الخرطوم ـ «القدس العربي»: جثث على الطرقات ومشاهد مروعة خلفتها الحرب الدائرة منذ أيام في الخرطوم ومدن سودانية أخرى بين قوات الجيش وقوات «الدعم السريع» فيما تفاقمت الأوضاع الإنسانية سجل مقتل 270 شخصا وإصابة 2600 آخرين، حسب منظمة الصحة العالمية.
وقالت مصادر لـ«القدس العربي» إن مستشفيات العاصمة تشهداً تكدساً بجثامين الضحايا مجهولي الهوية من المدنيين والعسكريين من طرفي الصراع.
بينما أفاد شهود عيان، أن هناك عددا من الجثث ملقاة على الأرض منذ أيام لم يستطع أحد نقلها، خاصة في منطقة وسط الخرطوم والسوق العربي. وقال المواطن مأمون العراقي لـ«القدس العربي» إن أمام منزلهم في حي الديوم الشرقية هناك نحو 3 جثث لعناصر الدعم السريع، وأنه لا يمكن الخروج والتعامل معها لاستمرار المعارك داخل شوارع الحي.
كذلك، كشفت تنسقية لجان مقاومة كرري، عن أن هناك عددا من الجثث تتبع لعناصر الدعم السريع بدأت تتعفن في حي المنارة بالقرب من صينية الحلفايا وبالتزامن مع احتدام القتال بين الطرفين، مما أدى إلى هلع وسط المواطنين.
ويشار إلى أن المدنيين الذين سقطوا جراء القصف أو الإصابة بالأعيرة النارية وسط الأحياء تم مواراة جثامينهم من قبل ذويهم دون القيام بأعمال التشريح والإجراءات الجنائية المتبعة.
وأوضح مدير هيئة الطب العدلي في ولاية الخرطوم، هاشم فقيري لـ«القدس العربي» أنه لا يوجد مكان في المشارح لاستقبال مزيد من الجثث، مبيناً إلى مشارح العاصمة تشهد تكدس بحوالي (2000) للجثامين مجهولة الهوية منذ العام 2019، بالتالي لن تستطيع استقبال المزيد.
وقال: إن «العساكر الذين قتلوا هم ضحايا عمليات حربية يمكن دفنهم أو الذهب بهم إلى مشرحة أمبدة لاتخاذ بعض الإجراءات أما المدنيون يمكن الذهاب بهم إلى المشرحة نفسها أمبدة ـ باعتبارها المشرحة الوحيدة العاملة في العاصمة ـ للقيام بأعمال التشريح والاستعراض».
ونوه أن المشرحة قد لا تستطيع استقبال الجثامين مجهولة الهوية، واقترح أن تتم عمليات الدفن لحفظ الجثث من ثم يمكن أن يقوم في مرحلة لاحقة بأعمال النبش والتشريح وتحديد سبب الوفاة.
يذكر أن مشارح الخرطوم تشهد منذ العام 2019 تكدسا لآلاف الجثامين مجهولة الهوية، والأمر الذي أدى إلى خروج مشارح العاصمة من العمل ما عدا مشرحة أمبدة.
يأتي ذلك، في ظل قصف المؤسسات والمنازل وتوقع مزيد من الضحايا، ووفقاً للمتابعات، تعرضت مدرسة «الطيب الناظر» في حي امتداد ناصر شرقي الخرطوم إلى القصف، كذلك أفاد الشهود عن قصف طال سوق بحري بالإضافة إلى أعمال نهب واسعة للمحلات التجارية.
وتحدثت لجنة أطباء السودان المركزية عن تعرض سكن ـالممرضات في مستشفى ابن سينا إلى القصف بالأسلحة الثقيلة مما أدى إلى دمار المبنى بالكامل وإشتعال النار فيه.
المشارح لم تعد تستوعب… واعتداءات جنسية على موظفين أمميين
وفي الموازة، نشرت نقابة الأطباء صوراً توضح الدمار الذي لحق بمستشفى الشعب ومستشفى الخرطوم اللذين يعدان أكبر المستشفيات في البلاد، وبينت الصور حجم الدمار الكبير على المنشآت والمعدات الطبية.
وكشفت النقابة، عن خروج 16 مستشفى عن الخدمة، بالإضافة إلى أن هناك مستشفيات أخرى مهددة بالإغلاق نسبة لنقص المعدات والأدوية وانقطاع الكهرباء والتهديد الأمني بالقصف.
وقالت قوات «الدعم السريع» إن الجيش وجه ضربة عسكرية بالطيران الحربي أمس، إلى الدائرة الطبية لقواتهم في «شمبات» لافتة أن الضربة استهدفت أسرى الجيش والمصابين من الطرفين ومدنيين يتلقون المساعدات الطبية والإنسانية داخل المستشفى، بينما نفى الجيش القيام بذلك. وأشار إلى أن معسكر «شمبات» يتبع للشرطة العسكرية ولا توجد به مرافق طبية وبيّن أن المكان كانت به قوات مقاتلة تحاول تنفيذ أهداف عسكرية بالإضافة إلى نهب المواطنين في المنطقة المجاورة.
وفي سياق متصل، تفاقمت الأوضاع المعيشية في العاصمة ولاية جنوب دارفور، إذ لاتزال المحال التجارية مغلقة والأحياء تعاني من نقص كبير لخدمات المياه والكهرباء، ففي حي شمبات الواقع في مدينة بحري مثلاً يعيش المواطنون أوضاعا مأسوية تتمثل في قطع الكهرباء وانعدام للخبز وانقطاع للمياه.
والمتجول في أحياء العاصمة يلاحظ عودة صفوف الخبز وإغلاق لمحطات الوقود كافة، كما يلمح لجوء بعض المواطنين لنقل مياه من نهر النيل مباشرة بأدوات بدائية، وعلى ضوء ذلك يتخوف مراقبون في أن تدخل الخرطوم مرحلة الفجوة الغذائية بسبب أعمال الحرب.
ووفقاً للمتابعات، شكا مواطنون من تعرضهم للنهب من قبل قوات الدعم السريع وهم في طريق صوب ولاية الجزيرة المجاورة للخرطوم من الناحية الجنوبية. وقال بعضهم إن قوات «الدعم السريع» نصب مراكز تفتيش على طوال الطريق ويقوم بعض أفراد بأخذ ممتلكات المواطنين تحت تهديد السلاح.
وأدان، المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، تيدروس أدهانوم جيبريسوس، في جنيف «إنني أدين كل الخسائر في الأرواح ونتضامن مع إخواننا وأخواتنا في السودان».
تابع أن المساعدات التي وزعتها منظمة الصحة العالمية على المرافق الصحية قبل القتال قد استنفدت الآن. وبسبب استمرار القتال، كان من المستحيل تنظيم إرسال المزيد من الإمدادات. وذكر أن مستشفيات العاصمة الخرطوم ليس بها ما يكفي من المواد لمعالجة الجرحى. وأضاف «هناك تقارير مقلقة عن تعرض بعض المرافق الصحية للنهب واستخدام البعض الآخر لأغراض عسكرية».
ودعا إلى إتاحة الوصول دون قيود إلى المرافق الصحية وحث المسؤولين على «العمل من أجل السلام».
ودعا المفوض السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، إلى وقف فوري لأعمال الاقتتال العدائية في السودان مشيراً إلى أن القتال أوقع ضحايا وسط المدنيين، وناشد طرفي الصراع بالعودة إلى طاولة المفاوضات، مؤكداً أن معظم المعارك متركزة في مناطق مكتظة بالسكان في العاصمة.
وطالب بإجراء تحقيقات فورية وشاملة ومستقل في مقتل المدنيين ومحاسبة المتورطين في الانتهاكات. في حين، قال مارتن غريفيث مسؤول المساعدات في الأمم المتحدة إن استهداف موظفي المساعدات الإغاثية والمنشآت الخاصة في عمليات الإغاثة في السودان، لا يزال مستمرا.
وأضاف في منشور على تويتر أن الأمم المتحدة تتلقى تقارير عن تعرض موظفي الإغاثة لهجمات واعتداءات جنسية.
وقال «هذا غير مقبول ويجب أن يتوقف» مضيفا أن مكتب الأمم المتحدة للمساعدات في جنوب دارفور تعرض للنهب.
كذلك، قالت مسؤولة لجنة الصليب الأحمر الدولية أليونا سينيكو أن السودان يقترب من أن يكون ميؤوسا منه بسبب حدة الاشتباكات في مناطق مأهولة بالسكان. وأضافت:» الأوضاع لم تسمح لفريق عملنا بالتحرك الشوارع مقطوعة وتصلنا اتصالات من العالقين الذين يعانون من نقص الغذاء»
وتابعت:»الأولوية ستكون إلى المستشفيات ومدها بالمعدات والأدوية اللازمة لمجابهة الأوضاع الإنسانية الناتجة عن الاقتتال».