يُعاني الأطباء والكوادر الصحية في لبنان، من نتائج قوانين أقرتها الدولة، منذ عشرات السنين، والتي تحصر إمكانيات عملهم مع اللاجئين الفلسطينيين فقط. فالطبيب أو الممرض الفلسطيني، لا يستطيع أن يعمل بشكل قانوني في أي مستشفى، أو أي عيادة طبية لبنانية، وهم في معظم الأحيان من مواليد لبنان، ويقيمون فيه بشكل دائم. هذا الحصر لا يقتصر فقط على المهن الطبية، بل يشمل أيضاً مجالات واسعة تُقدر بأكثر من ثمانين مجالاً مثل (الهندسة).
يجد الطبيب الفلسطيني المتخرج من الجامعات اللبنانية، أو غيرها مجالاً واحداً للعمل وهو مستشفيات الهلال الأحمر الفلسطيني، أو مستوصفات وكالة الغوث لتشغيل اللاجئين. حتى المتقاعد لا يستطيع العمل في أي جهاز طبي لبناني.
لكن في بعض الأحيان، يُغض الطرف عن عمل الكوادر الفلسطينية في مراكز الصحة (تحت اسم أطباء لبنانيين) عندما تشح الإمكانيات اللبنانية، ولكن بأجور منخفضة عن زملائهم، وبدون اعتراف قانوني ولا أي حقوق مرتبطة بالعمل كالحق في التغطية الصحية، التقاعد….الخ.
هذا الفصل بين الجهازين الطبي الفلسطيني واللبناني، يعمل في اتجاه واحد؛ وهو فقط منع الكوادر الفلسطينية، بينما الزملاء اللبنانيين يستطيعون أن يعملوا بدون حرج في المستشفيات التابعة للإدارة الفلسطينية، أو منظمات الأمم المتحدة، وهو بالطبع ما يسعد المرضى والزملاء الفلسطينيين.
من ناحية أخرى عندما لا يجد المريض غايته في المستشفيات الفلسطينية، يضطر للذهاب إلى المستشفيات اللبنانية بتغطية صحية ضعيفة، مما يكلفه الكثير من الناحية المادية، والتي لا يتحملها معظم المرضى وجُلهم لاجئون.
نتيجة هذا الحصر على الأطباء والكوادر الصحية الفلسطينية، أدى إلى إفقار القطاع الصحي الفلسطيني، الذي لا يستطيع أن يؤمن رواتب كافية ولائقة بالأطباء والممرضين، الأمر الذي يؤدي من جهة أخرى، إلى تراجع عدد الطلبة الفلسطينيين المُختارين للتعليم الجامعي في المجالات الطبية (طب، مختبرات، تمريض، فني أشعة…الخ)، فهم يعلمون أنه لا يوجد عندهم أي مجال للعمل بعد التخرج في قطاع الصحة اللبناني؛ عاماً كان أم خاصاً، وهذا ما يؤكده العاملون مع الطلبة في مكتب مساعدة الطالب الفلسطيني.
أدى هذا الإفقار إلى انخفاض مستوى الكفاءات الفلسطينية المتوفرة، وتراجع نوعية العلاج الطبي المُقدم للمرضى، وبالتالي توجههم للمستشفيات والعيادات اللبنانية ذات الكلفة العالية في أحيان عدة.
لا يفهم المراقب الهدف والمغزى من هذه القوانين التمييزية بين حقوق الأطباء حسب جنسياتهم في لبنان، فالطبيب أو الممرض الفلسطيني المولود في لبنان لا يطالب بالحصول على جنسية لبنانية، وإنما فقط أن يُساوى بالحقوق مع زميله اللبناني، الذي باستطاعته العمل في أي قطاع صحي، بما فيه الفلسطيني.
لا نفهم أيضاً الفائدة التي قد يحصل عليها اللبنانيون من هكذا سياسة، فكثير من الكوادر الصحية الفلسطينية مشهود لها بالكفاءة والمقدرة، ومن غير المنطقي أن يُحرم أبناء الشعب اللبناني الشقيق من كفاءاتهم.
لو نظرنا إلى مستشفيات الدول الغربية لوجدنا أن بها مئات الأطباء الفلسطينيين واللبنانيين، بالإضافة إلى جنسيات أخرى، يعملون معاً لفائدة المجتمعات والمرضى على اختلاف جنسياتهم، وذلك على الرغم مما تتوافر عليه هذه الدول الغنية من كوادر محلية (إنكليزية، فرنسية…الخ)، حيث يُنظر إلى الأطباء الأجانب في هذه الدول، كأيد جديدة تعمل وتداوي وتُنتج، وليس فقط أفواهاً تأكل.
هذه القوانين تتناقض مع عولمة العمل كما رأينا، وتتناقض أيضاً مع القوانين الدولية الحافظة لحقوق العمالة الأجنبية، وحقوق الإنسان التي وقعت عليها الحكومة اللبنانية.
ما يؤسفنا أننا لا نرى ولا نسمع تقريباً أي صوت يُطالب بتغيير هذا الواقع المجحف، وهذا يدل على ضعف المجتمع المدني الفلسطيني واللبناني، الذي يغرق بأحزابه السياسية في مستنقع الطائفية، ضد مصلحة المريض الفلسطيني واللبناني على السواء.
من هنا أرى أنه من الضروري أن تصحو المؤسسات والجمعيات ذات الطابع الحقوقي والإنساني في لبنان لترفع صوتها ولو قليلاً، لمحاولة إظهار أن أبناء الوطن الواحد واللغة الواحدة هم في خندق الدفاع عن الحقوق نفسه، بما فيها حقوق المريض، خصوصاً في هذا الزمن الذي يترعرع فيه كل دعاة التطرف والتعصب في منطقتنا، ليكن الدفاع عن حقوق الطبيب والكادر الفلسطيني في لبنان تذكيراً للذين يحكموننا أن العدل هو أساس الحكم.
د. نزار بدران