يحدث الآن في الخرطوم: إمبراطورية جيش ودولة الذهب دخلتا في حرب بقاء والشعب عالق بينهما

إبراهيم درويش
حجم الخط
0

منذ إطلاق الرصاصة الأولى في الخرطوم صباح السبت الماضي لم يتوقف القتال، وفشلت كل مهام الوساطة لوقف إطلاق النار والتوصل إلى هدنة والسماح لسكان العاصمة السودانية، الخرطوم بقضاء الأيام الأخيرة من رمضان بهدوء أو سكينة، وكذا لم تنجح مهام وقف النار يوم العيد الذي حل في معظم الدول العربية الجمعة.
وبات السودان اليوم رهينة اقتتال قد يجره إلى حرب أهلية. وفي مركز الصورة رجلان صعدا إلى سدة الحكم في بلد قام شعبه بالتخلص من نير الديكتاتورية ليقع من جديد في أسر العسكر، وهم الذين حكموا البلاد طوال الفترة التي أعقبت الاستقلال في 1956 وهذا البلد الذي كان مرة الأكبر في أفريقيا، ليصبح بعد انفصال جنوبه ثالث بلد، لم يشهد سوى تجربتين في الحكم المدني، 1964 و1985 أما الأخيرة التي تبعت سقوط عمر حسن أحمد البشير في عام 2019 فقد حكم فيها المدنيون لكنهم كانوا تحت سيطرة العسكر. ولا داعي للقول إن التجربة السودانية عادت وتمظهرت من جديد في الصورة الكلاسيكية للانتفاضات العربية التي بدأت عام 2011 كثورات تعبر عن توق الجماهير للحرية والعدالة ولقمة العيش الشريف، لتقع مرة أخرى في أسر نفس القوى التي تحررت منها، وعلى المحك هناك صراع لم ينته بين قوى في العالم العربي وإرادات دول إقليمية يعرفها الجميع، تسارع في كل مرة يتحرك فيها الجيش أو تعود الدولة القديمة، للقضاء على أي حركة معارضة أو التعبير عن الرأي. والغريب أن ما يحدث في السودان يتزامن مع ما يحدث في تونس من محاولة لإعادة الديكتاتورية وبشكل أشرس.

النيران في العاصمة

لكن نزاع السودان اليوم مختلف، فهو من ناحية يجري في قلب العاصمة، مع أن سكانها ظلوا يتعاملون مع الحروب والتمردات التي تحدث في أطرافه وولاياته المهمشة كحدث بعيد، وأخبار يتلقونها من الإذاعات والصحف لا يشاهدونها كما يحدث الآن عيانا ويعيشون تحت رحمة القصف الجوي، ويعانون من الخوف المستمر، وهم عالقون في بيوتهم، فالقناصة على السطوح والخطر في كل مكان ورائحة الموت تفوح من كل زاوية. لم يكن الذي يجري في الخرطوم اليوم مبررا، فقد وقع الأطراف على اتفاق إطاري لتسليم السلطة، واطمأن المفاوضون أن الحل قريب، لكن الجنرالين في إطار الصورة السودانية اليوم كانا يعدان العدة، وينشران الجيوش والقطاعات العسكرية في الأماكن الحساسة. كانت الكتابة على الجدار والكل يعرف أن المواجهة بين الجنرال عبد الفتاح البرهان، حاكم السودان الفعلي وقائد الجيش والجنرال محمد حمدان دقلو، أو حميدتي قائد قوات الدعم السريع، الوحش الذي أنشأه عمر البشير من أجل القضاء على التمرد في دارفور (2003- 2008) باسم الجنجويد أولا وتم تلطيف الصورة بعد ذلك باسم الدعم السريع وأعيد تلميع وجوه من قادوا مكافحة التمرد وارتكبوا جرائم وأصبحوا رجال دولة، يلتقون الزعماء الغربيين والبعثات الدولية ويتباحثون بشأن السودان بل ويمنحون أوسمة للزوار الأجانب ويتم اختيار حميدتي «رجل العام» من منظمة حقوق إنسان سودانية، وتم تناسي المجازر التي ارتكبت، وآخرها مجزرة حزيران/يونيو 2019 والتي ارتكبت في رمضان أيضا.
والسيناريو بات واضحا في سودان ما بعد البشير هو أن قادة عهده يحاولون التمسك بالمصالح التي أخذوها من النظام ويعيدون إنتاجها لكي يحافظوا على الدولة التي أنشأها البشير وحلفاؤه. والمشكلة هنا أن البرهان وحميدتي هما من إنتاج دارفور وتعاونا في قمع التمرد وقرر حميدتي التحرك ضد البشير عندما رأى أن شمسه زائلة وعاد واتحد مع البرهان لمنع التحول إلى الحكم المدني في تشرين الأول/أكتوبر 2021 وها هما يواجهان بعضهما في معركة حياة أو موت.
وفي كل تحرك قاما به خدعا المفاوضين الدوليين، فمراسل صحيفة «نيويورك تايمز» (19/4/2023) قال إن الجنرالين تناولا الطعام مع المفاوضين، بل ودعي مبعث الأمم المتحدة فولكر بيرثز إلى مأدبة إفطار في منزل نائب قائد الجيش الجنرال شمس الدين الكباشي، ما أعطى صورة أن الأمور عادية وهادئة، وفي الخارج كان كل طرف يحضر للمواجهة. ومواجهة الخرطوم الحالية مختلفة، فقوات التمرد موجودة في شوارعها، والحرب بين الرجلين باتت شخصية، فالبرهان اعتبر خصمه مجرما مطلوبا للعدالة، أما حميدتي الذي تعلم من شركات العلاقات العامة طرق الكلام، فقد استخدم مصطلحا عزيزا على الدول الغربية والعربية، وهو قتال الإسلاميين، ووصف البرهان بالمجرم الذي سيموت مثل الكلب، ومرة أخرى في مقابلة مع صحيفة «فايننشال تايمز» (20/4/2024) وصف البرهان بأنه زعيم عصابة إسلامية متشددة، وأكد أن المعركة هي التي ستحدد النتيجة. وفي الوقت الحالي لا أحد يعرف النتيجة ومن في يده السيطرة أو خسر الرهان، وبالتأكيد فالحرب الحالية والمفتوحة بين رجلين دخلا في زواج مصلحة غير مريح قبل أن تتنازعمها التجادلات الإقليمية، ستؤدي لخسارة أحدهما، فحميدتي يعول على مقاتليه الذين أرسلهم إلى حروب المنطقة بعد دارفور كمرتزقة في اليمن وليبيا، أما الجيش فيعول على حجمه وقدراته القتالية. وفي قلب المعركة مصالح اقتصادية وتجارية إلى جانب محاولة السيطرة على السودان، ومن هنا سيجد المدنيون أو تلك الأطراف التي قدمت نفسها ممثلا للمدنيين وصدقت كلام حميدتي بنقل السلطة، أمام مجموعة تحاول التحكم بمقدرات البلد، وجاءت هذه المرة من الهوامش، وتعطي تتويجا لراعي جمال، استخدمه البشير كأداة لقمع المتمردين ثم استعان به عام 2013 لقمع التظاهرات، واستغل حميدتي وعائلته الفرصة وبنوا قاعدة أو قواعد في الخرطوم وما حولها وسيطروا على تجارة الذهب وتعاونوا مع مرتزقة فاغنر. والمسألة بالنسبة لحميدتي والبرهان هي حياة أو موت، نصر أو هزيمة، لكن لا نعرف ماهية النصر أو الهزيمة، لأن الحرب على الخرطوم تتداخل فيها الإرادات الإقليمية والدولية والمحلية، وبات كل طرف يستخدم فيها كل ما لديه من حرب كلامية وعسكرية لتشويه وشيطنة الآخر. وفي الصورة «الوحش» الذي صنعه البشير القابع في سجن كوبر بالخرطوم لكي يوازن ثقل المؤسسة العسكرية.

دول الخارج

وبات موضوع تدخل القوى الإقليمية من المسائل التي قد تدخل السودان في الحرب الأهلية، بخلاف أن السودانيين لم يتعاملوا مع المسألة حتى هذا الوقت بأنها نزاع بين رجلين طامعين في السلطة، ولأن الصراعات تتغذى من الداخل والخارج، فمن الصعب تجاهل أثر هذا على الوضع السوداني القابل للانفجار، وإمكانية جر الجنرالين البلد للحرب، ودخول قوى إقليمية فيها، وبدأت أسماء تتردد في الأزمة، الإمارات وروسيا من دول داعمة لحميدتي ومصر كداعم للمؤسسة العسكرية السودانية. ونشرت صحيفة «وول ستريت جورنال» (20/4/2023) تقريرا قالت فيه إن أمير الحرب الليبي خليفة حفتر أرسل ذخيرة إلى حميدتي وان مصر أرسلت طائرات ومقاتلين مع أن الجنود الذين أسرتهم جماعة حميدتي كانوا في مهمة تدريب عسكرية لا علاقة لها بالأزمة الحالية، ولكن معسكر حميدتي حاول استخدام الورقة قبل أن يفرج عن الجنود. ولا شك فإن كلا من الإمارات العربية المتحدة والسعودية ومصر وغيرها حاولت التأثير على البلد. ونقلت «فايننشال تايمز» (19/4/2023) عن السفير النرويجي للسودان إندري ستياسن قوله «واحد من أسوأ الأشياء التي قد تحدث هو أن يتحول هذا لنزاع إقليمي تتدخل فيه دول الجوار نيابة عن الطرفين». وتحدث الدبلوماسي عن مخاطر انجرار دول إقليمية للحرب «وربما قسمت (الحرب) البلد إن لم يتم التعامل مع هذا بطريقة جيدة».
وينبع موقف مصر الداعم للمؤسسة العسكرية من أن حميدتي يظل في النهاية زعيم ميليشيا أو قوة شبه عسكرية، وهو نفس موقف المؤسسة العسكرية السودانية، وهي فكرة تلعب في عقول جماعة حميدتي وأنصاره، وأن من حقهم قيادة السودان بل باتوا الطرف الأكثر تأهيلا كما ورد في أكثر من تصريح. والمفارقة أن حميدتي بتاريخه الوحشي الذي يعرفه أهل دارفور وسكان الخرطوم والذي أفلت من المحاسبة الدولية بات يقدم نفسه بأنه رجل المحرومين، وحاول أن يلعب على فكرة «الضحية» عندما نقلت عنه «فايننشال تايمز» مرة «لا يمكنني وصف حجم الظلم الذي مرت به عائلتي». وقال مايكل وحيد حنا، من مجموعة الأزمات الدولية إن نظام عبد الفتاح السيسي العسكري رمى بثقله خلف البرهان الذي تلقى تدريبه العسكري في مصر. وقال «هناك شك عميق في نوايا حميدتي» لأنه زعيم ميليشيا تعمل خارج البنية العسكرية إلى جانب علاقاته مع روسيا التي تقربت منه للحصول على موطئ قدم لها في بورت سودان. وأضاف حنا أن المصريين «لا يريدون رؤية أي حضور عسكري خارجي فيما يرونه حديقتهم الخلفية». وعلق ألان بوزويل من مجموعة الأزمات الدولية أن مصر تريد رؤية «نسخة مصغرة» في الخرطوم لنظامها العسكري وحليفا لها ضد إثيوبيا في خلافها معها حول سد النهضة العظيم الذي قد يعطل تدفق مياه النيل، شريان الحياة لمصر.
أما دول الخليج وتحديدا الإمارات فقد باتت تتعامل مع السودان من وجهة نظر أنه بلد آخر في الشرق الأوسط يمكن ان يمارس فيه التنافس. ويقول المحللون إن الإمارات والسعودية حاولتا في الفترة الماضية، وبعد تراجعهما عن سياستهما الخارجية الحازمة، موازنة العلاقة بين البرهان وحميدتي. وكلاهما جزء من مجموعة الرباعية الدولية التي تضم الولايات المتحدة وبريطانيا وقدمتا دعما حذرا للعملية الانتقالية باتجاه الديمقراطية في السودان.

الزوبعة

وكتب الخبير في شؤون السودان أليكس دي وال مقالا في مجلة «ذي كونفرزيشن» (17/4/2023) وقال إن مهنة حميدتي هي درس عملي في ريادة الأعمال السياسية من قبل متخصص في العنف. أن سلوكه و(حتى الآن) إفلاته من العقاب هما أقوى مؤشر على أن سياسة المرتزقة التي لطالما كانت طابعا في أطراف السودان، جاءت إلى العاصمة. فحميدتي من أبعد أطراف السودان، ودخيل على المؤسسة السياسية في الخرطوم. جده، دقلو، زعيم عشيرة كانت تجوب مراعي تشاد ودارفور.
أصبح الشباب من رعاة الجمال والمعدمين والمهمشين عنصرا أساسيا في الميليشيا العربية التي قادت تمرد الخرطوم في دارفور منذ عام 2003. وقال دي وال إن حميدتي يتبنى نموذجا من ارتزاق الدولة مألوفا لمن يتبعون سياسة الصحراء. حميدتي هو وجه ذلك الكابوس، بكونه سيصبح أول حاكم غير مؤسسي في السودان منذ 120 عاما هذا لو انتصر. على الرغم من المظالم ضد الجماعات شبه العسكرية التابعة لحميدتي، إلا أنه لا يزال يعتبر أنه دارفوري وغريب عن المؤسسة السودانية. حميدتي هو تلك الزوبعة. وكان صعوده هو أيضا، بشكل غير مباشر، انتقاما للمهمشين تاريخيا. مأساة السودانيين المهمشين هي أن الرجل الذي يتظاهر بأنه بطلهم هو القائد القاسي لعصابة من المتشردين، والذي كان بارعا للغاية في لعب السوق العسكرية العابرة للحدود.

امبراطوريات

وأشارت صحيفة «واشنطن بوست» (19/4/2023) أن في قلب المعركة الأخيرة رهانات كبيرة، منها «إمبراطورية» الجيش و«دولة» الذهب التي أنشأها حميدتي، وقضى المعسكران السنوات الطويلة في مراكمة الأموال والمصالح الاقتصادية التي غذت الحملات العسكرية لكل منهما وباتت في خطر لو خسر أحدهما.
فمن ناحية تدير مؤسسة الجيش شبكة من الشركات الخاصة أو المدعومة من الدولة والتي منحتها وحلفائها حصة واسعة في اقتصاد البلد. ومن جهة أخرى يسيطر حميدتي على تجارة عائلة متعددة المجالات وخاصة التعدين والتنقيب عن الذهب في منطقة دارفور والتي تتداخل مع قوات الدعم السريع التي يقودها، وتعطيه المصادر هذه مجالا للنفوذ. وحسب مسؤول سابق فحصة الجيش من الاقتصاد تمثل ربع الناتج المحلي للبلد أما قوات الدعم السريع فتمثل نصف الناتج المحلي. ويدير الجيش سلسلة من الصناعات ونشاطات الاستيراد والتصدير كما يقول دي وال. وهناك الكثير من الكيانات التي تقوم بنشاطات مصرفية وإنتاج النفط والاتصالات والإنشاءات ويسيطر عليها الإسلاميون المتحالفون مع الجيش. ويقول مات بريدن، مؤسس ساهان للأبحاث في نيروبي «المشكلة الكبرى بالنسبة للجيش هي أنه يسيطر على جزء كبير من الاقتصاد وهم ليسوا مستعدين للتخلي عنه من خلال تسليم السلطة لحكومة مدنية». ونفس الأمر يصدق على حميدتي.

لا ثقة بالجنرالين

بعد اندلاع العنف الأخير، استفاق «المجتمع الدولي» على سذاجته في التعامل مع جنرالي السودان اللذين أسمعا الأمريكيين والأوروبيين الكلام الذي يريدون سماعه، التزام بالتطبيع مع إسرائيل والتحول الديمقراطي وبناء سودان جديد غير سودان البشير، في وقت كانت جماعات المجتمع المدني، غير تلك التي قررت التحاور مع الجنرالين، تطالب بمعاقبتهما. ويقول جيفري فيلتمان، المبعوث الخاص السابق للقرن الأفريقي في مقال بصحيفة «واشنطن بوست» (18/4/2023) إن شراكة الجنرالين ظلت مبنية على تقويض وتأخير وعرقلة انتقال السودان إلى حكم مدني ديمقراطي. فقد سعى الاثنان إلى التهرب من المساءلة عن الجرائم التي تعود إلى الإبادة الجماعية في دارفور ومذبحة 2019. وفوق كل شيء، استند ترتيبهم إلى الفهم المشترك بأن الجيش السوداني لن يخضع أبدا للمساءلة المدنية. ولهذا فإن لم يتم اتخاذ قرار بشأنهما فسينتهي بتهميش المدنيين وللأبد. فقد تظاهرا بأنهما شركاء للأطراف المدنية السودانية بينما كانا يزرعان الخلاف. وأرضيا الشركاء الدوليين الذين يدعمون الحكومة الانتقالية المدنية – العسكرية. وتظاهرا بأنهما لاعبان مسؤولان على المسرح العالمي من خلال التعهد بالمشاركة في عمليات مكافحة الإرهاب أو عن طريق الرسائل المعبرة عن دعمهم لاتفاقات إبراهام وتطبيع العلاقات مع إسرائيل. ويقول: «لقد تجنبنا العواقب الشديدة لأفعال الإفلات من العقاب المتكررة التي كان من الممكن أن تؤدي إلى تغيير في الحسابات. وبدلا من ذلك، قمنا باسترضاء واستيعاب أمراء الحرب بدون تفكير. اعتبرنا أنفسنا براغماتيين. ولكن الإدراك المتأخر قد يصف هذا بشكل أكثر دقة بأنه تفكير بالتمني». ويعتقد المسؤول السابق أن أكبر ضرر يمكن أن يلحق بالشعب السوداني، وسلامة دولة ذات سيادة، وأمن جيران السودان، والسلم والأمن الدوليين، هو السماح بحل وسط بين المتحاربين معتمد دوليا مرة أخرى يقوم على تقاسم السلطة. يجب أن يكون واضحا الآن على الأقل أن البرهان وحميدتي ليسا إصلاحيين، وليسا قابلين للإصلاح أبدا. تقول واشنطن إنها تحضر لفرض عقوبات على الجنرالين، كما أوردت مجلة «فورين بوليسي» (19/4/2023) لكن الخطوة ستكون متأخرة، بعدما سمح المجتمع الدولي لزعيم ميليشيا بفرض إرادته على المشهد السياسي وترويع السكان تحت فوهة البندقية.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية