بينما تمضي بقوة خطوات بناء السلام في شرق البحر الأحمر اليمن، والبحر المتوسط سوريا، فاجأنا الفريق عبد الفتاح البرهان، والفريق حمدان دقلو «حميدتي» بنقل مواقعهما من مائدة المفاوضات بشأن تطبيق «الاتفاق الإطاري» للعملية السياسية الهادفة لنقل السلطة ديمقراطيا للمدنيين، والقفز إلى ظهور الدبابات والعربات المدرعة وقمرات قيادة الطائرات، ليستيقظ السودانيون صباح 15 نيسان/أبريل الجاري على كابوس مخيف، مع اشتعال القتال بين الجيش وقوات الدعم السريع. هذا التناقض الشديد بين القتال في جنوب غرب البحر الأحمر وعملية بناء السلام في اليمن إلى الشرق، وسوريا في شرق المتوسط، يخبرنا أن قاطرة بناء السلام والديمقراطية تتعرض لتهديد كبير في السودان، قد لا يتم حسمه في أيام أو أسابيع، أو شهور، بل وربما سنوات، إذا ساءت الأمور. السودان الذي تعرض لمأساة انفصال الجنوب بعد حرب استمرت عقودا، يجد نفسه الآن في نفق مظلم، قد يبدو فيه بصيص من النور، إذا تم الالتزام بوقف إطلاق النار، الذي تكرر خرقه من الطرفين.
المشهد على المسرح
عدوا اليوم، البرهان وحميدتي، هما اللذان انقضا على الديمقراطية في تشرين الأول/أكتوبر 2021 وأجهضا عملية التحول التي كانا شركاء في رسم ملامحها بعد إزاحة الرئيس السابق عمر البشير عام 2019. وبواسطة انقلاب عسكري غاشم في تشرين الأول/أكتوبر 2021 قام البرهان وحميدتي باعتقال رئيس الوزراء الدكتور عبد الله حمدوك، وعدد كبير من أعضاء الحكومة ومجلس السيادة المدنيين، وأعادا عجلة التغيير السياسي إلى الوراء، ورسما طريقا جديدا للمستقبل. ومع ذلك فإن الطريق الجديد بمقتضى «الاتفاق الإطاري» اصطدم بطموح كل منهما للسيطرة على السلطة السياسية والانفراد بها دون خصمه. إن الصراع بين أعداء اليوم أصدقاء الأمس، وضع مصالح السودان وشعبه على الرف، وجعل أولوية كل منهما السيطرة المنفردة على السلطة. وعندما راحت العجلة تدور بسرعة تجاه الإعداد للانفراد بالسلطة في معسكر كل من الخصمين اللدودين، فإن قائد قوات الجنجويد السابق، نائب رئيس مجلس السيادة، وقائد قوات الدعم السريع، الفريق حميدتي، قرر بسرعة أن يبادر إلى أكل خصمه في وجبة الغذاء، قبل أن يؤكل هو في وجبة العشاء. حميدتي في واقع الأمر قرر أن يتغذى بالبرهان، قبل أن يتعشى البرهان به!
الاستنتاج الكبير الذي نخلص إليه هنا، هو أن القتال الذي يجري في السودان الآن لا ناقة للشعب فيه ولا جمل، وإنما هو ضحية لها، يدفع ثمنها مرغما، وأن المستفيد الوحيد منه هو المنتصر في نهايتها، سواء كان البرهان أو دقلو.
لاعبون إقليميون
لكن لعبة الرصاص في السودان، والقفز من مائدة المفاوضات إلى دبابات الحرب، لا تعكس فقط صراعا على السلطة بين الرجلين، وإنما هي تعكس أيضا صراعا على السودان، بين الفرقاء-الأصدقاء في العالم العربي والشرق الأوسط. وهو ما يكشف لنا حجم النفاق والخداع في السياسة الإقليمية، ويعيد لنا التأكيد على أن العلاقات الدولية والإقليمية في العالم لم تعد علاقات خطية، كما كان الحال خلال الحرب الباردة الأولى، وإنما أصبحت علاقات شبكية، تتقاطع خلالها المصالح وتتوافق وتتفارق. وقد اتهمت الصفحة الرسمية للجيش السوداني على منصات السوشيال ميديا أطرافا إقليمية بالتورط في تقديم المساعدات لقوات الدعم السريع، في حين وجهت تلك القوات اتهامات لأطراف أخرى بالتورط في تقديم المساعدات إلى الجيش. ومن المثير للسخرية أن تجد في المنطقة أطرافا صديقة تقدم مساعدات لخصوم أصدقائها بدون أي خجل. ولذلك فإن العلاقات الشبكية التي تربط اللاعبين الإقليميين باللاعبين المحليين في السودان، ولاعبين آخرين، مسلحين غالبا، حكوميين وغير حكوميين، في بلدان مثل ليبيا وتشاد وأفريقيا الوسطى، من شأنها تعقيد القتال الجاري في السودان، وإطالة أمده، بل وانتشار تداعياته إلى الدول المحيطة بالسودان، بما فيها مصر، التي تمكنت بعد خمسة أيام من القتال من استعادة جنودها هناك من خلال مبادرة دبلوماسية نادرة احترمها البرهان ودقلو في آن واحد. الجنود المصريون الذين عادوا، ما يزال وراءهم في السودان عالقون في الحرب بلا ذنب من طلابها الذين يدرسون في السودان، ومهندسيها الذين يعملون في مجالات مختلفة. كذلك فإن العلاقات الشبكية بين القوى الإقليمية وبين طرفي الصراع في السودان، من شأنها أن تترك تداعيات سلبية بين بعض الدول العربية، ومن الممكن أن تؤدي إلى تفاقم الأوضاع في الدول الأفريقية المجاورة. ومع أن الحكومات في البلدان العربية ذات النظم المستقرة ستعمل على تحجيم التداعيات الإقليمية للقتال في السودان، فإن فرص النجاح تتوقف على رغبة الفرقاء السودانيين أنفسهم في تحقيق ذلك. ومن الخطأ الاعتقاد بأن اللاعبين المحليين هم مجرد وكلاء أو دمى سياسية/عسكرية، تعمل لمصلحة دول أخرى، نظرا لأن لكل منهم مصلحة مؤكدة في استمرار القتال حتى استخلاص السلطة بالكامل أو تقسيم السودان نفسه إلى دويلات صغيرة.
الاستنتاج الثاني الكبير الذي نستخلصه هنا، هو أن انقسام الإرادة الدولية والإقليمية، يمثل محركا لاستمرار الحرب، وأن الضغوط بدون إرادة موحدة لن تنتج أثرا إيجابيا. كما نعتقد أن فرص المتحاربين في مقاومة الضغوط مرتفعة، بما في ذلك قوات الدعم السريع، التي ترتبط بعلاقات وروابط قبلية، وجماعات مسلحة غير حكومية محلية، وقوى سياسية مدنية في الداخل وفي الدول المحيطة، كما أنها تتعاون مع جماعات مسلحة غير حكومية ذات طابع عالمي، مثل مجموعة فاغنر العسكرية الروسية، في تأمين أنشطة استخراج الذهب والمعادن، وتأمين طرق النقل، والعمل المشترك في مجالات غير مشروعة، منها تجارة السلاح وتهريب البشر والذهب والمعادن النادرة.
الخرطوم مهددة بالدمار
نظرا لطبيعة القتال الدائر في السودان، خصوصا في العاصمة الخرطوم، على أساس لعبة صفرية (إما أنا أو أنت) وانقسام الإرادة الدولية والإقليمية بشأن الضغط لوقف القتال، وتوفر خطوط إمدادات حية للقوات المتحاربة، فإن احتمال حسم الحرب خلال أيام أو أسابيع قليلة ضعيف جدا. ومع ذلك فإن إطالة أمد الحرب ليس حتميا، لأن من السهل إعادة تشكيل الحديد بالطرق الشديد وهو ساخن. ومن هنا نفهم لماذا تحشد قيادة الجيش قواتها الضاربة من كل أنحاء السودان، بما في ذلك المناطق الحدودية المكشوفة، لتشكل قوة ساحقة في العاصمة، من أجل السيطرة عليها ودحر قوات الدعم السريع. الخطورة هنا تتمثل في أن تركيز المعركة في الخرطوم يمكن أن ينتهي إلى تدمير العاصمة وتخريب بنيتها الأساسية المدنية والعسكرية على السواء. ونحن نلاحظ أن سكان العاصمة ينتهزون أوقات الهدوء خلال كل هدنة بالرحيل عنها إلى ولايات أخرى. وفي هذا السيناريو فإن استخدام الجيش لأسلحته الثقيلة وسلاح الطيران في مواجهة قوات الدعم السريع، التي تعتمد على أسلوب حرب الشوارع، ومعارك الكر والفر، وتجنب التركز في مواقع ثابتة يصعب إخلاؤها والعودة إليها مرة أخرى، من شأنه أن يؤدي إلى زيادة احتمالات قتل أعداد كبيرة من المدنيين، وتخريب المباني والمنشآت بما في ذلك الأحياء السكنية. وليس من المستبعد مع استمرار القتال، وعدم وجود مستشفيات عاملة، وصعوبة دفن القتلى، وانقطاع إمدادات مياه الشرب النقية والغذاء، أن يتعرض السكان لانتشار الأوبئة، وأخطرها الكوليرا. فتصبح الخرطوم مدينة للموت بكل ما تعنيه الكلمة. ونظرا لطبيعة القتال، فليس من المتوقع أن يأخذ أي من الطرفين بعين الاعتبار أهمية تقليل الخسائر في الخرطوم، نظرا لأن هناك اعتقادا قويا بين العسكريين بأن للعسكر أولوية على الدولة والمجتمع، وأن القوة فوق القانون، وأن العسكر فوق المدنيين.
الاستنتاج الثالث الكبير الذي نستخلصه هنا هو أن تركز المواجهة العسكرية في الخرطوم سوف يسفر عن خسائر بشرية كبيرة، يحد منها النزوح إلى ولايات أخرى ودمار مادي على نطاق واسع. لكن تحول المواجهة بين الجيش وقوات الدعم السريع داخل الخرطوم إلى «حرب مواقع» ثابتة، أكثر من أن تكون «حرب شوارع» من شأنه أن يحول قوات الدعم السريع إلى صيد سهل للطيران والدبابات والمدفعية الثقيلة التي يملكها الجيش، وهو ما يمكن أن يكون ميزة إستراتيجية لمصلحة السودان ككل. السيناريو الأخطر هو أن تنسحب قوات الدعم السريع إلى ولاية أو ولايات أخرى لمواصلة الحرب ضد الدولة، وتهديد السودان بالانقسام للمرة الثانية. ونحن نقلل من هذا الاحتمال، خصوصا مع لجوء قسم من تلك القوات إلى تشاد لتجنب المشاركة في القتال.
المجهود الدولي
تبذل دول الرباعية الدولية (الولايات المتحدة وبريطانيا والسعودية والإمارات) دورا مهما في محاولة تهيئة المناخ لوقف القتال، من خلال اقناع الطرفين المتحاربين القبول بهدنة، تحت لافتة السماح بأعمال الإغاثة الإنسانية، مثل توفير الطعام والأدوية ونقل الجرحى ودفن الموتى. لكن هذا الدور ليس ناجحا حتى الآن. وربما يقبل الطرفان الالتزام بهدنة خلال عيد الفطر المبارك. لكن ذلك لن يغير مسار القتال، إذا استمر غياب مجهود دبلوماسي لمناقشة حل سياسي لوقف القتال، وتحديد ملامح مرحلة ما بعد الهدنة، حتى لو كان مثل هذا الحل انتقاليا. لقد أعلن الجنرال البرهان قرارا بحل قوات الدعم السريع واعتبارها قوات متمردة، كما أعلن رفضه التفاوض مع حميدتي. مثل هذا الموقف من شأنه أن يزيد من تعقيد الأمور في الوقت الراهن الذي يتقدم فيه وقف القتال على ما عداه.
ومن الضروري هنا الإشارة إلى أهمية المبادرة المصرية الناجحة لإعادة جنودها الذين كانوا محتجزين لدى قيادة قوات الدعم السريع. وقد تعاون الجيش والدعم السريع في احترام هذه المبادرة، وشاركا في إنجاحها بطرق مختلفة، منها احترام وقف إطلاق النار عند وصول الطائرات المصرية وبعد اقلاعها بالجنود، والتعاون في نقل الجنود إلى مطار «دنقلا». هذه يعني أن المهارة الدبلوماسية يمكن أن تغلب الحرب وتخلق حالة من السلام.
وعلى الرغم من أن الجيش يتفوق تسليحيا ومؤسسيا على قوات الدعم السريع، إلا أنه إذا نجحت تلك القوات في إجبار الجيش على خوض حرب شوارع متحركة في المدن والولايات، فإن هذا يعني خسارته لمقومات التفوق التي يتمتع بها، حتى إذا تمكن من حشد كل قواته في الخرطوم لحسم المعركة. ذلك أن المبدأ الرئيسي لحرب الشوارع يقوم على أعمال الكر والفر وتغيير المواقع باستمرار، وليس بالتمركز في مواقع ثابتة. كما لا يجب أن ننسى أن قوات الدعم السريع بادرت منذ اليوم الأول في القتال إلى محاولة حرمان الجيش من التفوق الجوي بالمسارعة لاحتلال المطارات الرئيسية وحرق الطائرات وهي على الأرض، وحرق خزانات الوقود.
ويبدو أن وسيلة الضغط الرئيسية التي يمكن أن تؤدي لتقصير أمد الحرب وإنهائها هي قطع خطوط الإمدادات، التي يعتمد عليها الطرفان المتحاربان، ووضع إطار دولي لمحاكمة العسكريين المتورطين في الحرب، لتوجيه رسالة إلى الجنرالات بارتفاع التكلفة التي سيتحملونها بعد انتهاء القتال، فالقتال لن يستمر للأبد في أي حال. وربما تلعب الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي دورا مهما في ذلك، خصوصا وأن الاتحاد الأفريقي يعمل على اتخاذ مواقف حاسمة ضد صناع الحروب والانقلابات العسكرية. كذلك فإن من المهم بذل مجهود مع القوى المدنية، لإقناعها بالاتفاق على إطار واضح للانتقال الديمقراطي، ونبذ الخلافات فيما بينها، بما يؤدي إلى عزل العسكريين في الشارع، وفضح مسؤوليتهم عن الحرب الدائرة، بكل خسائرها المتزايدة بشريا وماديا وسياسيا.
الاستنتاج الرابع والأخير هو أن قطع خطوط الإمدادات أو التحكم فيها، وعزل القادة العسكريين عن الشارع وإرسال إشارات قوية إليهم بخطورة استمرار الحرب، ووضع تصور سياسي لنقل السلطة إلى المدنيين، واضح ومتفق عليه وقابل للتنفيذ، هي ثلاثة مقومات من شأنها أن تقلل أمد الحرب الدائرة. بدون ذلك فإنه من المرجح أن يستمر القتال لفترة طويلة. وكلما طال أمد القتال فإن تداعياته الإقليمية السلبية ستزيد، كما أن الوضع المحلي سيزداد سوءا وتعقيدا من حيث الخسائر البشرية والمادية والسياسية، التي تتضمن تقسيم ما تبقى من السودان.