‘الريس’ دائما وأبدا

حجم الخط
0

محمد كريشان’يا سااااااتر ده مليان خوازيق!!’ … لم يجد رسام الكاريكاتور المصري الكبير مصطفى حسين أجمل من هذا التعليق على ما رسمته ريشته الساحرة في جريدة ‘الأخبار’ القاهرية من كرسي الرئاسة الفخم قبل أن يجلس عليه من سيختاره الشعب وقد امتلأ بما لا يقل عن خمسة عشر من هذه ‘الخوازيق’ من أبرزها الفقر والبطالة والأمن والأجور والصحة والتعليم والأسعار. في المقابل، رفع بعض شباب الثورة في ميدان التحرير لافتة ضمنوها ‘نداء من محبي مصر وليس ساكني مصر إلى الرئيس القادم’ قالوا فيه بأنهم يريدون رئيسا لمصر تتوفر فيه الصفات التالية: ‘ رجل استقر فيه حب الله واستقر عليه حب الناس وبه يستقر الأمن والأمان في مصر’ وأن ‘ يعيد مصر للمصريين ويعيد لمصر العظمة الحقيقية والمجد الأول ينقلنا من زمن الكذب والتزييف إلى زمن الصدق والأمانة ويعيد لما الزمن الأول’. بين الملفات الملغومة الكثيرة التي تنتظر رئيس مصر المقبل كما تجلت في الكاريكاتور وبين الآمال العريضة التي يعلقها عليه الناس كما بدت في نداء الشباب تكمن المعضلة الرئيسية سواء في مصر بعظمتها أو في باقي الدول العربية التي تنتظر هذا الموعد بفارغ الصبر. أي رئيس مقبل في مصر لن يستطيع بمفرده أن يحل مشاكل البلاد المتراكمة مهما بلغ إخلاصه وتفانيه كما أنه من الصعب جدا أن يكون في مستوى التوقعات الجارفة للناس التي قد يخيب آمال قطاعات منها هنا أو هناك. المشكلة في مصر أن هذه البلاد تربت على مدى قرون أن الخلاص يأتي من الزعيم كما الخراب لن يأتي من غيره. عقلية ‘الفرعون’ كما أتى على ذكرها كثير من المفكرين المصريين تجعل من الذي سيكون على هرم الدولة في ‘المحروسة’ أقرب ما يكون من الإله الذي يمنح الحياة ويقبض الأرواح. ترسخت هذه العقلية على امتداد التاريخ عند المصريين ولم يتمكنوا من الفكاك منها حتى بعد أن أسقطوا في ثورتهم الشعبية آخر الفراعنة. الكل ينتظر الرئيس المقبل على أنه منقذ البلاد وشافيها في حين سارت أغلب التجارب الديمقراطية الناجحة على إعطاء الأولوية المطلقة للنهوض بالمجتمع لإرساء دولة القانون والمؤسسات القوية الراسخة التي على الرئيس احترامها والخضوع لتقاليدها، فإن كان هو جيدا على الصعيد الشخصي زادها ألقا وإن كان سيئا حدّت من نزقه أو انحرافه. لو عاد سيدنا يوسف الصديق إلى حكم مصر فسيواجه جبالا من المشاكل لن يستطيع حلها بمفرده. لا بد من تفهم واسع لطبيعة المشاكل وهذا لن يتأتى إلا بمصارحة الشعب بحقيقة الأوضاع في جميع المجالات للتمكن لاحقا من تحقيق إجماع وطني على سبل الخلاص ونصيب كل فئة ومسؤوليتها في تحمل هذا العبء لسنوات. لن تتغير أوضاع مصر بمجيء هذا أو ذاك ولكن بالتأكيد سيمثل بداية الإصلاح أو انتكاسة له. هذا دون أن ننسى أن السلطة في حد ذاتها مُـفسِــــدة وأي رئيس مهما كان نزاهته الشخصية لن يستطيع أن يصمد أمام إغراءات المال والنفوذ إن لم توجد كوابح قانونية ومؤسسات تعمل بفعالية قصوى لمنع أي زيغ سياسي أو غيره. المسألة الأخرى التي لا بد من التطرق إليها بكل هدوء وشجاعة هي كيف نجعل أوسع فئات الشعب في مصر وغيرها واعية بمسؤولياتها، مقدرة لواجباتها بنفس الحماسة التي تطالب فيها بحقوقها. كيف نجعل المواطن يحترم إشارات المرور والطوابير وأماكن وضع الفضلات والحرص على سلامة المرافق العامة ونظافتها واحترام تعليمات ممنوع التدخين والابتعاد عن كل الطرق الملتوية وغير المشروعة لتحقيق مكاسب فردية . كيف يبتعد عن الغش والوشاية والرشوة والتعدي على أملاك غيره ويبتعد عن النفاق والتزلف باسم الدين أو غيره وكيف يدفع ما عليه من أداءات إلى الدولة… والقائمة طويلة. لقد صرخت الحناجر في مصر وقبلها وبعدها في دول عربية أخرى: الشعب يريد تغيير النظام. من منا يملك الجرأة اليوم ليقول: وكيف لنا أن نغيّــر الشعب أيضا؟

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية