أعتبرت جهات سياسية وشعبية عراقية الحشد الشعبي الذي نشط في معارك ضد تنظيم الدولة منذ حزيران/يونيو 2014 بالقوى التي تجاوزت من حيث الصلاحيات والتسليح قوات الأمن العراقي النظامية، وتراجع دور المؤسسة العسكرية، وهو ما تنفيه جهات سياسية وشعبية أخرى من المجتمع العراقي وتعتبره قوة مساندة للجيش والشرطة.
وبرغم المشاركة التي نشطت بها هذه القوات الشعبية التي تشكلت بفتوى المرجعية الشيعية العليا في النجف في أعقاب سيطرة تنظيم الدولة على مدن كبيرة من البلاد وإعلانه الزحف للسيطرة على بغداد بعد سقوط الموصل في العاشر من حزيران/يونيو الماضي، فأن جهات عراقية طالبت بإعادة النظر بنشر هذه القوات في مناطق النزاع كون بعض عناصرها مارست خروقات لا إنسانية ضد السكان المدنيين على أساس طائفي، مطالبة بتشريع قانون الحرس الوطني لإنهاء هذه الجدلية.
وكانت الولايات المتحدة الأمريكية هي الأخرى أعربت عن قلقها من امتلاك قوات شعبية مسلحة لدبابات أمريكية الصنع ورفع أعلام الجهات التي تتبع لها مقابل سكوت وتهاون الحكومة عليها. لكن وزير الدفاع العراقي خالد العبيدي رد بالنفي مؤكدا ان السلاح كله بيد القوات الأمنية العراقية التي تلقى دعما بأسلحة بسيطة من قوات الحشد الشعبي .
وقال النائب السابق والسياسي خالد عبدالله ان قوات الحشد الشعبي مارست دورين في آن واحد أحدهما خطير على مستقبل العراق وسمعة الجيش بارتكاب بعض عناصرها جرائم قتل ونهب وحرق للمنازل والمساجد في مناطق ديإلى وتكريت وأطراف بغداد التي دارت فيها معارك ضد التنظيم، دون إنصياعها لأي توجيه من قوات الجيش العراقي. وأردف قائلا أما الجانب الآخر فان عناصر الحشد وقفوا بوجه التنظيم وقاتلوه ووقفوا بوجه زحفه لكن ذلك على حساب هيبة الجيش وسمعته التي تلطخت ببعض الشوائب التي ارتكبتها الميليشيات في صفوف الحشد الشعبي. مضيفا ان قوات الحشد في بعض المناطق تمتلك أسلحة أقوى من سلاح القوات الأمنية ولديها القدرة والإعتبار الذي يجعل قوات الجيش والأمن تحت امرتها وهذا خلل كبير. وأشار النائب عبدالله إلى إن بعض عناصر الحشد الشعبي مارست أفعالا طائفية أساءت لسمعة الجيش خاصة في معارك وقتال التنظيم في مناطق البوعجيل والدور في ضواحي تكريت وعمليات الحرق التي طالت المنازل وهذا ما أفصحت عنه لقطات فيديوية تناقلها الناس في الأيام الماضية.
وبخلاف الرأي السابق أشاد النائب جاسم محمد جعفر بالتنسيق الأمني الدقيق الحاصل بين قوات الحشد الشعبي وقوات الجيش والشرطة بغية الحفاظ على أمن البلاد. وان ما يقال ضد الحشد الشعبي هو مجرد اتهامات لا أساس لها من الصحة هدفها النيل من قوة واندفاع هذه الحشود في مواجهة تحديات تنظيم الدولة.
ودفعت اتهامات وتصريحات من نواب ومواطنين لسلوكيات بعض أفراد الحشد الشعبي، رئيس الحكومة حيدر العبادي باعتباره القائد العام للقوات المسلحة، للدفاع عن سمعة الحشد الشعبي في قتاله الشرس ضد التنظيم من أجل العراق، مؤكدا ان العلاقة مع قوات الجيش علاقة تلاحم في الدفاع عن العراق. فيما اعتبر النائب هادي العامري وهو قائد منظمة بدر وأبرز قادة قوات الحشد الميدانيين في تصريحات ان قوات الحشد لا تخرج عن خط القوات الأمنية وتقاتل إلى جانبها بعيدا عن أي سلوك طائفي كما يدعي البعض. وأردف، لكن بعض الأصوات لا ترغب بانتصارات الحشد والقوات الأمنية فتطلق اتهامات لا أساس لها من الصحة.
لكن الضابط في الجيش علي محمد يقول «نحن في الجيش والشرطة ليست لدينا سطوة على الحشد بل تجدهم القوى الأكثر هيمنة وتسليحا والتنسيق ضعيف بيننا وفي كثير من المعارك نحتاج للخطط العسكرية وليس للاندفاع كما يحصل عند شباب الحشد الشعبي والنتيجة أننا لا نحقق أهدافنا». وأكد الضابط علي محمد وهو برتية مقدم إن الجيش في الواقع لا يمتلك أي سلطة على قوات الحشد الشعبي التي تختار قراراتها بنفسها وتفرض على الجيش والشرطة في قواطع العمليات العسكرية أوامرها. وأوضح، قوات الحشد سواء كانت في الخطوط الأمامية ضد التنظيم أو الخطوط الخلفية فانها تمتلك أسلحة متطورة وبإمكانها استخدام عدد غير محدد من الرصاص على عكس الجنود النظاميين الذين يمنحون عددا محددا لا يتجاوز 120 رصاصة وهناك صعوبة في توفير المزيد. ويطالب العراقيون بضرورة ان يشرع مجلس النواب العراقي قريبا قانون الحرس الوطني ويمنحه صلاحيات محددة يمارسها ضمن المحافظات التي يتشكل فيها ومن أبنائها وبأسلحة محددة وتحت اشراف السلطات الحكومية ووضع صيغة مقبولة في تنظيم العلاقة مع القوات الأمنية العراقية.
ومن وجهة نظر النائب جاسم محمد جعفر فان «من الصعب تمرير قانون الحرس الوطني بصيغته الحالية لوجود اعتراضات عليه من كتل مختلفة وإذا لم تحصل تغييرات جذرية في بعض فقراته فلا نعتقد انه سيقر». وأضاف ان القانون فيه ضرر أيضا على المكونات الممثلة في التحالف الوطني (الشيعي) على اعتبار وجود نحو 80 ألف مقاتل منها الآن على جبهات القتال وإذا لم تكن هناك هيكلية تحميهم وتحفظ حقوقهم فمن الصعب الحفاظ على هذه القوة التي أثبتت قدرتها وامكانيتها في الحفاظ على العراق. وتشير مسودة قانون الحرس الوطني وهو أحد بنود ورقة الاتفاق السياسي الذي تشكلت بموجبه حكومة حيدر العبادي في ايلول/سبتمبر الماضي إلى ان القانون يمنع قوات الحرس الوطني من تنفيذ أوامر الاعتقال أو الاحتجاز مطلقاً مع إمكانية أن تقدم العون والمساعدة للأجهزة الأمنية المختصة في هذا الجانب، كما ان لقيادة الحرس الوطني داخل المحافظة زيادة أو تقليص عددها وتشكيلها ومباشرة عملها بعد أخذ موافقة القيادة العامة للقوات المسلحة. وتعتبر أبرز الفقرات الخلافية والتي حولها جدل ارتباط تشكيلات الحرس الوطني بمجلس كل محافظة، ويكون للمجلس دور في تعيين قادة الحرس، بينما تتحدث احدى فقرات مسودة القانون ان لرئيس الحكومة باعتباره القائد العام للقوات المسلحة حق ترشيح ثلاثة أشخاص لقيادة هذا الحرس في كل محافظة، ولمجلس المحافظة حق اختيار أحدهم. ويتوقع ان يناقش مجلس النواب قانون الحرس الوطني لأجل اقراره والعمل بموجبه.
وبشأن الخلافات ما بين العراقيين حول طبيعة العلاقة بين الحشد الشعبي وقوات الجيش النظامية، قال الدكتور جمال عواد «ان الخلاف سياسي وخلاف مصالح، واذا كانت الكتل الشيعية تدافع عن الحشد الشعبي كقوة رديفة للجيش، فان الكتل السنية تعلن اعتراضها على تصرفات هذه القوة وتصفها بالطائفية». وأضاف «كما ان ارتباط الحشد الشعبي بعلاقات وطيدة مع مستشارين أمنيين إيرانيين قاتلوا التنظيم في ديإلى وتكريت، جعل السنة يفقدون ثقتهم بالحشد الشعبي ويتخوفون من قتل أبنائهم وحرق منازلهم» وهذا ما يدفع الحكومة والبرلمان للإسراع في تشريع قانون الحرس الوطني بصيغة مثلى.
فاضل البدراني