مكانة القراءة في التراث العربي الإسلاميّ

تتبوّأُ القراءة منزلةً مائزةً في تاريخ الفكر البشري، وذلك راجع لكونها كانت، ولا تزال، رافداً أساسياً في تكوين المعرفة البشرية على مرّ التاريخ. ويخبرنا هذا الأخير أنّ الإنسان العربي لم يتخلّ عن مسامرة الكتب رغم صروف الزمن العصيبة التي عصفت به وضربت ضرباتها الهوجاء، ومن خلالها اكتشف ضَعفه الكبير أمام الطبيعة، لكنه تشبث بعادةٍ قادرةٍ على الترويح على نفسه المثقلة بالهموم والمنخورة بتوالي الانكسارات، وضخّ الأمل في داخله ليواجه ضحالة العالم. تعدُّ القراءة المحرّك الأول والرّسمي لخوض مغامرة الكتابة؛ إذ إنّ كل قارئ، مبدئياً، هو كاتبٌ لم تستشرِ في داخله بعد «لوثةُ» الكتابة؛ فالقراءة والكتابة مترادفان، في القراءة يُكوِّنُ رصيداً معرفياً ولغوياً يخوّل له مداعبة الورق، إلى حين تمكنه من امتلاك مقاليد الكتابة بعد دربة ومراس كبيرين.
ونظراً لهذه المكانة التي تسعدُ بها القراءة في التاريخ الإنساني، فلا غرو أنْ نجد لها حظوةً كبيرةً واستثنائية في التراث العربي. أصدر الدكتور محمّد الشيخ كتاباً قيّماً وسمه بعنوان «كتاب الحكمة العربية: دليل التراث العربي إلى العالمية»، في طبعته الأولى، سنة 2014، ضمن منشورات الشّبكة العربية للأبحاث والنشر (بيروت)، ويمتدُّ على مساحة 622 صفحة من القطع الكبير. وقد حاول صاحب الكتاب الغوص في التراث العربي الإسلامي، وتشرّب المعاني التي يزخرُ بها، والتنقيب عن المواضيع المهملة والمنسيّة والمضيئة، التي أدار الإنسان العربي ظهره لها، وأخذ يبحثُ عما هو سلبيٌّ فيه؛ ولعمري إنّ هذا لحيفٌ واضحٌ في حقّ التراث العربي الإسلامي.
درج بعض الباحثين على ترويج صورةٍ حالكة عن التراث العربي، وهي صورةٌ نمطية وقاصرة، اتضح في ما بعد أنّها تجافي الصواب، إذ تنضوي على إشاعة متواطئ عليها وهي أنّه تراثٌ غاصٌّ بالحروب والدماء والتصفيات والصراع، وهذا جانب فيه من الصحة ما فيه، غير أنّه من غير المنطقيّ والمعقول قمع المواضيع المنيرة والمبهجة التي تناولها العرب، ويحفل بها تراثهم، وسال مدادهم عنها في إبداعٍ عزّ نظيره.
متح صاحب الكتاب من رموز التراث العربي، وتوصّل إلى الجانب المضيء فيه، فعقد العزم على إبرازه، وكان مما أبرزه: ما كتب العرب عن الإنسان، الصداقة، الغربة، الحواس، الترجمة، الكتابة، والقراءة، إلخ.
اتكّأ محمد الشيخ على كتب أساطين النثر العربي (الجاحظ، التوحيدي، ابن مسكويه، ليبيّن المكانة التي تمتّعت بها القراءة عندهم، حيث إنّ العرب كانوا منهومين بمداعبة الكتب، والتسكع بين ردهاتها، والسبر في دواليبها، بحبٍّ جارف، وعشقٍ لا نظير له، بل يؤكد على أنّ العرب لم يقطعوا الصلة مع هذه العادة التي دأبوا عليها حتى في النوائب والبوائق والضوائق، إذ إنّ القراءة لم تكن ترفاً، في نظرهم، أو عادة يتسلّون بها ويقتلون الفراغ، بل كانوا يتسوّلون الوقت للحفاظ عليها، ويستبسلون أمام دروب الحياة القاسية حتى يظلوا في علاقة وشيجة بها. لقد قرأوا في الفتن والحروب: «هذا محمّد بن إبراهيم الأنصاري، إذ كان لا يفتر عن الدّرس والنّظر، يُحكى عنه أنّه كان أيام الفتنة في مالقة ربما طلب المبيت في السور أو نحو ذلك مما يجمع الناس إليه، فكان لا يفارق كتابه ولا يفتر عن درس دولته». (كتاب الحكمة العربية). وظلّت القراءة حاضرةً عندهم رغم قسوة الطقس: حيث كان الشيخ تاج الدين الحموي يقرأ في «سرب تحت الأرض» لتخفيف وطأة الشمس اللافحة، ولم يهمل الحكماء من العرب المطالعة حتى وهم على سفرٍ، وقدّم صاحب الكتاب عدّة أمثلة على ذلك، أكتفي بذكر صاحب القاموس، وأعني: الفيروز آبادي الذي كان «لا يُسافر إلا وصحبته عدّة أحمالٍ من الكتب، ويُخرجُ أكثرها في كلّ منزلةٍ له ينظرُ فيها ويُعيدها إذا ارتحل» (المرجع نفسه). كما قرأ العرب وهم مصابون بالعلل: رُويّ عن النّحوي ابن الخشاب أنّه كن مريضاً ويضعُ كتاباً على صدره، فسأله ابن الأخضر قائلاً: ما هذا؟ قال: ذكر ابن جنّي مسألةً في النّحو، واجتهد أن يستشهد عليها ببيتٍ من الشّعر، فلم يحضره. وإنّي لأعرف على هذه المسألة سبعين بيتاً من الشعر، كل بيتٍ من قصيدة تصلح أن يستشهد بها عليه.

إن مرويات العرب عن علاقتهم بالمطالعة تتوحد جميعها تحت رداء الصبر والجلد. فإن يقرؤوا في السفر والحروب، وفي الحر الشديد وفي المرض، فهذا يعني أن هذه العلاقة مؤسَّسةٌ على شعورٍ يتأرجح بين التقديس والحب والغرابة.

والأغرب من كل هذا أنّ الحكّام أنفسهم لم يتخلّوا عن فعل القراءة رغم انشغالهم بأمور الرعية وتدبير شؤون دولتهم؛ وأَدرج في هذا السياق معاوية الذي كان «ينام ثلث الليل ثم يقوم فيقعد فيحضر الدفاتر فيها سيّر الملوك وأخبارهم والحروب والمكايد، فيقرأ عليه ذلك غلمان مرتّبون، وقد وكلوا بحفظها وقراءتها»..
يستشفُّ من هذا الحضور الوازن لفعل القراءة عند العرب على أنّهم أدركوا بحذاقةٍ على أنّها كانت أحد المفاتيح الأساسية لإنتاجاتهم الوفيرة التي قد لا تنقضي عداً، وما تركوا حقلاً معرفياً إلا واشتبكوا معه بالدّرس والتحليل. ولعلّ ما حاول محمد الشيخ تبيانه أنّ العرب كانوا سبّاقين للاحتفاء بها، بعدما بادروا إليها في جميع الأحوال والظّروف، وجعلوا من الكتاب نديمهم غير مكترثين بما يحدث حولهم، وذلك لكون القراءة هي الرأسمال الوحيد لدى الإنسان الذي لا يتربّصُ به الضُمور، والفعل الذي يتصدى لغارات اليأس والحبوط بجسارة قلّ نظيرها. يمكن القول، إذا جاز التعبير، إنّ العلاقة الوثيقة التي جمعت بين القراءة والعرب هي علاقة فوق الحبّ، وقد تصل إلى مرتبة القداسة، حيث وصل بهم الأمر إلى القراءة في أماكن قد لا تخطر على إنسانٍ عاقل الآن أن يقيم ويقرأ فيها، كالمقابر مثلاً، وأستحضر في هذا المضمار حكاية «عبد الله بن عبد العزيز الذي تزهّد وسكن المقابر، فسئل عن ذلك، فقال: لم أرَ أوعظ من قبرٍ، ولا آنسٌ من كتاب، ولا أسلم من وحدة».. وتتجلّى القداسة أيضاً في الجرأة بالاستغناء عن الرأسمال المادي والاكتفاء برأسمال القراءة، ولعلّ خير مثال عن ذلك ابن رسلان الذي «كلّفه والده بالجلوس في الحانوت، فكان ينكبُّ على المطالعة ويهمل التجارة، فظهرت خسرة فيها، فلمّا وبّخه والده قال: أنا لا أصلحُ إلا للمطالعة».. وبلغ ببعض القراء نهم المطالعة إلى تقديس نصوص كُتّابهم والارتقاء بهم إلى درجة متعالية. أذكر في هذا الباب عبارةً بليغة لأبي محمد الزبيدي الأندلسي الذي قال: «رضيتُ من الجنة بكتب الجاحظ عوضاً عن نعيمها»..
إن مرويات العرب عن علاقتهم بالمطالعة تتوحد جميعها تحت رداء الصبر والجلد. فإن يقرؤوا في السفر والحروب، وفي الحر الشديد وفي المرض، فهذا يعني أن هذه العلاقة مؤسَّسةٌ على شعورٍ يتأرجح بين التقديس والحب والغرابة. وما أحوجنا لهذه العلاقة آنياً. إن الأمثلة التي وردت في الكتاب كثيرة، والمعاني الثاوية وراء تلك الحكايات عديدة. القراءة عادةٌ نبيلةٌ، وإنّ الذي جعلها ديدنهُ ليستحقّ الحسد على ذلك.
كثر اللغط في السنوات المنصرمة عن تراجع نسبة القراءة في بعض الدوّل العربية، وصدرت مقالات تندد بهذا الأمر، داعيةً إلى إحيائها وإعادة هيبتها المسلوبة. وهذا شيء محمود يستحق التنويه. غير أنّه لا بد أن نفكر جدياً في أنّ ما نعيشه اليوم من تراجع نسبة القراءة هو نتاج للتحولات التي شملت مختلف مناحي الحياة، واستلبت الإنسان وزجت به في متاهات لا تنتهي، وعلى الرغم من ذلك ما زالت ثقافة القراءة تحظى بوافر الاهتمام من طرف الفاعلين الثقافيين، والمتعلّقين بها، والساعين إلى ترسيخها في جميع المجتمعات العربية، لذلك بادرت بعض المؤسسات والجهات في بعض الأقطار العربية إلى إنشاء مسابقات محترمة جداً من أجل إعادة الاعتبار للقراءة وإشاعتها في صفوف الشباب، لكونهم تنبّهوا إلى أنّها سرّ تقدم الشعوب، وهي الطريق المختصر نحو التقدم والازدهار المنشودين.

كاتب مغربي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية