعلم الذي لحق بي وقتها وهو يقول: “تعالي يا بنتي لا نريد مشاكل”.
https://twitter.com/RASHEDISSA/status/1647897941703622656
في المرة الوحيدة التي عدتُ فيها لطبرية عندما طلب مني طبيبي الاستحمام بالمياه المعدنية في حمامات طبرية التاريخية طلبا للاستشفاء، وفعلاً ذهبت إلى هناك فتذّكرت زياراتنا للحمامات في طبرية قبل اغتيالها، قبل نكبتها، خاصة أيام الأحد، يوم كانت النساء تذهبن مع أولادهن مع الطعام للاستحمام والترفيه طيلة يوم الأحد، وكانت الأكلة الشعبية يوم الأحد في طبرية أكلة المجدرة. أما الأكلة الطبرانية التراثية المميزة فهي الكوكليس: السمك المطحون. كل ذكريات الحياة الحلوة في طبرية تحضني، لكن أكثر ما يهيمن على ذاكرتي مأساتها، خاصة مشاهد إسناد الإنكليز لليهود علينا، يوم قتلوا العشرات من شبابنا. وأتحسّر على البحيرة وعلى المدينة، التي كانت عالماً عامراً، وعلى الجيرة، وعلى كل شيء. طبرية كانت وستبقى عروس الأغوار، مع كل الحب لشقيقتيها بيسان وأريحا”.

“سواحل البحيرة جميلة جداً، فهي ساحرة، لكنها خطيرة، فقد غرق أطفال كثر فيها خلال العوم. كذلك حديقة البلدية كانت جميلة، واليوم يقولون إنها باتت موقفاً للسيارات. على مقربة منها كان يقع سوق طبرية الشعبي، المجاور للمسجد الزيداني الكبير، حيث كانت تباع الخضروات والفواكه، الألبان، الأجبان، اللحوم والأسماك، وبعض البضائع كانت تصل المدينة من القرى المجاورة. وأذكر “مقهى رشيد” قريباً من حي “البونط”، ومقهى “العيلبوني”، القريبين من بيتنا هناك. وأذكر أن بيتنا كان قريباً من المستشفى الإسكوتلندي، المبني من الحجر البازلتي الأسود، وكان يدعى على لسان أهل طبرية مستشفى تورانس، على اسم الطبيب المؤسس له. أحياناً كان الأهالي يذهبون لمنطقة الطابغة الجميلة حيث الأديرة التاريخية، لزيارة “تنور أيوب”، وهو عين ماء طبيعية وطبية، إضافة للحمّة في منطقة المثلث الحدودي؛ فلسطين، سوريا والأردن، حيث يمر نهر اليرموك، ويواصل طريقه حتى يلتحم بنهر الأردن جنوب بحيرة طبرية”. في ذاكرتي ما زالت محفورة عدة أحداث شهدتها ساحة في مركز المدينة، أذكر منها يوم جاء الجنود البريطانيون مع الأمير طلال من عمان، وعزفوا المارش الإنكليزي فيها، واحتفلوا به يوم تم تعيينه أميراً. قريباً منها كان هناك متحف لرجل من عائلة القردحجي فيه مختلف أنواع الطيور والحيوانات محنطّة”.
في “نهر يستحم في البحيّرة” تحدث يحيى يخلف عن قصة اليهودية بيرتا، التي عشقت شاباً عربياً، وتزوّجا، ورافقته وعائلته في رحلة اللجوء من فلسطين إلى مخيّم اليرموك.
“كنا نذهب للحمامات والحمّة وتنور أيوب للاستحمام بالحافلات، ولها عدة محطات في الشارع المركزي الذي يشطر المدينة لشطرين، وهو شارع الجليل. وأحياناً كان يرافقنا والدي الذي عمل موظفاً حكومياً في صفد قبل أن يعمل في نابلس وطولكرم، وكان يعمل في مجال تحصيل الضرائب، ولذا وُلد إخوتي كل في مدينة مختلفة. وكان أهالي صفد يتسمون بجمالهم وبعنادهم”.
https://twitter.com/RASHEDISSA/status/1647899237521170433
وفي ذاكرة أم همام مشاهد من الأفراح، فتقول إن زفة العرسان كانت تتم عادة في الشارع المركزي في طبرية شارع الجليل.. من “البوسطة” حتى “البونط”، وكانت فرقة يهودية يقودها موسيقار يهودي يدعى أبو زويل، وكانت تغني في سهرة العروس، ولكن طالما رفع حجاب حاجز بين النساء وبين الفرقة العازفة المغنية. في السنوات الأخيرة لم نعد نشارك اليهود أفراحهم قبيل النكبة بسبب التوتر”.

وتوضح أم همام، التي تتمتع بصحة وذاكرة طيبتين، إنها أخذت الحماسة الوطنية من والدتها التي كانت متابعة كبيرة للسياسة، وتقول إن والدها كان وحيد عائلته، وقد أنهى المدرسة الثانوية، أما هي فتعلمت حتى الصف الرابع في طبرية داخل مدرسة حكومية، وتعطلت المدرسة قبيل نهاية العام جراء النكبة. ورداً على سؤال تستذكر أسماء المعلمات اللواتي عملن في مدرسة طبرية الحكومية، حيث تعلمتْ هي، ومنهن عايدة وعبلة الصباغ، وهما معلمتان شقيقتان من طبرية، ووالدهما كان وكيل القنصل الفرنسي في المدينة، قبل 1948، وتمضي في استذكار قصة تدلل على صحة القول “جبل على جبل لا يلتقي لكن كل الناس يلتقون”: “علمتني أيضاً معلمة تدعى آسيا إيراني، وهي سيدة من عكا، وجاءت إلى طبرية، وأقامت فيها، وعلمّتني في الصف الأول. التقيتها صدفة في الشارع خلال زيارة القاهرة في منتصف ثمانينات القرن الماضي: في إحدى جولاتنا في القاهرة سألت ابنتي ميسون سيدة مارة في الشارع أين يقع شارع طلعت حرب، وقبل أن تجيبنا سألتْني: من أين أنتم؟ عندها عرفّتُ عن نفسي أنني من فلسطينيي الداخل، ومقيمة في الناصرة، فسألتْني عن إيفون شحادة، وإيفون نجم، وهما زميلتان لها في التعليم قبل وبعد النكبة، فقلت لها إن هاتين المعلمتين قد علمّتاني. ولما سألتُها عن هويتها قالت أنا فلسطينية من عكا وطبرية، اسمي آسيا إيراني، فانقضضت عليها وعانقتها، وقلت لها: أنا من طبرية، وأنت كنت مستأجرة في بيت خالي.. وأنت كنت معلمتي في الصف الأول. تعانقنا بانفعال كبير، في لحظة تبدو من عالم الخيال، وما لبثتْ أن كشفت لي أنها تعرّفتْ على رجل مصري، وتزوجت منه عام 1948، وتقيم في القاهرة، فأعطتني العنوان، وطلبت مني زيارتها، لكنني للأسف لم أعد لمصر. هكذا التقيتها صدفة، وفي الشارع، وفعلاً الدنيا صغيرة”.
https://twitter.com/RASHEDISSA/status/1647899860505358336
وتوضح أم همام أن كافة الطالبات في مدرستها الحكومية في طبرية كن عربيات، عدا طالبة يهودية واحدة تدعى جوليا جاكي، التي صارت مسؤولة كبيرة في وزارة إسرائيلية لاحقاً، كما قيل لي، لكنني لم ألتقها يوماً”. وفي هذا المضمار تستذكر أم همام علاقات جيرة متينة وطيبة بين العرب واليهود في طبرية، لكنها تراجعت قبيل النكبة نتيجة وصول الصهيونية.
وتستذكر أم همام مشاهد الأيام الأخيرة لها في طبرية، التي سقطت في الثامن عشر من أبريل/ نيسان 1948، وبالنسبة لها كطفلة ما زالت هذه بمثابة كابوس محفور في الوعي: “شاهدت الجنود اليهود وهم يفتحون النار على شباب حارتنا، ومعهم جنود بريطانيون، فقتلوا 17 من شباب الحي، منهم أبناء جيراننا إحسان الكنج، وسعيد الحجة، ولاحقاً أصيب شقيقي عدنان أيضاً، ونقلناه لمستشفى تورانس. في ذاك اليوم نقل والدي أفراد أسرتنا من الصغار إلى الناصرة في سيارة، عن طريق بيسان. مع شقيقي المصاب عدنان وداخل المستشفى الإنكليزي قام الطبيب المدعو جبران عطا الله بإخراج رصاصة من ظهره استقرت بجانب العمود الفقري، واضطر والدي لشراء البنسلين لمداواته من بيروت وقتها، ونجا والحمد لله. بعد ذلك عاد والدي إلى طبرية، خاصة أن شقيقتي الكبرى بقيت في البيت.
عندما سألنا الحاكمَ العسكري عن أسباب منعنا من العمل في التعليم، قال: “لأنكم تعلقون صورة جمال عبد الناصر في كل غرفة داخل بيتكم”.
وفي مشهد آخر، تستذكر قيام شباب المقاومة بتفجير مجنزرة صهيونية دهمت حي البونط، حيث كانت تقيم عائلتها، مما أدى لقتل بعض الجنود وإصابة بعض المارة، منهم قدورة قهوجي، أحد شباب طبرية البارزين في قياديتهم، وكان قد تزوج من فتاة يهودية تدعى “بيرتا”، لكن النكبة فرقّت بينهما. يذكر أن الأديب الفلسطيني يحيى يخلف وهو مهجّر من بلدة سمخ جنوب بحيرة طبرية كان قد ضمَّنَ روايته “نهر يستحم في البحيّرة” قصة هذه الفتاة اليهودية بيرتا، من طبرية التي عشقت شاباً عربياً من المدينة يدعى قدورة قهوجي، وتزوّجا، وقد رافقته وعائلته في رحلة اللجوء من فلسطين إلى مخيّم اليرموك في سوريا، وهناك شكّكت المخابرات السورية بها، وطردتها من المخيم، فعادت إلى طبرية.

في الناصرة استكملت أم همام دراستها، وتخرجت من المدرسة الثانوية البلدية، لكن الحاكم العسكري الإسرائيلي في المدينة حرمها من العمل في التربية والتعليم، بعكس الكثير من زميلاتها، مثلما حرمَ أيضاً شقيقها همّام الذي أنهى الصف الثاني عشر، ومنع من مزاواة التعليم. وعن ذلك تضيف: “لقد رافقت شقيقي
في زيارة مكتب الحاكم العسكري للمطالبة بحقوقنا، ولنسأل لماذا نمنع من العمل في التعليم، فقال: “لأنكم تعلقون صورة جمال عبد الناصر في كل غرفة داخل بيتكم”. ولاحقاً، وبسبب الحاجة، اضطرت وزارة التعليم للموافقة على عملنا في التربية والتعليم، وكنت، وما زلت، محّبة لعبد الناصر، وصورته مرسومة حتى اليوم على كوب الشاي الخاص بي”.
علمتْ أم همام طيلة 30 سنة في مدرسة الحرش، وخرجت للتقاعد المبكّر. ومنذ ثلاثة عقود ونصف العقد وهي تشغل ذاتها بالقراءة، وفي أعمال التطوع، خاصة المشاركة في حملات الإغاثة للمحتاجين الفلسطينيين في الأرض المحتلة عام 1967، حيث «كنت ونساء أخريات نقيم بازاراً في الناصرة، وننقل الأرباح للمحتاجين الفلسطينيين». علاوة على تطوعها بالعمل في مدرسة للمعاقين في الناصرة. كما تشغل أم همّام ذاتها بمتابعة الأخبار كل نهار، وتتابع البرامج الثقافية في قنوات التلفزة في الليالي. وهي ما زالت، رغم الشيخوخة، تقود مركبتها، وتُجاري لغة العصر الرقمية، فتتواصل مع البنك لمتابعة الخدمات المصرفية، وبقية المؤسسات، من خلال جهاز هاتفها المحمول، وما زالت ذاكرتها طيبة بفضل قراءة الأشعار، كما تقول هي متودّدة مازحة.