«عشنا وهرمنا وشفنا أخيرا» كتاب فؤاد عبد النور: سيرة حياة غصّت بالقلق وامتلأت بالاغتراب

 

كعادته التي لم تفارقه أبدا في التجوال والتنقل والقلق، والسعي وراء شغفه بالكتابة والتأليف والترجمة، جاء إلى بيروت، وحضر فؤاد عبد النور معرض الكتاب العربي، الذي أقيم في نهاية العام الماضي. ووجد كتابه «عشنا وهرمنا وشفنا أخيرا» الذي تضمن سيرة حياته، معروضا في «دار الفارابي» التي قامت بطباعته ونشرته في ذلك العام، ثم جاء بلا أي اتصال أو معرفة سابقة، ليصل إلى بيتي بسهولة كما ذكر. وهو الثمانيني الذي لم توهنه ذاكرته بعد، ولا قوته البدنية، وشغفه في التنقل والتجوال والتعرف والبحث عن المعرفة.
روى لي باختصار ما تضمنه كتابه الذي وعد بإرساله بالبريد، وفعلا فإنه وصل من برلين بعد أيام. وها أنذا أحاول نقل انطباعات وملخصات لوقائع تضمنها الكتاب الذي احتوى على 342 صفحة من القطع الوسط، ووزعه على 14 فصلا مع ملحقين.
تعود أصول عائلة عبد النور إلى منطقة الشوف اللبنانية، وكان لهذه العائلة نائب في مجلس النواب في مرحلة من المراحل. فلماذا طوحت الأيام والحوادث بأفراد من هذه العائلة – قيل أن عشرين أسرة من هذه العائلة كانوا يسكنون في حيفا قبل النكبة – التي توزع أفرادها بين فلسطين وسوريا والأردن وبلاد المهجر؟
ذكر فؤاد في سيرة حياته أن جدته اصطحبت ابنا لها، وغادرت لبنان إلى فلسطين، بعد اشتداد الصراع بين الدروز والمسيحيين في العام 1860، لتستقر مع غيرها من عائلات في حيفا، في حين أن أفرادا آخرين من العائلة انتقلوا إلى دمشق، على الرغم من أن الفتنة الطائفية لحقتهم إلى هناك، وقام المجاهد عبد القادر الجزائري بدور مهم في حماية وإنقاذ وإيواء عدد من العائلات المسيحية في دمشق.
ويشير في كتابه، إلى أن عددا من أفراد العائلة هاجروا إلى بلاد الغربة، من بينها كوبا على سبيل المثال، وأن والده ذهب إلى هناك، وعاد مصطحبا زوجة فلسطينية جديدة، تعود أصولها إلى مدينة الناصرة، بعد وفاة زوجته الأولى – أم فؤاد – التي ماتت وعمره لا يصل إلى عام واحد.
عمل جد فؤاد بعد أن كبر وكيلا للعمال في سكة حديد الحجاز. ومن المفارقات في حياة فؤاد أنه ولد في دمشق وليس في حيفا، إلا أنه عاش وكبر في حيفا، وتنقل في دراسته بينها وبين الناصرة ونابلس بعد النكبة، ثم رام الله وعمان. ولم يكمل دراسته الثانوية نظرا لكثرة مشاغباته، فطرده المدير حافظ طوقان من المدرسة الثانوية في نابلس، التي استقرت فيها العائلة بعد النكبة، وتابع والده تجارته بالمواد الغذائية والمشروبات الروحية هناك، حيث أخذ فؤاد بمساعدته.
إلا أن قلق الوجود، والرغبة في الترحال والمعرفة والتعرف، أوصلته إلى برلين في العام 2002، ليستقر فيها لاحقا، ومن ثم يوالي رحلاته بعد أن تعطلت مشاريعه التجارية، إلا أن شغفه بالقراءة والكتابة والترجمة، بقي متوهجا في داخله، ليتابع إصدار مؤلفاته وكتاباته بين برلين وبيروت وعمان ورام الله. أصدر عدة مطبوعات، بينها «المرشد العربي» و»الجليل.. الأرض والإنسان» و»المثلث.. الأرض والإنسان» أيضا. الغريب أن فؤاد كان يتولى بيع وتسويق مجلاته وكتبه بنفسه، فيجوب القرى والبلدات الفلسطينية، ليعرف ويتعرف أيضا على الناس وعلى الأرض. واستمر على دأبه هذا على الرغم من اصطدامه بالسلطات الإسرائيلية ثم الأردنية والفلسطينية، باعتبار أنه عاش وعايش هذه السلطات الثلاث، وسجل في سيرته جوانب من تعاملاتها وممارساتها التي كانت سلبية في أغلب الأحيان، تجاه قضايا الناس ومتطلباتها وطلباتها.

قلق واضطراب وتمرد

منذ يفاعته، استمر فؤاد عبد النور في تسجيل تمرداته، وقلقه واضطرابه تجاه قضايا عدة بينها السياسي والديني، فهو من أصول أرثوذكسية، لكنه درس لدى البروتستانت، وعاش في أجواء «شهود يهوة» – كان والده منهم – وغيرها من العقائد، حتى من خارج الديانات السماوية، كتأثره بالشامانية، ولم يخف تأثره واعتقاده في مرحلة ما بالسحر والشعوذات. إلا أن هذا القلق والتمرد والاضطراب، أوصله في مرحلة من عمره للانتساب إلى الحزب الشيوعي الأردني، ومحاولة البحث عن فردوس أرضي تسوده العدالة والمساواة. إلا أن مشاركته في التظاهرات التي كانت تحتج على تسليم «المثلث الفلسطيني» بلا حرب إلى إسرائيل، أدخلته إلى سجن الجفر الأردني الصحراوي – أسوأ السجون في تلك المرحلة – والذي جمع داخله تيارات من الشيوعيين والقوميين والإسلاميين.
من أبرز ما ذكره المؤلف أن مجموعات من الشيوعيين تمردوا على قياداتهم، وخصوصا قيادة خالد بكداش الذي كان مؤثرا في الأحزاب الشيوعية في المنطقة، وأعلنوا رفضهم لقرار تقسيم فلسطين، كالقيادي الشيوعي الفلسطيني إميل توما.
يسجل فؤاد أنه التقى في سجن الجفر بالدكتور جورج حبش الذي يطلق عليه صفة الملاكم. وذكر أنه سجن بسبب مشاركته في تظاهرة كانت تحتج على تسليم المثلث الفلسطيني إلى إسرائيل. ويذكر أن القاضي عندما سأل الدكتور حبش: لماذا تنادون بضم الأردن إلى سوريا، أجاب ساخرا: إذا لم يعجبكم ذلك فضموه إلى اليمن. ومن الطرائف التي يرويها أنه وجد الناس بعد خروجه من السجن قد انشغلوا في الركض لتدبير أمور حياتهم، وأن القضايا الوطنية لم تكن لتشغلهم كثيرا. لذلك فإنه قرر اتباع السخرية لمن يسأله عن غيبته الطويلة وعدم رؤيته، لذا كان يجيب: لقد كنت مسافرا في دول الخليج، وعندما كان يسأله السائل : كيف هي أحوال «الجيبة»، كان يضرب عليها قائلا «مليانه» علما انها كانت فارغة تماما.!
من الطرائف التي رواها سارد السيرة، أن الزوجة الجديدة لأبيه، نذرت نذرا إن حملت وولدت بخير بعد إسقاط جنينين من قبل، أنها ستحمل تنكة من زيت الزيتون وتوزعها على الفقراء عند كنيسة القيامة في القدس، إلا أن زوجها رفض مرافقتها إلى هناك في بداية الأمر، بعد أن تمت ولادتها بخير، وجاء الجنين معافيا وبصحة جيدة. إلا أنها وبعد إلحاحها وتوسلاتها المتكررة، حمل معها تنكة الزيت، وذهبا إلى الكنيسة، إلا أنهما وهما يتنقلان في ردهات الكنيسة، شاهدا امرأة تجلس في حضن راهب في إحدى الزوايا المعتمة، عندها علق الزوج ساخرا: إلى مثل هؤلاء أحضرت الزيت يا امرأتي؟

منعوهم حتى

من الدخول إلى بيوتهم!

ذكر فؤاد عبد النور، أنه ووالده توجها لزيارة مدينة حيفا، بعد حرب العام 1967، ثم أخذا في البحث عن بيتهما، وعندما وجداه وطرقا الباب، رفضت ساكنته استقبالهما، قالت لهما أن آل عبد النور ماتوا كلهم! وانها اشترت البيت، فعادا خائبين.! وقد تكرر الأمر كما ذكر الكاتب مع السيدة نعمتي فيضي العلمي، شقيقة موسى العلمي، الشخصية السياسية الاقتصادية المعروفة، وزوجة جمال الحسيني، وذلك عندما توجهت إلى القدس لزيارة بيتها، إلا أن الساكنة اليهودية العراقية، استغربت قولها أنها تريد رؤية بيتها من الداخل، فعلقت باستنكار: بيتك! لقد اشتريناه! إلا أنها لانت بعد أن ذكرت السيدة نعمتي، بأنهم لم يبيعوا البيت إلى أحد. عندها تفهمت المرأة اليهودية حقيقة الأمر، فعلقت وبالعربية عند ذاك وبلهجة عراقية «لعنة الله عليهم، كان لنا بيت بالعراق، إحنا ما كان لزاما علينا أن نجيء ونواجه موقفا كهذا»!.
ما يلفت في الكتاب مجموعة من المواقف والاستدراكات والتعليقات، فهو مر مرورا سريعا على ذكر الانتفاضتين الفلسطينيتين في العام 1987 والعام 2000، ضد الممارسات الصهيونية الظالمة والقامعة، ووجه سهام نقده إلى البيروقراطية والممارسات السلطوية التي أخذ يمارسها رجال السلطة الفلسطينية، تماما كغيرهم من رجال السلطة الآردنية – التي أفاض في ذكر وقائع من ممارساتها – والإسرائيلية، ولم يتورع من ذكر ما يشبه النقد لنفسه ولغيره، فهو يذكر أنه بحكم اقترابه من الفكر الماركسي، فإنه كان معاديا للسلطات الأميركية وممارساتها العدوانية في العالم؛ إلا أنه يعترف بأن السلطات في الداخل الأميركي، تراعي القوانين ولا تتجاوزها، والحريات مصانه للجميع، كما أن النقد مباح، ولا تفرق القوانين بين الناس.
كما انه وفي معرض مراجعته لممارسات ورموز بعض الأديان، فإنه لم يتورع من توجيه النقد لبعض الجمعيات التي تدعي عمل الخير ومساعدة الفقراء، في حين أنها تريد من شعاراتها وإعلاناتها «الخيّرة» تحقيق جمع المزيد من التبرعات من المؤسسات المحلية والأجنبية من أجل تحقيق ثروات لبعض المشرفين عليها.
بعد خروجه من «شهود يهوة»، سجل حكمة خاصة به، ذكر فيها «إن قناعات الإنسان تتكون ليس مما استطاع الاطلاع عليه وجربه فقط، ولكن بما هو ميال إلى قبوله أيضا». وهو وجه نقدا مريرا لاتفاق أوسلو، وتبنى ما ذكره الكاتب الإسرائيلي عاموس عوز الذي علق على عقد الاتفاق بالقول: إنه الانتصار الثاني للصهيونية، بعد انتصار العام 1948، كما أنه ذكر بالسلب ممارسات فوزي القاوقجي، وبعض الجيوش العربية التي دخلت فلسطين، حيث ذكر أنها بدلا من تدريب الفلسطينيين ومساعدتهم، فإنها صادرت سلاحهم واعتقلت بعضهم.
باختصار .. فإن التمرد والقلق والإضطراب وحب المعرفة، والشغف بالكتابة والترجمة، كل ذلك وغيره وجّه هذا الكاتب نحو الدخول في تجارب وممارسات وورطات ومغامرات، أصاب فيها أحيانا، وفشل في بعضها أحيانا أخرى؛ إلا أنه لم يتب بعد، فهو ما زال جوّالا وباحثا عن أجوبة لأسئلة ما زالت تقلقه وتشغله، ويسعى وهو الثمانيني وراء مغامرات البحث عن ما
يمكن أن يسكتها، أو يخفف على الأقل من أثقالها وأوجاعها، فهل ما «شافه» أخيرا يمكن أن يلبي طموحاته وأسئلته المقلقة؟
فؤاد عبد النور: «عشنا وهرمنا وشفنا أخيراً».
دار الفارابي، بيروت 2014
342 صفحة

سليمان الشّيخ

اشترك في قائمتنا البريدية