الإفتاء تحذر من حملات تستهدف تلطيخ سمعتها بسبب زكاة الفطر… والأوقاف تلاحق كيانات تخدع الفقراء

حسام عبد البصير
حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي»: باستثناء عدة مقالات صرخ فيها أصحابها بحذر شديد من المستقبل الكارثي الذي ينتظر السودان وتداعيات الحرب هناك على العرب، فإن الاهتمام الإعلامي بمجريات الأحداث خافت.. وبينما سيطر حديث الحرب في السودان مع الأوضاع في فلسطين المحتلة على أوساط الجماهير، ومثلت “ليلة القدر” التي احتفل بها المسلمون حول العالم حدثا فريدا للدعاء للشعبين الفلسطيني والسوداني، تراجع الاهتمام بالأحداث الجارية في صحف أمس الثلاثاء 18 أبريل/نيسان وحده عمرو موسى أمين عام الجامعة العربية الأسبق أحدث جدلا واسعا بعد أن تخلى عن دبلوماسيته، وكان أكثر حدة، معربا عن خشيته على مستقبل العرب وبالأخص مصر والسودان، إذ قال: “إن بعض المصالح العربية قد تتعارض مع المصالح المصرية الأكثر عمقا في السودان، وكذلك الحال في افريقيا، هنا يتوقع من مصر وقفة صريحة وجريئة، إذ أن مصالحنا الحيوية في تلك المنطقة بأسرها أصبحت مهددة وعلى المحك. واحتمال استغلال إثيوبيا للوضع يفاقم مشكلة السد بالنسبة لنا”. وأضاف: “دور مصر في تجنيب السودان نتائج الأحداث الجارية يجب أن يكون أساسيا وصريحا. الصراحة مهمة مع إخواننا ومع غيرهم ممن نشطوا في موضوع السودان دائما أو بالذات مؤخرا”.
وتابع: “تكامل مصر والسودان تفرضه الطبيعة وتخلق معه مصالح مشتركة وإن أفسدته سياسات خاطئة منذ خمسينيات القرن الماضي وكذا مخططات أجنبية رأت في أي تقارب قوي البناء بينهما تهديد لمصالحها في القارة الافريقية وجنوب العالم العربي. هكذا فشل التكامل”. وأوضح موسى أن ما يجري في السودان من تدهور شامل وشروخ في بنائه السياسي والمجتمعي والعسكري، ومواجهات دموية يطرح مخافة جدية على مستقبل السودان واستقلاله ووحدته وسلامة أراضيه وأمان شعبه، ويهدد استقرار القرن الافريقي والجنوب العربي، وكذلك أمن مصر ومصالحها الحيوية. كما دخل المياردير نجيب ساويرس بورصة التصريحات معلنا دعمه حميدتي واصفا إياه بأنه الوحيد الذي سيدعم المسار الديمقراطي في السودان في مواجهة الإسلام السياسي.
ومن أخبار المؤسسة الدينية: حذرت دار الإفتاء من حملات إلكترونية من قبل غير المتخصصين في مجال العلوم الشرعية يهدفون من وراء تلك الحملات إثارة الشغب حول ثقة المسلمين في مؤسساتهم الدينية، واختطافهم فكريا من ساحة وسطية الإسلام وسماحة تشريعاته إلى مناهجهم المتشددة، والتشكيك في فتوى دار الإفتاء المصرية عن مقدار زكاة الفطر، التي أعلنت الإفتاء تقدير قيمتها بمبلغ ثلاثين جنيها على سبيل الحد الأدنى، دون وضع حد للزيادة وفق قدرة المستطاع.. وفي سياق مواز حذرت وزارة الأوقاف من ظهور بعض المواقع المشبوهة تدعي قيام الوزارة بتقديم دعم مالي للمحتاجين وتطلب منهم تسجيل بياناتهم للحصول على الدعم المالي، ما يعرض بياناتهم للسرقة. وأكدت الأوقاف، أن هذه المواقع لا تتبع وزارة الأوقاف نهائيا، وتحذر من الوقوع ضحية لهؤلاء وتوعدت بملاحقتها.
بطش العسكر

مشاهد الدمار والخراب الناجمة عن الاقتتال الدائر بين الأشقاء في السودان، تضيف إلينا وفق ما يرى طلعت إسماعيل في “الشروق” المزيد من الأحزان، بعد أن دخلت رقعة جغرافية عربية جديدة في أتون احتراب على سلطة يسعى كل طرف للاستحواذ عليها بالقوة المسلحة، على حساب البسطاء الذين باتوا عالقين بين دوي الرصاص وصوت المدافع التي تنهش الأجساد المنهكة بلا رحمة، وتأتي على الأخضر واليابس في معاندة لكل منطق. من زار السودان واختلط بأهله الطيبين، لا بد أن يتملكه الذعر وينتابه الهلع على أناس التقاهم بلا ترتيب ذات ربيع مشمس، سواء في شوارع الخرطوم أو العديد من المناطق التي جال فيها وسط ترحيب من أشخاص بادلوه الحب الصافي الذي ينشأ عادة بين أشقاء تجمعوا بعد طول غياب.. فكانت جلسات «الونسة» عقب مائدة عامرة بكرم معتاد. طنين المناقشات عن مصير الأوطان التي تواجه تحديات ومخاطر، والحديث عن القوى العاجزة عن تلبية طموحات الشعوب، لا تغادر الرأس الذي تتزاحم فيه الهواجس، وتنهشه المخاوف عن مصير بسطاء جمعتك بهم الصدفة ذات يوم، فإذا بهم يعودون من الذاكرة إلى الواجهة وقد علت جباههم مسحة حزن على مستقبل غامض. ترى أين ذهبت بائعة الشاي في السوق العربي، وهل يتجمع الدراويش كما هي عادتهم في حمد النيل؟ هل لا تزال الخلوات التي اعتزل أصحابها العالم بحثا عن هدوء روحي وسلام نفسي، تأمن عواقب ما يجري حولها من اقتتال؟ ما مصير المقاهي التي اختارت حضن النيل ملاذا في العاصمة المثلثة التي تكسو الخضرة وجهها، وتلجأ العصافير إلى أغصان أشجارها؟

أسئلة مؤلمة

هل لا يزال السوق الشعبي في أم درمان يعج برواده؟ وهل لا تزال مساومات البيع والشراء على حالها، أم طغت الآن أصوات المعارك على تكبيرات الجامع الكبير الضاربة أعمدته في جذور تربة مدينة جديرة بالسلام والأمان؟ يمضي طلعت إسماعيل في أسئلته المؤلمة: هل تقدم مطاعم ود مدني وجباتها الشهية لمن أتعبهم طول السفر فاختاروها محطة للراحة والتزود بجرعة أمل؟ أم أن أخبار المتقاتلين ملأت صحون الجائعين؟ تساؤلات عدة تفرض وجودها على متن المعارك التي حولت الخرطوم ومدن كبرى وأنحاء متفرقة من السودان الحبيب إلى ساحة حرب بين ميليشيا الدعم السريع «الجنجويد سابقا»، والقوات المسلحة السودانية التي ربت وحشا كاسرا في عهد نظام البشير، ظنا أنه سيكون عونا للنظام في الصراع الدموي في إقليم دارفور، فإذا بالميليشيات وقد باتت شوكة في الظهر، لا سلاحا يمكن استخدامه في الدفاع عن وطن تحيط به الأهوال من كل جانب. اليوم تتزاحم المبادرات والنداءات التي خرجت من عواصم عربية وأجنبية، ومن منظمات افريقية ودولية، لحقن الدماء ووقف إطلاق النار، وهي دعوات يجب أن تلقى استجابة من الفرقاء السودانيين، للجلوس إلى مائدة التفاوض كسبيل وحيد للخروج من مأزق الصراع على السلطة بتشجيع، للأسف، من قوى محلية وإقليمية ودولية لا تريد للسودان وأهله أي خير بطبيعة الحال. الاحتكام إلى السلاح على نحو ما يجري الآن يدفع ثمنه بلا شك الشعب السوداني، الذي تتبدد ثرواته عبثا، وتتراجع قوته لصالح خصومه، وتنكسر شوكته وقدرته على الدفاع عن مقدراته، والذود على أحلامه وآماله وحقه في البناء والتنمية، بعيدا عن الهدم والتدمير. وقبل أن يتحول السودان إلى ركام وحطام وطن، كما حدث مع بلدان مجاورة، يجب أن ينتهز المتقاتلون فرصة الزخم العربي والافريقي والأممي الذي يعرض الوساطة، ويدعو لوقف حرب مجنونة لا غالب فيها ولا مغلوب، وأن يستوعب الأشقاء في السودان أن الأوطان أبقى وأهم من سلطة زائلة. استمرار المعارك يعقد المشهد، ويعمق المأزق، الذي سيؤدي في النهاية إلى المزيد من الدمار والخراب، وهو مأزق في الحقيقة لا يخص السودان وحده، بل تمتد آثاره إلى كل المحيطين به، عربيا وافريقيا.

أخطاء بالجملة

أكد عمرو الشوبكي في “المصري اليوم”، أن اشتباكات السودان هي نتاج خيارات خاطئة وقع فيها الجميع، منذ نجاح الثورة السودانية في أبريل/نيسان 2019 في عزل البشير، حيث ارتكب المكون العسكري والمدني أخطاء فادحة في إدارة المرحلة الانتقالية يدفع الآن الشعب السوداني ثمنها من دماء أبنائه. قد تكون البداية حين أصرت القوى المدنية على تطويل المرحلة الانتقالية عقب تشكيل المجلس السيادي الذي عانى من توزيع رأسي للسلطة على 10 أشخاص هم أعضاء المجلس، بما يعني أنه يحتاج مواءمات كثيرة حتى يستطيع أن يخرج قرارا أو إصلاحا سياسيّا كبيرا، في بلد يعاني أزمات اقتصادية عميقة، وأيضا حروبا وانقسامات سياسية وعرقية وجهوية، ما أدى إلى خلق بيئة تُعمِّق الخلافات، ولا تحلها، إنما تُسكِّنها لأنه لا توجد حكومة منتخبة ولا نظام شرعي اتفق السودانيون على دعمه، إنما نظام ومشروع انتقالي. وقد ساعدت هذه السيولة قائد المجلس العسكري، الفريق البرهان، على الإقدام على عزل رئيس الحكومة عبدالله حمدوك، والانقلاب على المسار السياسي، ما أدى إلى تعميق الخلاف بين تيار واسع من القوى المدنية، والمكون العسكري. كما ارتكبت القوى المدنية الثورية خطأ آخر، تمثل في تركيزها منذ تشكيل حكومة حمدوك وحتى بعد استقالته، على هدف أساسى تمثل في عزل قيادات النظام القديم والخلط بين مَن ارتكب جرائم دم، أو فسادا وإفسادا، وقيادات وسطى وصغرى دخلوا الحزب الحاكم لتحقيق مصالح صغيرة معروفة في كل أحزاب السلطة في العالم العربي، ما خلق مع الوقت حاضنة من بقايا النظام القديم التف بعضها حول المكون العسكري، وناصبت «الحرية والتغيير» العداء، كما عانت قوى الحرية والتغيير نفسها من انقسامات بين المجلس المركزى والكتلة الديمقراطية، وخرج تيار جديد سمى نفسه «قوى التغيير الجذري»، ورفع شعارات من نوع عدم التفاوض مع المجلس العسكري، وهو أمر شديد الغرابة، وغير متعارف عليه في كل تجارب الانتقال الديمقراطي، ومضاد أصلا لقيمة التفاوض، التي مثلت أحد أسباب نجاح الثورة السودانية. وقد تجاهلت قوى التغيير وجود تيارات شعبية محافظة وتقليدية، وبعضها رحب بتدخل الجيش، مثل المجلس الأعلى لنظارات البجا والعموديات في شرق السودان وغيرها.

الخطر أكبر

من قصر النظر، على حد رأي عبد القادر شهيب في “فيتو”، اختزال تداعيات ما يحدث الآن في السودان علينا في مصر في موضوع الجنود المصريين، الذين وجدوا في مطار مروي أثناء اقتحامه من قوات الدعم السريع، وكانوا يتأهبون لخوض مناورات مشتركة مع القوات المسلحة السودانية طبقا لبروتوكولات مسبقة.. التداعيات أكبر وأخطر من ذلك كثيرا.. لأنها تداعيات تمس الأمن القومي المصري.. فما يشهده السودان حاليا من صدام عسكري بين قوات الجيش وقوات الدعم السريع، سوف يؤثر سلبا في السودان الشقيق وينال من استقراره ويضعفه في محيطه الإقليمي، وهذا أمر جد خطير بالنسبة لأمن مصر، التي لا تريد أن تكون الأراضي السودانية مستقرا لجماعات ومنظمات إرهابية، كما كان حادثا في عهد الرئيس السوداني السابق عمر البشير، ولا تريد أيضا أن يكون السودان مشغولا بأزماته الداخلية الدامية عن التهديدات الخارجية التي يتعرض لها، والأطماع الأجنبيةَ في أراضيه. لذلك تأمل وتعمل مصر على أن يتوقف الصدام العسكري الحالي سريعا، وأن يلتزم كل الفرقاء السودانيين بضبط النفس لمنع وقوع السودان الشقيق في دوامة اضطرابات واسعة تنال من استقراره، وأن يتم حل الخلافات بالتفاوض وليس باستخدام السلاح الذي يكون له دوما ضحاياه وخسائره الكبيرة ويخلف جراحا تحتاج لوقت ليس بالقصير لتضميدها، خاصة إذا كانت بين الأشقاء. مع التأكيد على أن يكون لهذا البلد الشقيق جيش واحد موحد، ولا توجد فيه منظمات مسلحة خارج قواته المسلحة، وهو الموقف ذاته الذي تصر عليه في ليبيا وترعى مفاوضات تحقيقه. كما أن مصر من مصلحتها أن يكون السودان عفيا سليما قويا، وليس نهبا للنزاعات والصدامات العسكرية، وأن تكون العلاقات معه طيبة وقوية لنتدبر معه حلا لمشكلة سد النهضة في ظل الرفض الإثيوبي المستمر لإبرام اتفاق قانوني ملزم ينظم ملء وتشغيل السد بما لا يضر بمصر والسودان.

المؤسف حقا

يقول سليمان جودة في”المصري اليوم”، وضعت يدي على قلبي، عندما قرأت ما نشرته صحيفة «يديعوت أحرونوت» الإسرائيلية عن الاشتباكات الدائرة في السودان بين الجيش وقوات الدعم السريع.. فالصحيفة نقلت عن مسؤول في تل أبيب لم تذكر اسمه، أن وزير الخارجية الإسرائيلي ورئيس المخابرات الإسرائيلية على اتصال مع الطرفين المتقاتلين. تابع الكاتب، عندما نطالع مثل هذا الخبر، فلا بد أن نضع أيدينا على قلوبنا على الفور، وأن نتذكر ما حدث أثناء الحرب العراقية الإيرانية التي دامت ثماني سنوات من 1980 إلى 1988. وقتها كانت الولايات المتحدة الأمريكية على اتصال بالطرفين، وكان حالها معهما في مثل حال إسرائيل اليوم مع الطرفين في السودان.. وفي ما بعد عرفنا أن الإدارة الأمريكية كانت تمد الاثنين بالسلاح، وكان الهدف أن يدمر بعضهما بعضا في النهاية. فهل هذا هو ما سوف تفعله الدولة العبرية، وهي تدفع وزير خارجيتها ومدير مخابراتها إلى الاتصال بالجيش السوداني وقوات الدعم السريع معا؟ وهل هذا هو ما سوف يتبين لنا لاحقا عندما يصل هذا الصراع بين الطرفين إلى غايته الأخيرة؟ سوف نرى.. والأيام وحدها سوف تكشف وسوف تقول، ولكننا في الوقت نفسه لا نتصور أن تل أبيب تحب الخرطوم، إلى حد أنها ترغب في إنهاء الصراع بين الطرفين، أو أنها تسعى إلى وقف نزيف الدم الذي لا يتوقف منذ بدأت الاشتباكات في 15 من هذا الشهر. وليس سرا أن إيلي كوهين وزير الخارجية الإسرائيلي، كان في العاصمة السودانية قبل أسابيع، وكان يبحث في الطريقة التي يتم فيها تطبيع العلاقات بين البلدين، وكانت بلاده ومعها الولايات المتحدة تمسكان السودان من يده التي توجعه، وكانتا تستخدمان ورقة العقوبات المفروضة على السودانيين منذ فترة.. بالضبط كما استخدم الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب ورقة رفع الخرطوم من لائحة الإرهاب، عندما فكر في ضم السودان إلى قطار السلام الإبراهيمي الشهير. إنني أضع يدي على قلبي من جديد، وأنا أطالع بيانا للحزب الشيوعي السوداني يتهم فيه جهات أجنبية بإمداد الطرفين بالسلاح.. صحيح أن الحزب لم يشأ أن يسمى هذه الجهات التي وصفها بأنها أجنبية، ولكن السابقة الأمريكية في الحرب العراقية الإيرانية حاضرة لا تغيب في الأذهان.
أمة وادي النيل

نتحول نحو محطات منسية في العلاقة بين شعبي وادي النيل في صحبة الدكتور خالد قنديل في “الأهرام”: إن العلاقات بين مصر والسودان أزلية ومتشعبة في جميع الاتجاهات والمجالات، ويدعم هذا المسار التاريخي الممتد الأزلي هذا الشريان المشترك الذي يجري كعروقٍ خضراء في جسد الأمة الواحدة، يمدها بالحياة متمثلا في نهر النيل، الذي يعد مرتكزا وأساسا قويا للكثير من مشروعات التعاون، فضلا عن صلات النسب والقربى والمصاهرة واختلاط الدم، فجزء كبير من أهالي أسوان له جذور سودانية، وتعد السودان العمق الاستراتيجى بالنسبة لمصر، وأمنها القومي، والعلاقات بينهما راسخة رسوخ النيل القديم نيل الحضارة والرقي والسلام، الذي يجري منذ آلاف السنين دون توقف أو أزمات، فالسودان يقع على حدود مصر الجنوبية، وطول الحدود البرية بين الدولتين يتجاوز الألف ومئتي كيلومتر، وتشترك الدولتان في مجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، الذي تأسس في 2020، ويضم: مصر، والسودان، واليمن، والأردن، والسعودية، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، فالعلاقة التاريخية بين مصر والسودان بدأت منذ الوجود الإنساني وتكوينات البشرية التي وجدت في الجزء الشمالي الشرقي من القارة الافريقية، وارتبطت بتكوين وادي النيل الذي يشكل شريان الحياة المزدهرة على ضفتيه، وقد تلاحمت العناصر البشرية بين شمال الوادي وجنوبه مكونة وحدة وادي النيل، وفي هذا الصدد يُذكر إنشاء إذاعة وادي النيل، فبعد أقل من 10 سنوات على بث الإذاعة المصرية الرسمي في منتصف ثلاثينيات القرن الماضي، جاءت فكرة إنشاء إذاعة “ركن السودان” التي تغير اسمها في ما بعد إلى إذاعة “وادي النيل”، واعتبرت الإذاعة الإقليمية الوحيدة التي تملكها دولتان، وكان يوجد فيها فريق عمل يتناوب في فترات الهواء مع نظيره المصري.

أمننا واحد

لعلنا نتابع ما انتبه إليه الدكتور خالد قنديل من حرص السياسة المصرية في المرحلة الحالية على تقوية أواصر العلاقات التي تتميز بالخصوصية والتفاهم العميق مع السودان الشقيق، والسعي المستمر نحو تطوير علاقاتنا الاقتصادية المشتركة وإحداث نقلة نوعية في هذا السياق، تتماشى مع ما تتطلع إليه شعوب الدولتين اللتين هما أمة واحدة، وهناك دائما تشاور وتنسيق سياسي بين مصر والسودان، وقد شرعت الدولتان في اتخاذ خطوات عملية لتقوية ودعم العلاقات بينهما في المجالات المختلفة، فالسودان يعد الدولة الوحيدة التي لديها قنصلية في محافظة أسوان، ما يدل على نمو حجم التبادل التجاري، ولا يتوقف دور هذه القنصلية عند العلاقات التجارية والاقتصادية حسب، بل امتد ليشمل العلاقات في المجالات المختلفة، وهناك علامات عديدة ومحطات كثيرة في مسيرة هذه العلاقة الممتدة والمستمرة، فمنذ اندلاع الثورة السودانية في 19 ديسمبر/كانون الأول 2018 أكدت مصر احترام خيارات الشعب السوداني، وكذلك رحبت بجهود السودان في تحقيق السلام والاستقرار في جنوبه، وشاركت في المفاوضات بين الحكومة الانتقالية السودانية والجبهة الثورية، وأظهرت الدعم الكامل للحكومة السودانية الجديدة بعد الثورة، وتم توقيع وثيقة الشراكة الإستراتيجية بين البلدين عام 2016. وفي أبريل/نيسان 2019 استضافت مصر قمة تشاورية للشركاء الإقليميين للسودان لرأب الصدع وحلحلة الخلافات، وفي أغسطس/آب من العام ذاته استضافت القاهرة اجتماعا بين قوى الحرية والتغيير والجبهة الثورية السودانية، كما شاركت في التوقيع على اتفاق تقاسم السلطة بين المجلس العسكري الانتقالي وممثلي المعارضة، وفي مارس/آذار 2022 احتضنت القاهرة إعلان الوحدة الاتحادية التنسيقية بين الفصائل الاتحادية السودانية، واهتمت الدولتان بالتركيز على تعزيز مجالات التعاون، خاصة في الاستثمار والتعليم والصحة، فضلا عن التعاون في الربط الكهربائي وربط السكك الحديدية والطرق، ودائما ما تؤكد مصر أن استراتيجيتها الثابتة تقوم على أن استقرار السودان وأمنه جزء لا يتجزأ من أمن مصر القومي.

التفاؤل مطلوب

لا يتخلى وليد عبد العزيز عن تفاؤله كما أطلعنا في “الأخبار”: أشعر بأن هناك انفراجة اقتصادية مصرية ستحدث قريبا، وأن المرحلة الأصعب قد مرت بسلام.. ثقتي في تحسين الأوضاع ليست مجرد أمنيات، ولكنها مبنية على واقع ملموس نعيش فيه.. الدولة المصرية وعلى مدار سنوات طويلة نجحت في إعادة بناء وهيكلة جميع مؤسساتها.. مصر يا سادة تمتلك اليوم بنية تحتية متطورة في القطاعات كافة، وتمتلك خبرات أفضل بكثير من الماضي.. لدينا شبكة طرق عملاقة ولدينا شبكة كهرباء ولدينا خطة مدروسة لمضاعفة حجم الرقعة الزراعية، بخلاف المدن الصناعية الجديدة.. التعليم في مصر يتطور للأفضل والمستشفيات أصبحت أفضل حالا من ذي قبل.. أصبحت لدينا شبكة سكك حديدية متطورة وحديثة.. والأهم أصبحت لدينا كوادر شبابية من أبناء الوطن قادرة على القيادة في جميع المجالات.. كل هذه الإنجازات وغيرها قادرة على دعم ومساندة الدولة في أصعب الظروف.. مشكلة الدولار سيتم حلها قريبا بفضل الفكر الجديد في جذب الاستثمارات وزيادة الإنتاج.. مشكلة الأسعار مشكلة عالمية وليست محلية، ومع ذلك تحاول الحكومة أن تجد البدائل لحلها قدر المستطاع في ظل ظروف عالمية مضطربة أثرت بشكل مباشر في الدول كافة، خاصة الدول النامية.. نظرة التفاؤل دائما ما تكون دافعا رئيسيا لتحسين الأوضاع، ولذلك فإن أوضاعنا والحمد لله أفضل بكثير من دول أخرى تعاني من نقص شديد في الموارد والغذاء، وهو لم يحدث في مصر بفضل الله.. المرحلة الحالية تتطلب من القطاع الخاص أن يكون أكثر جدية في الدخول في مشروعات جديدة تساعد على زيادة الإنتاج وتوفير فرص عمل.. الحكومة مطالبة أيضا بمنح المزيد من الحوافز التشجيعية لجذب الاستثمارات الخارجية ووضع حد للبيروقراطية التي تعيق جذب المستثمرين، بل عليها أن تمنح حوافز إضافية للمستثمر المحلي.. الحلول كثيرة للخروج من الأزمة، وتبقى الإرادة والتعاون الجاد بين الجميع أحد أهم الطرق لإحداث الانفراجة.

قد ينهار قريبا

مع استمرار حرب أوكرانيا، ظل الاعتقاد السائد أن الولايات المتحدة هي أكبر المستفيدين من هذه الحرب حتى الآن.. تابع جلال عارف في “الأخبار”: صحيح أنها دفعت الكثير لتسليح أوكرانيا ولمساعدتها على تحمل أعباء الحرب بما يقارب 50 مليار دولار في السنة الأولى من هذه الحرب المدمرة.. لكنها في المقابل حققت الكثير اقتصاديا وسياسيا وعسكريا. ففي الوقت الذي كان العالم يعاني من نقص الغذاء وارتفاع أسعار النفط والغاز وتأثر الإنتاج الصناعي بسبب نقص الإمدادات كانت الولايات المتحدة تمد أوروبا بالغاز بعد انقطاع الإمدادات الروسية، ولكن بأربعة أمثال السعر الذي كانت تدفعه دول أوروبا قبل الحرب في الغاز الروسي، وكانت أمريكا تستفيد من فائض إنتاجها الزراعي، وتعزز صناعة السلاح بها.. والأهم من كل ذلك أنها كانت تحقق هدفا استراتيجيا مهما باستنزاف روسيا في حرب صعبة لا يشارك فيها جندي أمريكي، وتجري على بعد آلاف الأميال من أراضيها. وكان الانطباع السائد أيضا أن العقوبات الاقتصادية التي قادت أمريكا الحملة لفرضها على روسيا سيكون تأثيرها كبيرا في الروس، وأيضا في أوروبا، بينما ستنجو الولايات المتحدة من تأثيراتها الضارة.. لكن ذلك في ما يبدو لم يكن دقيقا. فبالأمس اعترفت وزيرة الخزانة الأمريكية أن العقوبات الاقتصادية (على روسيا أساسا) تشكل خطرا على «هيمنة الدولار» مؤكدة أن هناك مخاطرة مرتبطة بدور الدولار عند استخدامنا العقوبات المالية تقوض – على المدى الطويل – هيمنة الدولار، لأن ذلك يخلق إرادة لدى روسيا والصين وإيران لإيجاد بديل عن الدولار، ورغم أن الوزيرة الأمريكية حاولت الطمأنة على مستقبل الدولار كعملة عالمية، وصعوبة أن تحل محلها عملة أخرى، لكن الحقائق على الأرض أقوى. والتوجه العالمي لاستخدام العملات المحلية يزداد، والموقف لا يتعلق فقط بالصين وروسيا والعقوبات الغربية، حتى الرئيس الفرنسي ماكرون أشار إلى ضرورة تخفيف الاعتماد على الدولار في المعاملات التجارية الأوروبية. والزمن يتغير ومعه يتغير العالم، وها هي وزيرة الخزانة الأمريكية تعترف بأن هيمنة الدولار في خطر.

الدولار والذهب

عمليا والكلام لمحمد أحمد طنطاوي في “اليوم السابع”، الذهب ما هو إلا دولار في صورة معدن، والتكالب والسعي لشرائه يزيد من قوة العملة الخضراء في مواجهة الجنيه المصري، ويعتبر وسيلة سريعة لركود ممتد ينتج من انكماش السيولة التي يتم توظيفها في الذهب، سواء لمدد متوسطة أو طويلة، بجانب لجوء البعض إلى تصفية مشروعات صغيرة ومتوسطة وتوظيف أموالها في الذهب، وهو طرح أكثر خطورة يزيد من شبح البطالة، ويدعم سيناريوهات أكثر قتامة للاقتصاد، خلال السنوات المقبلة. لا يمكن لمن يفهم الوضع الاقتصادي جيدا أن يعتبر الذهب استثمارا على المستوى المحلي، إلا إذا ارتبط الأمر بتعدين الذهب، أو استخراجه من باطن الأرض أو حتى تمويل دراسات للكشف عنه، غير ذلك فالذهب ليس أكثر من أداة ادخار، الهدف منها التحوط من تقلبات سعر صرف العملة المحلية، ولن تصبح له عوائد مباشرة على الاستثمار أو فرص العمل أو مؤشرات الاقتصاد ومعدلات النمو، فالمصانع لن تعمل بالذهب، والإنتاج لن يتحرك خطوة واحدة، إذا انشغل أصحاب المصانع بتوظيف أموالهم في السبائك والمشغولات، الخطر الكبير يمكن في “دولرة الاقتصاد” فكلما اشتد حديث الناس عن الدولار، وحولوا مدخراتهم إليه، واشتروا ذهبا، فتصبح النتيجة الحتمية تحرك الاقتصاد ناحية الدولار وقوة مضافة وهيمنة أكبر للعملة الخضراء، وهذا يعتبر السيناريو الأكثر كارثية على العملة المحلية، التي يتم الضغط عليها بصورة غير مسبوقة، نتيجة رؤية محدودة تجعل العملة المحلية في مقارنة دائمة مع الدولار، لذلك علينا التوقف الفوري عن الدعاية المجانية للدولار، بل أقولها صريحة، لو كنت في موقف الحكومة لقننت شراء الذهب في الوقت الحالي باعتباره صورة من صور الاتجار في الدولار.

لا تفرطوا في الجنيه

انتهى محمد أحمد طنطاوي لحقائق مصيرية: الوعي بأهمية العملة المحلية لأي دولة أمر لا يقبل النقاش، فالمواطن في أغلب دول العالم المتقدم يقدس عملته الوطنية، ويعتبرها جزءا لا ينفصل عن هيبة الدولة، وعاملا أساسيا في قدرة الاقتصاد، ويمكن هنا طرح مثال بسيط على فكرة احترام العملية الوطنية في دولة المجر، التي صادفني الحظ لزيارتها في عام 2015، ورغم أن بودابست عضو في الاتحاد الأوروبي، إلا أنها لا تستخدم اليورو كعملة رسمية، إلى جانب عدد من الدول الأخرى مثل بلغاريا وكرواتيا والتشيك وبولندا، لأنها أخفقت في تلبية بعض المتطلبات الاقتصادية والقانونية، التي تُعرف بمعايير التقارب الاقتصادي، التي تشترط إبقاء معدلات التضخم وأسعار الفائدة طويلة الأجل، والعجز العام دون الحد الأدنى الأوروبي. وفي الحالة المجرية نجد أن العملة هشة أمام اليورو، باعتبار بودابست دولة محدودة الموارد في أوروبا الشرقية، يعتمد اقتصادها على السياحة والضرائب، وبعض الصناعات التي تتميز بها في مجال السكك الحديدية، لذلك فإن اليورو الواحد يعادل 373 فورنت “العملة المجرية”، وقبل 8 سنوات، كان سعر اليورو في حدود 340 فورنت، بزيادة حوالي 10% فقط خلال هذه المدة، وأظنها نسبة معقولة جدا في بلد معطياتها الاقتصادية كما ذكرت، وهذا يعتمد بصورة أساسية على الوعي لدى المواطن المجري، الذي يرفض التعامل باليورو بصورة قاطعة، مهما كانت الإغراءات في البيع أو الشراء، حفاظا على عملته الوطنية، حتى لا تزيد معدلات التضخم، ويتمكن من سداد ديونه، ويحافظ على مستوى المعيشة، في ظل معدل دخل شهري متدن ٍيصل إلى 445 يورو فقط، وفقا لبيانات المكتب الإحصائي للاتحاد الأوروبي.

على خطى السعودية

تعيش منطقتنا العربية وفق ما يرى محمود زاهر في “الوفد” تبدلات وتحولات جيوسياسية، على وقْع الاتفاق الإيراني ـ السعودي، الذي تمَّ مؤخرا برعاية الصين، ليُنهي حقبة أليمة من الصراعات لعقود طويلة. تطورات متسارعة، تجعل من الضروري الحديث عن جدوى استمرار القطيعة بين طهران والقاهرة، منذ قيام الثورة الإيرانية عام 1979، التي لم تتجاوز حد «الواجبات» الدبلوماسية، أو «الجمود» تقريبا خلال تلك الفترة، رغم المحاولة «الخجولة» إبان فترة حكم الرئيس المعزول. وباستثناءات محدودة، فإن جميع الدول العربية ـ بما فيها مصر ـ كانت تنظر بعين القلق للتقارب مع إيران، الذي كان مرتبطا بما يُسمى «تصدير الثورة»، أو بأسباب الخوف المحتمل من زيادة التدخل، والنفوذ الفارسي، ونشر المذهب الشيعي.. وهي «هواجس» كانوا يرونها مهددة لاستقرار المنطقة. نتصور أن «مطمع» طهران من هذا التقارب، ليس توجها شيعيا في المقام الأول، بل هو سعي للتقارب على الأصعدة كافة، لتحقيق أهداف سياسية واقتصادية، ومحاولة للخروج من العُزلة الدولية المفروضة منذ الثورة الخمينية.. أما في ما يتعلق بالقول عن «تشيُّع» المصريين، فالإيرانيون يعلمون تماما أن شعب مصر غير قابل للتحول. كما أن التخوف من هذا التقارب ـ الذي ظل يحلم به الإيرانيون لمدة طويلة ـ مردّه أن إيران لم تكن يوما دولة سنّية، ثم تحولت بعد ثورتها إلى دولة شيعية.. ورغم الخلاف معهم بشكل كبير في بعض أمور الدين، إلا أنهم يدركون أن نموذجهم لم ولن يُطبق في مصر، بسبب تمسك المصريين بوسطيتهم، التي لم يستوعبها منظِّرو تيارات الإسلام السياسي حتى الآن، ولذلك نشك كثيرا في أن إيران بعد هذا التقارب ستتحول لأهل السنة، أو أن المصريين سيتشيَّعون في المستقبل. إننا نرى كل دول الخليج ـ بلا استثناء ـ تتبادل البعثات الدبلوماسية مع إيران، وبعضها يتعامل تجاريا واقتصاديا بالمليارات سنويا.. وبالتالي ليس من المعقول أن لا نقيم علاقات مع طهران، خوفا من تداعياتها على دول الخليج، التي بدورها تقيم علاقات لم تنقطع، وتتزايد بشكل مطرد، يوما بعد يوم. لقد آن الأوان أن تتبنَّى مصر رؤية مختلفة، انطلاقا من قاعدة مفادها أن الماضي أساس للمستقبل، لكنه بالطبع ليس صانعا له، كما أنها تحتاج أيضا إلى أن تتعافى سريعا من أزمة اقتصادية طاحنة.

ثمرة الاعتكاف

ينشغل المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها بالاعتكاف في العشر الأواخر من مدرسة الصيام، وبدوره أشار حسن القباني في “المشهد” أن الاعتكاف، طقس ديني موجود في الديانات السماوية الأخرى، ويهمني هنا، استخلاص المعنى من الاعتكاف، وامتداد أثره الطيب المرتقب من الذات إلى العلاقات والمعاملات، بما يفيد الأفكار والمشاعر والسلوكيات، والبيوت والمجتمعات. الاعتكاف، دينيا، هو لزوم المسجد لطاعة الله والتفرغ للعبادة والانقطاع عن الناس، وعبادة بهذه المعاني، هي بمثابة مدرسة تجديد وتغيير، تحتاج إلى مد دروسها ومعانيها، من ملازمة وإصرار، والتزام بضوابط معينة، إلى باقي محطات الحياة، انطلاقا من بداية “العام الإيماني” في شهر رمضان. لن يثمر الهدف الديني من الاعتكاف في المساجد، ما لم يمتد أثر الاعتكاف إلى حسن العلاقة والمعاملة مع كل قائم وساجد، وما لم تستفد كل ذات من عبق مدرسة الاعتكاف في تغيير يوميات البيوت والمجتمعات إلى الأفضل والأرقى، وفي هذا يقول العلامة الشيخ الراحل محمد الغزالي: “ما قيمة صلاة أو صيام لا يعلمان الإنسان نظافة الضمير والجوارح؟”. إن الأفكار والمشاعر والسلوكيات في حاجة إلى اعتكاف أخلاقي اجتماعي متجدد، تلتزم فيه النفوس والقلوب والأرواح والعقول في مختلف المواقف، مواطن الإنصاف لا الاجحاف، والمودة والرحمة لا الكراهية والبغضاء، والحوار البناء والاحترام المتبادل والأمان لا التهديد وفرض الوصاية والإذعان، والعفو والتسامح والتغافر لا المناكفات واللدد في الخصومة، والتواضع والتكامل لا النرجسية وهوس الاستحقاق، والتصحيح لا التطفيف. صلاح أمرك للأخلاق مرجعه.. فقوّم النفس بالأخلاق تستقم.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية