بغداد – «القدس العربي»: فتح بروز تنظيم « الدولة» في الواقع العراقي وسيطرته على ثلث مساحة العراق منذ حزيران 2014 آفاقا واسعة وتفاعلات كبيرة في النظرة السياسية للقوى الفاعلة على الساحة العراقية سواء منها التنظيم أو الميليشيات أو القوى السياسية. وقد أثارت معارك تحرير تكريت جملة مواقف ومخاوف سياسية في ضوء مؤشرات تستحق الإهتمام والمتابعة.
وإذا كانت مواقف العراقيين سابقا تفاوتت بين الرفض الكلي من جانب الحكومة والشيعة والكرد وبين التردد من جانب معظم القوى السنية في البداية، فان الموقف السياسي توحد لجميع العراقيين برفض وجود التنظيم على الأرض العراقية وخاصة أثناء المعارك الأخيرة في تكريت والأنبار وباقي مناطق التوتر والمواجهات. فقد أثمرت سياسة التنظيم الإجرامية المؤذية لكل العراقيين على اختلاف طوائفهم وانتماءاتهم والفظائع التي ارتكبها، إلى الاتفاق على حتمية إزالة ظاهرة «الدولة» التي تهدد وحدة وكيان البلد ومستقبله.
ويمكن تقسيم مواقف القوى السياسية والشعب العراقي تجاه ظهور تنظيم «الدولة» في العراق إلى ثلاث مراحل، الأولى تمثلت قبل سيطرة التنظيم على مناطق في العراق في حزيران/بونيو 2014 حيث تعاونت بعض القوى السياسية المضطهدة من قبل حكومة نوري المالكي وخاصة أعضاء حزب البعث وضباط الجيش والشرطة السابقة وعناصر منظمات المقاومة التي حاربت القوات الأمريكية خلال وجودها في العراق، وقد وجد هؤلاء في التنظيم الملاذ الذي يعينهم على التخلص من سياسة الحكومة السابقة التي تفننت في ايذائهم واقصائهم وحولت حياتهم إلى حجيم بحيث كان لديهم الاستعداد للتعاون حتى مع الشيطان للتخلص من ذلك الجحيم، لذا وفروا للتنظيم أرضية للتحرك وبناء قواعد له مكنته من ايجاد موطئ قدم في العديد من المدن والمناطق في المحافظات الغربية المفتوحة على سوريا. والمرحلة الثانية في بدء سيطرة التنظيم على مساحات واسعة من غرب العراق وشماله، حيث استخدم التنظيم اسلوبا خبيثا لكسب بعض الناس إليه وتوسيع قاعدته الجماهيرية وترسيخ أوضاعه عبر سياسة التسامح والتعاون مع منظمات وعناصر مؤثرة في الشارع السني وتقديم الخدمات والأمان والأمل بغد أفضل، لاشعار الناس بالفرق بين سياسته وبين الظلم الذي عانوا منه على يد حكومة نوري المالكي الطائفية الاقصائية. وقد بدأت في هذه المرحلة تتكشف حقيقة التنظيم وكونه أسوأ من الاحتلال والحكومة السابقة، بل وأخطر عندما بدأ يستهدف وحدة البلد والمصالح والرموز الوطنية والحضارية من خلال حملات الإقصاء الطائفي لكل مكونات الشعب العراقي وأقلياته وإسلوب خلق الرعب عبر التفنن في ترتيب مهرجانات الإعدامات الجماعية البشعة لكل معارض أو مشتبه بأنه معارض لنهج وفكر التنظيم الشاذ عن كل فكر سابق، كما انكشفت دوافعه المادية لخلق هذه الفوضى عندما لمس الناس نشاطه المنظم لإستنزاف وسرقة خيرات العراق كالنفط والآثار وكل مكونات الدولة ونهبها وفرض الضرائب والإتاوات وإرسالها إلى سوريا في مؤشر على أنه مقتنع بعدم إمكانية استمراره وكونه مرفوض من العراقيين ولا مكان له في مستقبلهم.
أما المرحلة الثالثة وهي التي تبلورت بعدما انكشفت حقيقة التنظيم وأهدافه ودوره وسلوكياته المؤذية للشعب العراقي بأكمله وكونه مصدر خطر حقيقيا على وحدة البلد ومستقبله. وقد أجمع الشعب العراقي بكافة مكوناته وقواه السياسية والدينية والعشائرية على إنهاء ظاهرة التنظيم من حياتهم، لذا وقف الكثير منهم إلى جانب القوات الحكومية في الكثير من مناطق التوتر مع وجود مخاوف جدية لدى الجمهور السني من أن تستغل بعض القوى كالميليشيات التي لا تخفي ولاءها لإيران ذات الطموحات الإقليمية، أجواء محاربة التنظيم والظروف الأمنية المصاحبة للمعارك لتصفية حسابات وتنفيذ مشاريع مشبوهة تتعارض مع واقع ورغبة أهل المدن المحررة التي تنظر لها قيادات الميليشيات نظرة اتهام لأنها كانت تشكل حاضنة للتنظيم الإرهابي، ولديها مواقفها المعادية للحكومة المركزية والميليشيات وإيران.
وقد تعزز هذا الرأي بعد أن رأينا أن الميليشيات التي يتنامى نفوذها بسرعة، بدأت تحدد شروط المعارك ضد تنظيم الدولة ورفض مشاركة التحالف الدولي في هذا الجهد، كما حددت شروطا لعودة النازحين إلى المناطق المحررة في ضوء محددات منها مواقفها تجاه الحكومة والميليشيات والتنظيم، إضافة إلى التمسك بدور المستشارين الإيرانيين في إدارة شؤون العراق. إن معارك محاربة التنظيم، وحدت العراقيين نحو هدف حسمها سريعا، إلّا أنها أوجدت مخاوف وخاصة لدى أهالي المناطق المحررة من بدء مرحلة جديدة من التطهير الطائفي والعنصري بعد القضاء على التنظيم وطرده من العراق، كتلك التي وقعت في سنوات الفتنة 2006 – 2007 وذلك في ضوء شعار الميليشيات بالقضاء على حواضن التنظيم والمتعاونين معه، حيث ظهرت مؤشرات جدية منذ الآن في المدن التي تم طرد التنظيم منها في ديإلى وصلاح الدين والموصل ومناطق حزام بغداد، عندما وقعت حالات ليست فردية من الإنتقام والقتل والتهجير وحرق البيوت والمساجد ومنع عودة النازحين إلى مناطقهم المحررة، بل وحتى قيام بعض الميليشيات بمنع قوات الشرطة المحلية من العودة إلى مقراتها السابقة ومسك الأرض في المدن بعد طرد التنظيم منها، إضافة إلى أخبار عن محاولات بعض الميليشيات لتغيير البنية الطائفية لبعض المناطق من خلال منع عودة بعض أهالي المناطق المحررة والسماح بعودة بعضهم ممن له مواقف متعاونة مع القوات الحكومية والميليشيات. كما بدأت الطموحات للقادة الكرد تتبلور بشكل مبكر وتكشف النوايا المقلقة لمرحلة ما بعد الحرب على تنظيم «الدولة» عندما أعلنوا مرارا أن المناطق التي يحررها البيشمركة ستبقى ضمن إقليم كردستان وبضمنها ما تسمى «المناطق المتنازع عليها» الواقعة بين حدود الإقليم والمحافظات المحيطة به، إضافة إلى مناطق أخرى يجري ترتيب الأوضاع فيها لتكون جزءا من الإقليم حتى ولو كان سكانها من العرب وخاصة مناطق شمال الموصل، بل واشترط بعض القادة الكرد اعتراف الحكومة المركزية بالواقع الجديد كشرط لمساهمة القوات الكردية في تحرير الموصل من التنظيم، ولتظهر أمامنا صورة مشوهة الملامح وغير مريحة لتوقعات ما بعد فترة التنظيم المظلمة.
وتبقى الحقيقة الساطعة التي لا يختلف عليها أحد، وهي إن أخطر التبعات السياسية التي تركتها ظاهرة بروز التنظيم في العراق في هذه المرحلة هي أنها وفرت الفرصة التاريخية والمبرر لظهور النفوذ الإيراني والتدخل في الشؤون المختلفة في العراق إلى العلن دون خوف أو مواربة، ومكنت الميليشيات من فرض نفسها كواقع جديد معترف به رسميا على الأقل في الواقع العراقي. وهذا ما يجدد إثارة تساؤلات عن حقيقة وأبعاد ظهور التنظيم الإرهابي والجهة التي تقف وراءه والمستفيدة منه وعن السيناريو المقبل للعراق بعد انتهاء ورقة «التنظيم». ولتترسخ في تاريخ العراق فترة التنظيم كنقطة فاصلة لها تبعات وآثار سياسية تأخذ مديات بعيدة ومؤثرة في مسار أوضاع العراق.
مصطفى العبيدي