عرفت سينما (لانكس) في الدار البيضاء عرض – ما قبل الأول- للشريط المطول الأول للمخرج المغربي مراد الخودي، يوم الاثنين 23 مارس /آذارالجاري، الفيلم الذي جاء تحت عنوان «فورمطاج» (مسح الذاكرة)..
سيناريو وإخراج مراد الخودي، وتشخيص كل من بن ناصر فاطمة الزهراء، وفهد بنشمسي، ويونس بواب، ديا أيت موح وأحمد، وجلال بوفطيم وراويا ولينا الخودي… وآخرين. عرف العرض حضورا وازنا لأسماء سينمائية مغربية، وأخرى تهتم بالنقد السينمائي، كما عرف تغطية مهمة للقنوات الإعلامية السمعية والبصرية والمكتوبة..
على مستوى القصة
جاء الفيلم في مدة تجاوزت الساعة، من الإثارة والغموض، بمزيج خفيف من الكوميديا السوداء، والانتقال من الواقعية المتمثلة في ما يعرفه ضريح (زاوية) «بويا عمار» المشهور بشفاء واحتواء المجانين والمرضى النفسيين، إلى فانتازيا من حيث الانتقال في الأحداث بشكل سريع أحيانا، ومربك للتلقي أحيانا..
عبر تقنية الفلاش باك الحكائية – التصويرية، تنتقل أحداث الفيلم من سرد الحاضر، إلى استذكار الماضي.. يحكي الفيلم المغربي قصة ريحانة سيدة متزوجة تواجه هواجس فقدان ذاكرة رمزي (زوجها)، الذي عاد مؤخرا من خلوة بويا عمر (الماضي) فتحاول تذكيره بمجموعة من المحطات، لكنها تجد نفسها أمام شخصية منغلقة رافضة للكلام والتواصل.
ويدخل فاضل (ضابط المخابرات) على الخط، من خلال ظهور مفاجئ ليخبر رمزي بأن ريحانة ليست زوجته، وما هي إلا مجرمة تهيئ لخطة مستغلة ذاكرته المنعدمة (الحاضر).
فيبحث رمزي في البيت عن أدلة تدينها، لكنها تواجهه وترفض أن يكون ما يدعيه هو الحقيقة، في الوقت الذي يواصل فاضل تحقيقاته التي تجعل رمزي في حيرة بين حقيقتين وربما سيتورط في قضية مخابراتية كبيرة ليس له القوة لمواجهتها.
ما يجعل قصة الفيلم تدخل في سلسلة من المتواليات الحكائية (التصويرية)، تربك المتلقي في تحديث الحقيقة.. الحقيقة التي ستتضح في آخر الفيلم..
على مستوى التصوير والديكور
عبر التصوير بالتقريب والتصوير البانورامي للمشاهد والشخوص، وتقنيات التصوير العالية الجودة، تألق الفيلم، بتقنيات توازي تلك المستعملة من قبل أفلام عالمية أوروبية/ أمريكية.. وهو المتأثر بالسينما الأمريكية كما أعرب ذات تصريح في مهرجان السينما المغربية الثاني للأفلام السينمائية الروائية، الذي جرت فعالياته في العاصمة الجزائرية، لهذه السنة. تحدث مراد الخودي، عن مشكل نمطية صورة السينما المغاربية، التي يرفض اعتمادها ضمن خطه السينمائي المعاصر، المتمرد على القوانين والأطر المسبقة، مؤكدا بأنّ الفعل الفني هو فعل إبداعي لا يمكن تلجيمه أو تحديده.
مراد الخودي العارف بالفن بنوعيه التشكيلي والديكور، كان له حسن اختيار ديكور المشاهد، المتنقلة من بيئة غابوية إلى أخرى مدنية.. جاء الديكور مشابها للديكور الأوروبي من حيث تأثيث الفضاء. ليعطي بالتالي ذلك الطابع العصري على القصة، لكونها تحكي عن بطلة غنية..
سؤال الأنا في الفيلم:
الفيلم يتطرق لظاهرة الاستغلال الذي يتعرض له المرضى النفسيون في المغرب بسبب سوء التشخيص.. وفي تصريح لمخرج الفيلم مراد الخودي أن قصة فيلم «فورماطاج» مأخوذة من قصة واقعية متداولة في منطقة «بويا عمر»، حيث «تتجاوز سلطة رجال الزوايا وعائلات الشرفاء سلطة القانون، وهي الرسالة التي يركز الفيلم على تمريرها بأسلوب خارج عن الإطار السينمائي المغربي التقليدي. وأنه حان الأوان لكسر تابوهات الزوايا التي يختلط فيها المريض النفسي بالمصابين بالمس، لتبدأ المعاناة بين التعذيب والاستغلال الجنسي، في غياب أقل الشروط الإنسانية والحقوق الآدمية لدرجة البيع الذي يطال العديد منهم في ظل غياب أي نصوص قانونية أو أي تدخل من السلطات المعنية أو حتى رعاية الأهل والأقارب، فبعد وضع المريض في مثل هذه الأماكن يبقى لسنوات طويلة معزولا عن العالم الخارجي ليصبح في خبر كان.
فالبطل «القادم من بويا عمار»، يقع في صراع مع ذاته ومحيطه، وهو يحاول معرفة هويته الحقيقية، التي تتشابك عليه، بعد أن يُخبر في بادئ الأمر أن اسمه «رمزي» من قبل زوجته المُفترضة، ثمّ يعرف أن اسمه ليس «رمزي» بل هو اسم ثان، من قبل رجل المخابرات المفترض، فيُلحق به اسم رضوان أثناء التحقيق معه، إلى أن يُدرك أن اسمه الحقيقي الذي سُجل به أنه متوفى، هو «يوسف العثماني».. بين كل هذه الأسماء التي لا يتمكن البطل من معرفة اسمه الحقيقي من الوهمي منها.. يدخل في صراع الـ»أنا» القلقي/الوجودي.. كأن المخرج (السيناريست) يحاول مناقشة تلك العلاقة الإشكالية بين «الجسد»/ المادي والاسم/ اللامادي، في تحديث هوية المرء…
أخيرا:
باستثناء بعض الهفوات التقنية البسيطة (غياب رجال الشرطة في غالب لقطات الحركة، تغيير سيارات المطاردة بشكل فجائي… إلخ) التي يمكن التغاضي عنها في ظلّ جماليات تصوير وإخراج الفيلم. فقد نال هذا الفيلم في العديد من المهرجانات جوائز من بينها، جائزة أحسن مخرج في المهرجان الدولي للسينما والسمعي البصري «FESTICAB « بورونديا، وكذلك جائزة أحسن دور نسائي في المهرجان الوطني للفيلم في طنجة.
ناقد مغربي
عزالدين بوركة