فهم دقيق لمفهوم التطرف والإرهاب

حجم الخط
0

إشـراك المواطن في المنظومـة الأمنـية هـو أهـمّ قرار تمّ اتخاذه في اجتماع المـجلس الأعلـى للجـيوش الثلاثة الذي انعقد برئاسة رئيس الجمهورية السيد الباجي قائد السبسي. على إثر الهجوم الإرهابي على متحف باردو. هذا القرار دفع العديد من السياسيين للردّ عليه في حينه ومنهم نائب رئيس مجلس النواب الشيخ عبد الفتّاح مورو الذي عقب في «برنامج شكرا على الحضور» بالقول «أنّ القرار ربّما يدفع النّاس أو بعضهم للعمل كمخبرين لدى الحكومة إذا لم يتنزّل هذا القرار في بيئة تتفهّمه». فهذا القرار يتطلّب أولا وأساسا فهما دقيقا لمفهوم التطرّف والإرهاب وكذلك وعيا رفيعا بالقضايا المستجدّة على المستوى المحلّي والإقليمي والدولي. وعليه لا يمكن مثلا تشريك المواطن في حملة وطنية للقضاء على الإرهاب دون تحديد مفهوم الإرهاب وأسبابه ومنشئه ودون النأي به عن التجاذبات السياسية.
فرغم ما ساد في الفترة الأخيرة من توافق سياسي بين غالبية الفرقاء السياسيين، الذي انعكس إيجابا على نفسية المواطن التونسي بالانشراح والارتياح التام، فإنّ بعض الأطراف السياسية لا تزال تنظر للأمور بمنظار المصلحة الشخصية وبمنظار الحقد الإيديولوجي. فكلّما حصلت أو جدّت عملية إرهابية إلا وألقت هذه الأطراف بالمسؤولية مباشرة على حركة النّهضة واتّهمتها إمّا بالمشاركة الضمنية في العملية أو بتوفير الظروف والمناخات لحصول مثل هذه العمليات من مثل تشجيع ودفع الشباب للذهاب إلى سوريا والانخراط في القتال ضدّ نظام بشار الأسد. وبناء عليه تقترح هذه الأطراف حلولا أمنية بحتة وعمليات جراحية في غير وقتها وفي غير محلّها. فهل يمكن أن نفكّك ظاهرة الإرهاب بالاعتماد على مفاهيم وأسباب تخضع للأهواء الشخصية وللمذاهب الإيديولوجية ؟ وهل يمكن أن نوفّر حلولا لظاهرة الإرهاب تعتمد فقط على الحل الأمني؟ فكلّ تشخيص يخضع للمزاج الشخصي يظلّ قاصرا عن فهم الحقيقة ويظلّ عاجزا عن إيجاد الحلول الملائمة. فما هي إذن الأسباب الحقيقية لظاهرة الإرهاب ؟
لا شكّ أن الفقر والظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية المزرية هي من بين الأسباب الجدّية التي تساعد على انتشار فكر التطرّف. ولكن يظلّ الجهل بصفة عامّة والجهل بالدّين بصفة خاصّة هو السبب الرئيسي لانتشار ظواهر التطرّف والإرهاب. فخطّة تجفيف الينابيع التي نفّذها المخلوع زين العابدين بن علي طيلة 23 سنة هي التي ولّدت فكر التطرّف لدى الشباب التونسي. فالشباب الذي ولد في فترة حكم بن علي تربّى وتعلّم في ظلّ خطّة تجفيف الينابيع وتخرّج الكثير منهم بعد 23 سنة متطرّفين وضالعين في اختصاص التطرّف والإرهاب. وإثر التخرّج ذهب هذا الشباب إلى سوريا للقيام بتربّص ميداني وتطبيقي في كلّ ما درسه وتعلّمه في «فنون» التطرّف والتحجّر والغلو. ومن نافلة القول التأكيد على أنّ كلّ رأي يرتكز على حلول أمنية من مثل المراقبة الفردية واللّصيقة ومن مثل طرد المتطرّفين من البلاد وعدم الاعتراف بهم هو رأي قاصر ومخالف للدستور. والأطراف التي تنادي بالتسريع بإعداد قانون الإرهاب وبفرض قوانين وحلول أمنية بدرجة أساسية هي أطراف تريد أن تدخل البلاد في دوّامة من العنف ومن الحرب الأهلية، وهي لا تريد الخير للشعب التونسي وإنّما تريد أن يأكل الشعب بعضه بعضا وأن تسود الفوضى في البلاد. ولا شكّ أنّ التطرّف هو من يدفع الشباب للقيام بعمليات إرهابية والتطرّف وهو حصيلة وخلاصة ما تلقّاه هذا الشباب من ثقافة منحرفة طيلة عهد الاستبداد وطيلة فترة تجفيف الينابيع. فإذا أردنا فعلا أن نسعى لمنع العمليات الإرهابية فلا بد من اقتلاع جذور هذا التطرّف المعشّشة في أذهان بعض الشباب وذلك بإرساء ونشر ثقافة التدين الصحيح وليس المغشوش. ذلك أنّ الإنسان مجبول على التديّن فإذا حيل بينه وبين التديّن الصّحيح أصرّ على التديّن ولو كان ذلك باتباع مذاهب من وراء الحدود. فإلى حد اليوم وإلى حدّ أربع سنوات من الثورة لم نر من الدولة ومن مختلف مؤسّساتها إلاّ الحلول الأمنية من حصار ومحاصرة المتطرّفين وقتلهم أو القبض عليهم ومحاكمتهم والزّجّ بهم في السجون. ولكن هل تمّت محاورة المتطرّفين والإرهابيين ومقارعتهم بالحجّة والبرهان ؟ هل حاولت الدولة إخضاعهم لدورات تكوينية دينية تصحيحية لفترات متواترة ؟ وهل أرسلت الدولة إليهم مختصّين في علوم الشريعة ومختصّين في علم الاجتماع وإخصّائيين نفسانيين يحاورونهم في المساجد وفي المقاهي وفي كلّ مكان يتواجدون فيه ؟ كلّ شيء من ذلك لم يحدث. بعض السياسيين والمسؤولين والمحلّلين السياسيين والإعلاميين لا يهمّهم إلاّ محاصرة هؤلاء الشباب والزّجّ بهم في السّجون. لماذا يصرّ هؤلاء على اعتبار الشّباب المتطرّف شبابا من فصيلة المجرمين بالولادة وبالوراثة في حين أنّهم في حقيقة الأمر أول ضحايا الاستبداد وولدوا في ظلّ الاستبداد وتربّوا في حضن الاستبداد وفي إطار خطّة تجفيف الينابيع والتعتيم الكامل على المعرفة وفي ظلّ الصّد عن سبيل الله على مرأى ومسمع من الجميع ؟ فهؤلاء الشباب أشبه ما يكون بيتيم الوالدين الذي فقد رعاية الأب وحنان الأم وإحاطة ومساندة المجتمع. فماذا سيكون مصيره ؟ وعلى أية شاكلة سيتشكّل ؟ وماذا عسانا ننتظر منه ؟ الذي يتربّى في ظلّ منظومة تجفيف الينابيع يصبح بالضّرورة في الأغلب الأعمّ متطرّفا ومشروع إرهابي. ومن استطاع النّجاة من آفة التطرّف فبفضل رحمة الله.
البعض من المسؤولين والإعلاميين والسّياسيين يتهمون الشباب المتطرّف بالجهل وبالبعد عن فهم الدّين الصّحيح وبالكفر بمبادئ الدّيمقراطية التي لا تتعارض مع الإسلام الصّحيح في حين أنّ هؤلاء المتحدّثين لم يؤمنوا بالإسلام وبالدّيمقراطية إلاّ بعد أن أحسّوا بالغرق على غرار فرعون. هؤلاء القوم يريدون ويطلبون من الشباب المتطرّف لفظ التطرّف. وينعتونه بكلّ نعوت التطرّف والغلو والتحجّر إن هو أبى ذلك. وفي المقابل هم لا يريدون أن يتخلّصوا من التطرّف الذي يدفعهم إلى بث ثقافة الفساد والإفساد. ولا يسعون بالقدر المطلوب للمصالحة مع الدين الإسلامي والمصالحة مع ثوابت الأمّة.

منجي المازني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية