على الرغم من دعوات التهدئة، تصاعدت الجمعة، في أول أيام عيد الفطر، المعارك الشرسة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في شوارع العاصمة السودانية الخرطوم، ومدن أخرى.
وبينما تمضي الحرب بين رئيس المجلس السيادي السوداني، القائد العام للجيش عبد الفتاح البرهان ونائبه محمد حمدان دقلو، نحو أسبوعها الثاني، تتفاقم على نحو كارثي، الأوضاع الإنسانية في البلاد، التي كانت تشهد بالأساس أزمات حادة سياسية وأمنية واقتصادية.
«طلعات جوية، أسلحة ثقيلة ورصاص كثيف، يبدو أنها لا تنتهي أبدا، مئات القتلى والمصابين، والآلاف من النازحين، تهدمت العديد من المنازل بينما تفوح من شوارع الخرطوم، رائحة الموت، وتتناثر الجثث على الطرقات، هكذا قضينا أسبوعا داميا من الحرب بين البرهان وحميدتي، ربما تحيل البلاد إلى خراب» هذا ما قاله المواطن زكريا سعيد 50 عاما الذي تحدث لـ«القدس العربي» من حي جبرة، جنوب العاصمة الخرطوم والذي شهد خلال الساعات الماضية اشتداد الاشتباكات بين العسكر داخل الأحياء والتي تعاظمت معها حالة الهلع السائدة بالأساس بين المواطنين.
أما زينب علي 46 عاما، العالقة مع عائلتها شرق الخرطوم، قالت لـ«القدس العربي» عبر الهاتف، أنهم مع ارتفاع وتيرة الحرب قرروا الفرار إلى ولاية الجزيرة التي تبعد نحو 190 كيلو مترا عن الخرطوم، بعد تطمينات تلقوها من الذين سبقوهم، إلا أنهم فوجئوا بمقتل جارهم في المنطقة، عندما كان يحاول إخراج أسرته إلى مكان أكثر أمنا، مضيفة: «علمنا بعدها بساعات أن الطريق إلى الجزيرة لم يعد آمنا ويشهد معارك عنيفة بين الجيش والدعم السريع. نحن ما نزال عالقون في منازلنا، يقتلنا الرعب».
وفي خضم ذلك يتبادل البرهان وحميدتي الاتهامات، بمحاولة الانقلاب على الحكم والاستيلاء على السلطة، ويزعم كل منهما أنه يحارب من أجل الديمقراطية ومنع عودة الإسلاميين للحكم.
والعاصمة الخرطوم التي كانت آمنة إلى حد كبير، طوال سنوات اقتتال وتمردات سابقة في البلاد، تحولت خلال الأسبوع الماضي إلى مدينة أشباح بعد أن أصبحت أحياؤها ميادين حرب.
وفي صباح اليوم الأول للعيد، تعالى دوي المدافع والأسلحة الثقيلة مخالطا تكبيرات العيد المرفوعة في مآذن المساجد.
وعلى الرغم من محاولة المواطنين إقامة صلاة العيد في بعض الأحياء، إلا أن العيد غاب أيضا عن السودانيين هذا العام، بالتزامن مع الذكرى الرابعة لمجزرة القيادة العامة، والتي فض خلالها المجلس العسكري- الذي كان يضم وقتها الجيش والدعم السريع- اعتصام المدنيين أمام مقر القيادة العامة للجيش والذي راح ضحيته مئات القتلى والجرحى.
ووفق منظمة الصحة العالمية، قتل أكثر من 400 مدني وأصيب نحو 4000 آخرين. يأتي ذلك في ظل خروج معظم مستشفيات العاصمة عن الخدمة بسبب قربها من مناطق الاشتباك أو قصفها أو لنقص المعدات والأدوية.
وأوضحت نقابة الأطباء السودانيين في آخر رصد لها، أن 70 في المئة من المستشفيات المتاخمة لمناطق الاشتباك متوقفة عن الخدمة، من أصل 78 مستشفى أساسية بالخرطوم والولايات يوجد 55 مستشفى لا يعمل. في حين تعرضت 5 عربات إسعاف للاعتداء من قبل القوات العسكرية وغيرها لم يسمح لهم بالمرور ونقل المرضى وإيصال المعينات.
دمار وجثث محترقة
حركة محدودة في شوارع الخرطوم، يمكن أن تكشف حجم الدمار الذي خلفته الحرب في أسبوع، وعدد الجثث المحترقة والملقاة على الطرقات والتي دخلت في أطوار التحلل والتعفن من دون أن تقوم أي جهات رسمية بدفنها.
مؤخراً أطلق شباب الأحياء مبادرة لجمع ودفن جثث العسكريين، وفي هذا السياق قال ود أدم وهو أحد أعضاء المبادرة: «نحن مجموعة من ثوار الأحياء وبعض الخيرين في المناطق التي تشهد اشتباكات، نقوم بجمع مساهمة مالية أو عينية يتم تجميعها في المساجد، بالمقابل يقوم الشباب بتجهيز القبور والدفن».
وأضاف في حديثه لـ«القدس العربي»: «الأيام الماضية تعفنت الجثث في الطرقات وكان لابد من سترها، دفنا حتى الآن حوالي 60 جثة تقريباً في الخرطوم مع وضع الشواهد في القبور لمعرفتها لاحقاً».
يشار إلى أن مدير الطب العدلي في ولاية الخرطوم، هشام فقيري، كان قد كشف عن صعوبات في استقبال وتشريح جثامين الاقتتال الدائر متمثلة في ضيق سعة المشرحة الوحيدة التي تعمل الآن وصعوبة الحركة في الوصول إليها واقترح أن تباشر الجهات المعنية بالدفن إكراماً للموتى وحفاظاً عليها حتى تنجلي الأزمة التي بعدها يمكن تتم إجراءات التشريح.
بالموازة، تفاقمت الأوضاع المعيشية، المتداعية بالأساس، في ظل انقطاع خدمات الكهرباء والمياه عن أجزاء واسعة من العاصمة الخرطوم، بعدما تعطلت العديد من محطات التوليد بسبب القصف. فضلا عن إغلاق المحال التجارية والأسواق وفرار أصحابها من حرب العسكر وأعمال النهب والعصابات التي بدأت تنتشر في شوارع الخرطوم، الأمر الذي أدى إلى اشتداد حالة الهلع بين المواطنين، مع تزايد ندرة السلع وصعوبة الحصول على احتياجاتهم الأساسية.
مدينة نيالا بولاية جنوب دارفور، غرب البلاد، لم تكن أحسن حالاً من الخرطوم، والتي عاش مواطنوها أياما من الرعب المتواصل وأعمال النهب والسلب التي طالت الأسواق والمؤسسات والدواوين الحكومية ولم تسلم منها مقار المنظمات الأممية والشركات ومخازن السلع. كذلك شهدت ولاية شمال دارفور غربي السودان أحداثا مماثلة لكن نجحت حكومة الولاية وبعض القيادات الأهلية في عقد هدنة بين طرفي الصراع.
ووفقا للإعلام المحلي، نجحت تلك المساعي في وقف إطلاق الرصاص داخل المدينة بشكل نهائي بين الجيش وقوات الدعم السريع بالإضافة إلى فتح المسارات الآمنة لعبور المدنيين وتوكيل مهام حماية الأسواق والبنوك والمرافق العامة إلى قوات الشرطة، فيما أوكلت مهام حماية الأحياء الغربية ومقرات البعثات الدبلوماسية والمنظمات الدولية إلى قوات الحركات المسلحة الموقعة على اتفاقية سلام جوبا.
وعاد الهدوء بشكل نسبي إلى مدينة مروي، شمال البلاد والتي شهدت انطلاق الشرارة الأولى للحرب بعد سيطرة الجيش عليها. ذات الأمر حدث في مدينة الأبيض شمال كردفان والتي شهدت هي الأخرى هدوءا حذرا في أعقاب معارك عنيفة بين قوات الجيش والدعم السريع أواخر الأسبوع الماضي، أودت بحياة أكثر من 50 شخصا وفق أعمال الرصد الأولية التي تقوم بها لجان المقاومة هناك.
ودعت الأمم المتحدة ودول غربية وعربية إلى وقف إطلاق النار فوراً وحماية المدنيين العزل وإعلان هدنة لتوفير الممرات الآمنة للعالقين والمصابين وتقديم الدعم الدوائي للمستشفيات، لكن لم تجد تلك الدعوات أي أذان صاغية واستمرت حسب شهود عيان أعمال ترويع الناس والاقتتال وانتهاك القانون الدولي الإنساني والبرتوكولات والأعراف المتبعة في النزاعات المسلحة.
وإلى ذلك، حذر النائب العام السوداني السابق، تاج السر الحبر من الإخلال بالاتفاقات والمواثيق الدولية المتعلقة بحماية المدنيين في أوقات النزاعات، وقال في بيان صحافي: «أوضحت الاستطلاعات والأخبار المتداولة تضرر المنشآت المدنية الحيوية بالنسبة للمواطنين مثل محطات الكهرباء والمياه مما ترتب عليها انعدام مياه الشرب وانقطاع التيار الكهربائي لأيام في كثير من الأحياء السكنية، كذلك تضمنت التقارير الإخبارية تعرض الأحياء للقصف بالأسلحة الثقيلة ومقتل عدد كبير من المدنيين، كما لا توجد أي مسارات آمنة لنقل وإسعاف المصابين إلى القليل من المستشفيات التي في الخدمة».
وقال البيان: «إن طرفي النزاع المسلح يقع عليهما عبء الالتزام باتفاقيات جنيف الأربع وبصفة خاصة الاتفاقية الرابعة والتي تتعلق بحماية المدنيين وعدم قصف المنشآت المدنية».
وأشار إلى أن عدم الالتزام بالمواثيق الدولية يعتبر بموجب القانون الدولي جرائم ضد الإنسانية، مؤكداً بأن الحرب لا تعني سلب المدنيين ونهب ممتلكاتهم كما حدث في مطار الخرطوم السبت قبل الماضي.
وبعد مقتل عدد من موظفي المنظمات الدولية والاعتداء على مقر تابع للاتحاد الأوروبي وإطلاق الرصاص على سيارة دبلوماسية أمريكية، شدد النائب العام السابق على ضرورة التزام الطرفين بعدم التعرض للبعثات الدبلوماسية بل حمايتها، لافتاً إلى أن هذا التعدي من شأنه أن يعيد البلاد إلى الفصل السابع وإنهاء كل الجهود التي بذلت في الخروج منه ومن قائمة الدول الراعية للإرهاب وأنها قد تدخل البلاد في نفق مظلم يصعب الخروج منه.