قبل توسع حركة الحوثيين في جنوب اليمن وهروب الرئيس عبد ربه منصور هادي إلى السعودية لطلب المساعدة وإنقاذ حكومته،
كانت الأنظار معلقة على المدينة العراقية تكريت. فقبل أربعة أسابيع بدأت الحكومة العراقية وبدعم من ميليشيا الحشد الشعبي الشيعية المدعومة من إيران حملة لاستعادة المدينة وشارك في العملية حوالي 30.000 مقاتل ولكن الحملة توقفت بعد أسبوعين نظرا للخسائر التي تكبدتها الميليشيات. واضطرت الحكومة العراقية لأن الطلب من الولايات المتحدة المساعدة لشن غارات جوية على من تبقى من المقاتلين التابعين لتنظيم الدولة الإسلامية في المدينة. وكانت واشنطن قد أحجمت في البداية عن المشاركة في العملية بسبب تسيد العنصر الميليشوي الشيعي على القوات التي تقدمت نحو تكريت، وبسبب دور الجنرال قاسم سليماني، قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني في قيادة العمليات. فقد أكدت واشنطن أنها لا تتعاون مع إيران في العراق رغم تلاقي المصالح بين البلدين وأنها تنسق العمليات من خلال القوات العراقية.
تصعيد خطير
ومن هنا ينظر للقرار الأمريكي بالمشاركة في العملية على انه بمثابة نوع من التصعيد في الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وهو تطور «خطير» كما تقول صحيفة «نيويورك تايمز». وتضيف إن قرار الرئيس باراك أوباما توفير الغطاء الجوي لميليشيات الحشد الشعبي المدعومة من إيران التي ظلت تراوح مكانها أمام المدينة لأربعة أسابيع جاء بدون تقديم الإدارة أي دليل حول ما يمكن أن يلعبه هذا التعاون لخدمة المصالح الأمريكية. فالغارات الجوية على تكريت هي جزء من حملة عسكرية بدأت في آب/أغسطس العام الماضي بعد سيطرة تنظيم الدولة على مساحات شاسعة من شمال ووسط العراق وظلت بدون مصادقة من الكونغرس. وترى أن اعتماد الرئيس على قراري حرب أفغانستان والعراق اللذان يعودان إلى عهد جورج دبليو بوش قد يؤدي إلى توريط أمريكا في الحرب التي تدور منذ ثمانية أشهر وقد تمتد لسنين. وقد تسهم الغارات في تمزيق العراق إن نظر إلى أمريكا كطرف في الحرب يدعم الميليشيات الشيعية التي تشكل غالبية القوى التي تخوض المعركة في تكريت. فقد تم تهميش الحكومة العراقية وجيشها منذ البداية نظرا لفقدانهما المصداقية بعد الإنهيار المخز للجيش العراقي في الموصل في حزيران/يونيو 2014. لكن أوباما أمر يوم الأربعاء بتوفير الغطاء الشعبي للعملية بعد أربعة أسابيع على بداية الحملة. وكانت الحكومة العراقية تعول على الحشد الشعبي لتحقيق نصر سهل نظرا للقوة المشاركة وعدد المستشارين والحرس الثوري الإيراني فيها. لكن مناعة التحصينات التي أقامها المقاتلون التابعون للتنظيم في المدينة أوقفت الحملة فيما تكبد الحشد الشعبي خسائر فادحة. وكما أظهر تقرير لأنتوني لويد في صحيفة «التايمز» فقد كبدت العمليات الإنتحارية التي قام بها مقاتلون التفوا على قوات الحشد من الخلف العديد من المقاتلين. وأدى الوضع بالحكومة العراقية التفكير في تغيير مسار العملية. فقد كان الرأي هو ترك تكريت محاصرة من كل الجهات والتقدم في مناطق الأنبار. والمشكلة هي أن القوة التي تقود المعركة ضد تنظيم الدولة من الميليشيات الشيعية تعتبر جزءا من الأزمة، فهذه الميليشيات لديها كما تقول صحيفة «نيويورك تايمز» سجل وحشي في الطائفية من سفك الدم وحرق وتجريف آلاف البيوت في قرى سنية. ومن هنا فلو تكرر السيناريو نفسه في تكريت فستتحمل الولايات المتحدة اللوم كونها أسهمت ومرة أخرى في تحفيز دوامة أخرى من العنف. وتمثل تكريت كما إيمرلي شمال شرق العراق صيف العام الماضي وغيرها امتحانا لاستراتيجية إدارة الرئيس أوباما التي تقوم على «إضعاف ومن ثم هزيمة تنظيم الدولة» فهي استراتيجية قامت منذ البداية على تحالف دولي متعدد الأهداف والغايات وتريد طرد تنظيم متجذر في المناطق السنية عبر الغارات الجوية. ومن هنا تركت الولايات المتحدة الميدان للأكراد في الشمال والإيرانيين في وسط العراق. فرغم تأكيد واشنطن أنها لا تتعاون مع الإيرانيين إلا أن الطرفين يتشاركان في الهدف وينسقان الجهود ضد التنظيم عبر الحكومة العراقية أو مباشرة. ويقلق الدور الإيراني سنة العراق والحكومات العربية المشاركة في التحالف الدولي. ومن هنا كان النصر في تكريت سيعزز النفوذ الإيراني. وكان بالضرورة سيضع رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي أمام استحقاقات جديدة، فهو لم يتخلص بعد من تأثير سلفه نوري المالكي الذي لا يزال يتدخل بصفته نائبا من نواب الرئيس في مسار العمليات ويحاول تخريب جهود العبادي في اقناع السنة التعاون مع الحكومة ضد التنظيم. ويقال إن أوباما قبل أمره شن الغارات على مواقع المقاتلين في تكريت طلب تنحي قوات الحشد الشعبي. وقيل إن قاسم سليماني الذي كان يدير المعركة غادر المنطقة يوم الأحد حيث تحركت القوات العراقية الخاصة لتقود المعركة. وقد أحدث قرار التدخل الأمريكي في تكريت غضبا بين الفصائل في قوى الحشد الشعبي. وقال هادي العامري زعيم منظمة «بدر» التي بدأت مسيرتها من إيران «قد يقول بعض الضعفاء أننا بحاجة لأمريكا. ونقول أننا لسنا بحاجة لأمريكا». ومع ذلك فلجوء الحكومة العراقية لواشنطن يظهر محدودية ما يمكن أن تفعله هذه الميليشيات ومعها إيران أمام مقاتلين متمترسين في القصور القديمة والمنشآت الحكومية وزرعوا الشوارع والأحياء بالمفخخات وصفوا القناصة في أماكن مهمة. وكان دخول الميليشيات لتكريت في ظل هذا الوضع مخاطر سيكبد الحكومة سمعتها وقتلى بالعشرات. وتظل معركة تكريت مهمة ليس في بعدها العسكري ولكن فيما كانت ستؤدي إليه. فهزيمة تنظيم الدولة كان سيفتح المجال أمام التقدم نحو الموصل. وتبدو الحكومة متعجلة من أمرها فقد بدأت برمي ملايين المنشورات على الموصل تؤكد لسكانها الرازحين تحت حكم الدولة وتعدهم بأن ساعة «التحرير» قد حانت. ولكن قبل التقدم إلى الموصل يجب أولا تحقيق الأمن للسكان أو من بقي منهم واحترام حقوق المواطنين وفتح المجال لهم للعودة إلى بيوتهم. ويجب توفير الماء والكهرباء للمدينة مباشرة كما تقول صحيفة «نيويورك تايمز»، ويقتضي هذا تهميش دور الميليشيات، ودمجها في مؤسسات الجيش والأمن حتى يكون ولاءها للوطن لا إيران. ولعل هذه طموحات كبيرة ترغب الصحيفة الأمريكية بتحقيقها وطالما ذكرت في سياق الحديث عن مخرج للأزمة العراقية. فما جرى في العراق يتحمل الغزو الأمريكي الجزء الأكبر منه، وتهميش السنة وقمعهم هو نتاج للتغيير الذي أجراه الأمريكيون في البلد دون معرفة بالأليات والقوى التي تلعب دورا فيه.
أزمات متداخلة
وتعتبر موافقة واشنطن على ضرب مدينة تكريت صورة عن الطريقة التي تتداخل بها في الأزمات في منطقة الشرق الأوسط. فإدارة أوباما تدعم من جهة إيران في العراق وتقم الدعم اللوجيستي للسعودية في حملتها ضد ميليشيات الحوثيين المدعومة من إيران في اليمن. كل هذا في وقت تحاول فيه التوصل لتسوية مع إيران بشأن ملفها النووي، اتفاق يقلق بالضرورة السعودية وإسرائيل. وترى صحيفة «نيويورك تايمز» أن إدارة أوباما تجد نفسها أمام مجموعة من التحالفات وتخوض معارك متعددة وتتعاون مع حلفاء غير مريحين ملأوا الفراغ في مرحلة ما بعد الربيع العربي. فما تعيشه المنطقة هو سلسلة من الحروب المحلية والصراعات تحاول فيها قوى المساهمة في تشكيل صورة المستقبل بالطريقة المناسبة لها. ومن هنا يفهم عجز الإدارة التأثير على مسار الإحداث في المنطقة، فلم تعد تملك استراتيجية متماسكة. ويعبر مسؤول أمريكي بارز عن معضلة الإدارة الأمريكية لتشكيل استراتيجية ذات معنى في وضع متقلب «إننا نحاول هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية.. ولكن هناك تعقيدات» مضيفا «لدينا شريك ينهار في اليمن ونحاول دعمه، ونحاول تحقيق تسوية مع إيران حول ملفها النووي، هل يمكن اعتبار هذا جزء من استراتيجية عظيمة؟ «. ففي اليمن الذي كانت الإدارة تقدمه حتى وقت قريب كنموذج لمكافحة الإرهاب وسوريا والعراق ومناطق أخرى تتحدث الإدارة وكأنها تحاول دعم بناء دولة في مرحلة تحول ديمقراطي ولكن أفعالها تساعد في الحقيقة على تفكيك الدولة المركزية كما يرى بيتر هارلينغ، الباحث في مجموعة الأزمات الدولية الذي حلل مع الصحافية سارا بيرك الديناميات الجديدة في المنطقة ولاحظ كيف استغل الحوثيون أو تنظيم الدولة واللاعبون المحليون الفرصة لملء الفراغ، مع أن أحدا منهم لم تكن لديه المصداقية أو القوة لتوحيد المناطق أو حكمها. ولكن الولايات المتحدة ظلت تتمسك بأسطورة أنها تعمل مع الفصائل التي ترى أن لديها فرصة لبناء دولة قوية سواء كانت المعارضة السورية أو الحكومة الشيعية أو هادي في اليمن.
تكرار دروس الماضي
وغياب السياسة الواضحة أو الفوضى أدى بالولايات المتحدة لأن تقاتل مع كل طرف وضد كل طرف. وفي الوقت الذي يرى فيه البعض أن الولايات المتحدة تدعم الحكومات ضد قوى تهدف إلى جعل البلاد فاشلة، في هذه الحالة الحوثيون في اليمن والميليشيات الشيعية في العراق إلا ان السياسة متساوقة مع مواقف الغرب التي دعمت الأنظمة الديكتاتورية والقمعية في العالم العربي. وكما كتب فريد زكريا في «واشنطن بوست» وأشار للحالة اليمنية وكيف دعم الغرب صالح (الزيدي) الذي قمع الحوثيين عندما كان في الحكم وها هو خارج السلطة يتعاون معهم. وهو ما يلخص لعبة الدين والسياسة في اليمن. ويرى زكريا أن الأنظمة القمعية العلمانية أدت لظهور الإرهاب. وعليه فيجب أن تتوقع الولايات المتحدة التي دعمت الديكتاتورية في اليمن- سواء كانت ممثلة بصالح أو هادي، وديكتاتورية السيسي والملكية المطلقة في السعودية ما يجري في الظل سواء في المساجد أو السجون من تحول للتشدد والعنف. فالجهاديون الذين قمعتهم أنظمة الحكم الديكتاتورية تحولوا للعنف وحملوا معهم موقفا معاديا لأمريكا. ولعل هذا ما يفسر الحالة العراقية اليوم. فصعود تنظيم الدولة كان نتاجا لحرمان السنة واستبعادهم من خلال سياسات «اجتثاث البعث» والسياسات الطائفية التي دفعت السكان إلى أحضان تنظيم الدولة الإسلامية الذي استغل مظالم السنة وقدم نفسه كحام لهم. وكما أشارت سلسلة مقالات الصحافي البريطاني باتريك كوكبيرن في «إنديبندنت» عن الحياة في ظل تنظيم الدولة، فالجهاديون لم يهزموا بعد، وما خسروه من مناطق لم يؤثر على الحاضنة الشعبية التي عززها بالخوف والترهيب. كما أن خلاف أعداء التنظيم حول من سيكون له شرف هزيمة الجهاديين عامل آخر في استمرار دولة «الخلافة».
إبراهيم درويش