د. سعيد الشهابي
في غضون ايام سوف يتضح من سيحكم مصر: الشعب ام نظام حسني مبارك، فبعد الجولة الاولى من الانتخابات الرئاسية التي جرى التصويت فيها يومي 22 و 23 مايو اصبح الوضع اكثر استقطابا وخطرا، واصبح السباق على رئاسة الدولة العربية الكبرى محصورا بشخصين: احدهما يمثل نظام الرئيس المخلوع ومن ضمنه المؤسسة العسكرية والآخر يمثل اكبر جهة معارضة واكثرها تعرضا للقمع على مدى ستين عاما ولكنها مثار جدل في اوساط سياسية محلية واقليمية ودولية. ولم يعد بالامكان تحديد الطرف الذي ستحسم معركة الانتخابات لصالحه، بعد ان خيب فوز احمد شفيق آمال الكثيرين الذين كانوا يعتقدون ان المعركة حسمت لغير صالح نظام حسني مبارك. فالشخص كان آخر رئيس وزراء في عهد الرئيس المخلوع، وواحدا من ابرز رموز المؤسسة العسكرية. كان في مقتبل عمره طيارا ثم اصبح مديرا لمؤسسة الطيران المدنية. وبقبوله ان يكون رئيسا للوزراء بعد انطلاق ثورة 25 يناير، كرر شفيق ما جرى في الثورة الايرانية التي حدثت قبل اكثر من ثلاثين عاما. فعندما ضاق الخناق على الشاه لجأ لتعيين شاهبور بختيار رئيسا للوزراء ليواجه المحتجين الذين كانوا يملأون الشوارع يوميا باعدادهم الهائلة. بختيار لم يبق في الحكم سوى اقل من شهر، وهي الفترة نفسها تقريبا التي قضاها شفيق في رئاسة وزراء مصر في عهد الرئيس المخلوع. كان واضحا ان المؤسسة العسكرية كانت تراهن على ان يؤدي تغيير الوجوه الى تهدئة الشارع واجهاض الثورة. و لكن يقظة شعب مصر آنذاك حالت دون نجاح تلك الخطة، فتواصلت الثورة وسقط الرئيس. واصبح الآن واضحا ان ذلك السقوط لا يعني انتصارا نهائيا لثورة مصر. فقد استلم المجلس العسكري، مدعوما بقوى الثورة المضادة وفي مقدمتها الولايات المتحدة الامريكية، زمام الامور وبدأ يعيد هندسة الوضع المصري لضمان استمرار السياسات الخارجية كما كانت طوال الاربعين عاما الماضية. وحاول الثوار مرارا العودة الى الميدان لمنع ذلك والحيلولة دون استئثار الجيش بالسلطة. ولكن الثورة المضادة كانت تراهن بكل ثقلها على اجهاض ثورة مصر لعلمها ان مصيرها سوف يحدد مستقبل النظام السياسي العربي الذي كان للغرب الاستعماري الدور الاكبر في تشكيله منذ الحرب العالمية الثانية.
أيا كانت التفسيرات فان حصول احمد شفيق على ما يقرب من ربع اصوات الناخبين في الجولة الاولى مؤشر سيىء، له دلالاته التي منها ما يلي: اولا ان قوى الثورة المضادة حزمت امرها وقررت خوض المعركة مع الشعب حتى النهاية. ذلك الحسم اما ان يكون من خلال صناديق الاقتراع او باللجوء الى وسائل اخرى من بينها الانقلاب العسكري او خلق حالة من الفوضى الداخلية تحول دون قيام نظام ديمقراطي حر يمثل ارادة شعب مصر. ثانيا: ان حصول مرشح المجلس العسكري بهذه النسبة العالية من الاصوات (ان كانت تمثل الواقع وليست ناجمة عن تدخلات غير مرئية في العملية الانتخابية) مؤشر سيىء لاتجاه الرأي العام في مصر. اذ كيف يحصل المرشح الذي لم يمض سوى اقل من اسبوعين على رشقه بالحذاء خلال حملته الانتخابية بمنطقة اسوان، على نسبة من الاصوات تؤهله لخوض المرحلة الثانية من الانتخابات؟ وكيف يستطيع مرشح المؤسسة العسكرية ان يتفوق على شخص مثل الدكتور عبد المنعم ابو الفتوح او الدكتور محمد سليم العوا؟ ثالثا: انه مؤشر لحالة استقطاب لا تساعد على الاطمئنان في اوساط الشعب المصري. فهذا الشعب الذي ثار ضد نظام مبارك وقدم ما يقرب من الف شهيد على طريق الثورة، كيف يصوت قطاع كبير منه لعنصر محسوب على النظام السابق في عمقه؟ حالة الاستقطاب هذه، ما لم تقدم اسباب غير ظاهرة لتفسيره، تمثل مصدر قلق شديد لانها تعكس حالة سياسية ونفسية غير مستقرة. هذا اذا لم يكن هناك، كما تمت الاشارة، تلاعب بصناديق الاقتراع. رابعا: ان مستقبل النظام السياسي في مصر بعد الثورة اصبح غامضا، ولا يستطيع احد التنبؤ به بانتظار ما تتمخض عنه الجولة الثانية من الا نتخابات بعد ايام. خامسا: ان ثمة تفسيرا آخر غير ما ذكر، مفاده ان جماعة الاخوان المسلمين لا تمثل خيارا حاسما للشعب المصري الذي اصبح في حيرة امام صناديق الاقتراع بين دعم مرشح نظام حسني مبارك او مرشح الاخوان. وهذا يعني ان قوى الثورة المضادة استطاعت تحقيق اختراق للنفسية المصرية وتمكنت من التشويش على ما كان البعض يعتقده موقفا واضحا وخيارا ليس فيه لبس او غموض. سادسا: الامر الباعث على قدر من الاطمئنان ان القوى الثورية اعلنت موقفا واضحا بتجاوز التباينات الايديولوجية والالتفاف حول محمد مرسي لحرمان مرشح المؤسسة العسكرية من الفوز.
هذا السجال يجب ان لا يخفي جوانب ايجابية عديدة. اولها ان انتخاب رئيس الدولة العربية الكبرى يمثل نقلة نوعية في الاداء السياسي العربي بعد عقود من الجمود والتراجع. فالاستبداد كان، وما يزال في الاعم الاغلب، هو الحالة السائدة في منطقة الشرق الاوسط. وايا كانت اسباب الاضطراب التي صاحبت عملية الاقتراع في الجولة الاولى من الانتخابات الرئاسية فان اصل الانتخاب الحر لرأس النظام ظاهرة غير مسبوقة في العالم العربي، وسوف تكون، في حال نجاح التجربة المصرية، مدخلا لعهد جديد من الحرية المنشودة لتطوير الامة وتحريك الطاقات الكامنة لدى ابنائها بعد عقود من الجمود والتجميد. قوى الثورة المضادة تدرك هذه الحقيقة، ولذلك عمدت، وما تزال، لاجهاض كافة ثورات الربيع العربي، بدعم مكشوف من الغربيين خصوصا الولايات المتحدة الامريكية. ويمكن القول ان ادارة اوباما سقطت في اهم امتحان سياسي واخلاقي واجهته في السنوات الاخيرة. فاذا كانت في السابق متهمة بالتدخل في شؤون الدول الاخرى واستعمال القوة المفرطة لاغراض سياسية في البلدان العربية والاسلامية، فانها اصبحت اليوم رأس الحربة في التصدي لثورات التغيير التي انطلقت في العديد من دول العالم العربي. امريكا تعلم ان مصر بوابة التغيير للعالم العربي، وهو تغيير من شأنه تفجير طاقات الامة وتوجيهها لخيرها ونمائها واستقلالها وحريتها. والحرية والاستقلال من اهم مستلزمات التنمية والبناء، فالنفس الانسانية لا تستطيع التعايش مع الظلم والقمع والاستعباد، وتسعى، خصوصا مع تعمق العلم والوعي، للتحرر من القيود، والولوج الى عالم بدون طواغيت او ديكتاتوريين.
الواضح ان مسيرة مصر من الاستبداد الى الحرية ما تزال في بداياتها، وان سقوط مبارك لم يسقط نظامه، خصوصا مع إحكام العسكر قبضتهم على البلاد. وثمة مخاوف كبيرة ازاء هذا التحول ومدى استعداد المجلس العسكري بقيادة المشير طنطاوي للاستسلام للارادة الشعبية، أو إخضاع المؤسسة العسكرية لدستور جديد يكتبه الشعب عبر ممثليه المنتخبين بطريقة حرة. فبرغم الانتخابات البرلمانية والرئاسية ما تزال مصر محكومة بالعسكر الذين يتحكمون في السياسة الخارجية ويصرون على ابقائها ضمن الاطر التي رسمت لها من قبل الولايات المتحدة في مقابل استمرار الدعم المالي السنوي. المجلس العسكري يمارس دور القيادة السياسية بشكل كامل ويعتبر نفسه الوريث الشرعي لانظمة الحكم منذ الاستقلال قبل اكثر من ستة عقود، فهو الذي يقرر علاقات مصر الاقليمية ومع الولايات المتحدة بشكل خاص. كما يعتبر هذا المجلس ان العلاقة مع الكيان الاسرائيلي من اختصاصاته وليس للشعب دور في تحديد اطرها. مشكلة العسكريين انهم ينطلقون على ارضية القوة العسكرية معتقدين انها مصدر شرعيتهم وان على الشعب الاقرار بذلك. ولذلك شاب عملية التحول نحو الحرية والديمقراطية فصول من القمع الدموي كان بعضها مثيرا للاشمئزاز والغضب. فقد قتل العشرات من المحتجين في الشهور الاخيرة برصاص الجيش، وما تزال الذاكرة تختزن مشهد المواطنة التي جردت من اغلب ملابسها بميدان التحرير لانها احتجت ضد سلطة العسكر. المجلس العسكري يتصرف على غرار ما كان العسكر في تركيا يفعلون. فقد هيمنوا على الدولة منذ الانقلاب الذي قاده كنعان ايفرين في 1979 واسقط به الحكومة المنتخبة، ولم تنته سيطرتهم الا قبل عشرة اعوام بفوز حزب العدالة والتنمية. ومع ذلك ما يزال العسكريون يتآمرون على الدولة ويسعون لاستعادة سيطرتهم التي تتضاءل يوميا مع عودة الحكم المدني. وقصة العسكر في الجزائر هي الاخرى مثيرة للاشمئزاز، خصوصا بعد اسقاطهم المشروع الديمقراطي بعد انتخابات 1992 التي فاز الاسلاميون بها. وما يزال دور العسكر في باكستان مثيرا للغط برغم وجود قدر محدود من الديمقراطية والتداول على السلطة.
الامر المؤكد ان نتائج الانتخابات الرئاسية المصرية ستكون مؤشرا لاتجاه ثورة مصر، وستكشف مدى انتصار ارادة الشعب في مقابل اصرار العسكر على الامساك بزمام الامور. فالعسكريون لن يتركوا الميدان بدون معركة شرسة، لانهم لا يعبرون عن انفسهم فحسب، بل عن ارادة قوى عديدة تموضعت في مقابل ارادة الشعوب، وأصرت على الاستحواذ بالقرار السياسي والامني والاستراتيجي في ما يتعلق بمنطقة الشرق الاوسط، قلب الامتين العربية والاسلامية. ويتوقع ان تكون الايام المقبلة حبلى بالتطورات. فمن المؤكد ان اموال النفط سوف تنفق بسخاء لشراء المواقف بهدف التأثير على الانتخابات لصالح مرشح المجلس العسكري، ومن المؤكد كذلك ان وسائل الاعلام التابعة لقوى الثورة المضادة لن توفر جهدا بهدف التأثير على الاصوات، على امل احتواء نتائج الانتخابات لصالح مرشح العسكر. وفي الوقت نفسه ليس مستبعدا اللجوء للتزوير لضمان النتائج المطلوبة من قبل قوى الثورة المضادة. كما ان سيناريو التجربة الجزائرية قبل عشرين عاما ليس مستبعدا اذا اتضح ان المرشح الاخواني سوف يسحق المرشح العسكري. ويسود اوساط الثورة المصرية حالة من الغضب الشديد بسبب عودة اعمدة نظام مبارك الى الساحة السياسية من الشباك بعد طردهم من الباب. واكتظت صفحات التويتر والفيسبوك بالتعليقات التي تدور حول احتمال اجهاض الثورة، وظهرت صفحة بعنوان ‘أنا أول شهيد للثورة لو موسى أو شفيق نجحا’. واشنطن تفضل خيار حمامات الدم في مصر على تحولها الى معسكر الحرية والاستقلال والصمود بوجه العدو المحتل والهيمنة الغربية الجائرة.
برغم تصاعد الآمال بانتصار حركة التغيير في مصر فالمخاوف ما تزال كبيرة من انقلاب دموي تقوم به قوى الثورة المضادة بقيادة الولايات المتحدة والسعودية و’اسرائيل’ الى فرض سياسة تجويع على مصر بوقف المساعدات، وربما فرض حصار اقتصادي لاحقا، الى طرد العمال المصريين من دول مجلس التعاون خصوصا السعودية كعقاب للشعب المصري بسبب ثورته ودعمه مرشحين من خارج المؤسسة العسكرية. والامل معقود على استمرار الحضور الشعبي سواء عبر صناديق الانتخاب ام في ميادين الثورة انطلاقا من ميدان التحرير. فكل الاحتمالات واردة لمنع انتصار ثورة مصر بشكل حقيقي، ولو ادى ذلك الى حمامات دم في شوارع القاهرة وغيرها. ومن وجهة نظر قوى الثورة المضادة ستكون مصر آخر معاقلها فان سقطت بأيدي الشعب هزم مشروع الثورة المضادة الى الابد. ومن وجهة نظر الثوار فان فاز مرشح العسكر ذهبت دماء الشهداء هباء، وبدأ العد التنازلي لحركة الثورة والتغيير. المطلوب من المحسوبين على التيارات الاسلامية والتقدمية دعم مرشح الشعب وان كان ثمة اختلاف مع مشروعه السياسي، لان البديل هو مرشح العسكر الذي سيكون فوزه ضربة شبه قاضية للثورة. ان ما يجري في مصر، عبر صناديق الاقتراع وتجلياتها الميدانية، يمثل الحلقة الاخيرة في مسلسل الصراع بين الثورة والثورة المضادة، ومصر هي كبرى ساحات المنازلة واهمها على الاطلاق. وليس مستبعدا وجود تيارات ترى في الاخوان المسلمين خيارا مرفوضا، ولكن هذه التيارات مطالبة بوعي المرحلة وخطر التشرذم والتشظي امام اكبر مشروع للثورة المضادة التي طالما منعت التغيير في بلداننا العربية والاسلامية. وبانتظار ما تتمخض عنه الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية فان قوى الثورة مطالبة بالاستثمار في مشروع التغيير وذلك عبر المشاركة الفاعلة في الاستحقاق الانتخابي وعدم التعاطي مع الواقع الصعب بروح اللامبالاة. المصريون يعرفون انهم امام خيارين صعبين: خيار الشعب وتمكين ارادته وان كان لدى بعض القطاعات السياسية تحفظ على محمد مرسي لانتمائه الى جماعة الاخوان المسلمين. اما الخيار الثاني فهو مرشح العسكر وما يعنيه من انتصار الثورة المضادة، ومعها كافة ثورات الربيع العربي التي تعثر اغلبها في الاثني عشر شهرا الاخيرة. صراع الارادات سيكون على اشده في الايام القليلة المقبلة، وهو صراع تحاول القوى ذات النفوذ المالي توجيهه على طريق الحفاظ على الوضع الراهن مع تغييرات طفيفة اشار اليها مرشح العسكر، احمد شفيق. ولوحظ ان هذه القوى سرقت مصطلحات الثورة واصبحت تستعملها على نطاق واسع. فحتى احمد شفيق يقول ‘لا عودة للنظام السابق’ الذي كان جزءا منه، ويقدم وعودا بحماية اهداف الثورة، وانها لن تضيع فيما لو تم انتخابه. غير ان شباب الثورة يدرك ان الوضع لا يحتمل التجريب، فاما انتصار الثورة او هزيمتها، وليس هناك حل وسط برغم ما تبثه وسائل اعلام قوى الثورة المضادة. وفيما تراهن ثورات الربيع العربي الاخرى على نجاح التجربة المصرية، فانها تعترف بصعوبة الوضع ايضا، واما انزلاق الوضع المصري الى حالة من التشظي والاضطراب الامني والسياسي بسبب اصرار قوى الثورة المضادة على كسب مصر الى جانبها. وتشهد الايام التي اعقبت اعلان نتائج الدورة الاولى اتصالات مكثفة بين كل من محمد مرسي واحمد شفيق والقوى المعنية بالوضع المصري، المحلية والاقليمية والدولية. انه تحد كبير للمرشح الاخواني، ولكنه ضروري لتمحيص المواقف واستمزاج الآراء وتحديد الاستراتيجية. فما تخشاه قوى الثورة المضادة ليس تطبيق الشريعة فحسب، بل هندسة سياسات مصر الخارجية وموقفها على وجه التحديد من الكيان الاسرائيلي والاتفاقات التي ابرمت معه. وعليه فالتصويت لن يكون على شخص المرشح بل على مشروع التغيير الثوري في المنطقة العربية، وستكون نتائجه مؤشرا لمدى انتصار الثورات او تراجعها، فليحدد المصريون موقفهم على اساس ذلك.’ كاتب وصحافي بحريني يقيم في لندن