ضمن الاستعادة الدائمة لثيمة الهولوكوست والمعضلة اليهودية يأتي مسلسل «عبر الأطلنطي» في سياق هذا التكوين ليصطف مع مئات الأعمال التي ما فتئت تُستعاد لدى صانعي الدراما والسينما في الغرب، من منطلق السعي الدائم لتقديم هذه الثيمة بأشكال جديدة، على الرغم من أنّ هذه الأعمال تبقى في الدائرة عينها، على عكس الدراما العربية، التي تبدي أحياناً تبرماً من أو تجاهلاً تجاه مشاكلها التاريخية والمعاصرة، إذ غالباً ما يفضل صانعو الدراما التركيز على حقبة ما قبل الاستقلال بداعي تسرب الملل أو التبرم تجاه هذه القضايا، أو نتيجة حساسية سياسية، أو تاريخية… على عكس التعاطف الغربي على مستوى القارة مع المعضلة اليهودية التي تبقى الأكثر جاذبية لصانعي السينما بداعي عوامل كثيرة.
في سياق جملة الأعمال الغربية الأكثر شهرة يمكن أن نستعيد بعض الأعمال المحورية، منها يوميات «آن فرانك»، وهي عبارة عن يوميات فتاة يهودية صغيرة تدعى آن فرانك، قضت عامين تختبئ مع عائلتها من النازيين في مخبأ سري في أمستردام، فضلاً عن فيلم «قائمة شندلر» لتوماس كينيالي. وهناك فيلم «العازف» لفلاديسلاف شبيلمان، كما فيلم «القارئ»، وغيرها الكثير.
البحث عن رؤية جديدة
الثيمة المحورية للمسلسل تُعنى بمحاولات خروج اليهود من أوروبا في 1940، غير أنه يعتمد في خطابه على متعلقات السينوغرافيا، التي بدت موفقة من حيث اختيار الأماكن، والإكسسوارات والإضاءة كما الملابس، وتضمين المسلسل أكثر من لغة للتعبير عن نموذج ثقافي متعدد، وهذا ينعكس على استجلاب ممثلين يتكلمون لغات فرنسية وألمانية وإنكليزية، وهذا ينسحب على الرؤية التي ينطلق منها بهدف إضفاء جاذبية على المسلسل، الذي يستثمر معاناة المثقفين اليهود في كل من فرنسا وألمانيا ومحاولات هربهم من المحرقة، وعمليات القتل والاعتقال من جانب النازيين.
المسلسل من إعداد آنا وينغر ودانييل هيندلر، وفيه تستثمران شخصيات واقعية تاريخية مع أخرى مبتكرة أو متخيلة، وهكذا نواجه حشداً من شخصيات تحيل إلى كل من هانا أرنت ووالتر بنيامين وشاغال وماكس أرنست ومارسيل ديشامب، وغيرهم من الذين يمثلون صفوة الكتاب والعلماء الألمان اليهود، مع التركيز على نضالهم من أجل الخروج من أجواء الرعب التي نتجت بفعل الاضطهاد الألماني النازي. لقد سعى معدو المسلسل إلى محاولة البحث عن قالب جديد بغية تقديم متلازمة الهولوكوست عبر مستويين متناغمين، وهما الشكل والمضمون، إذ يتضح المستوى الأول عبر الإخراج الذي حاول صانعو المسلسل أن يجعلوه مغايراً فأوجدوا دراما تمزج بين الجدة والكوميديا والرومانسية، فعمدوا إلى تكوين علاقات بين الشخصيات ضمن تركيز واضح على الخلفية الطبيعية، كما تتجلى في مدينة مرسيليا الفرنسية، مع اختيار دقيق للأماكن من جهة، في حين جاء الاتكاء على مرجعية واقعية للشخصيات ـ من جهة ثانية – لاسيما الشخصية المحورية، ونعني صحافي أمريكي اسمه «فاريان» يترأس جمعية أمريكية لمساعدة اللاجئين اليهود للخروج من جحيم النازية، مع التركيز على شخصيات يهودية: ألمانية وفرنسية معظمها ينتمي لطبقة المثقفين والكتاب والرسامين، وباستثناء هذه الشخصيات فقد تم توليد شخصيات متخيلة كي تقدم طبقة من التخييل في سياق الأحداث الواقعية، حيث تمكن «فاريان» من مساعدة أكثر من 2000 يهودي للخروج من فرنسا وألمانيا.
المعضلة الأخلاقية
يمكن اختزال حبكة المسلسل الذي جاء في حلقات قليلة العدد عبر التركيز على جميعة أمريكية ناشطة في مرسيليا تُعنى بمساعدة اللاجئين اليهود من أجل تهريبهم إلى العالم الجديد، وهي خدمة تكاد تقدم للكل، بيد أن هدفها يذهب للتركيز على قائمة تضم أسماء أهم الكتاب والفنانين اليهود الذين يعدون من أصحاب الأولوية، ومن هنا نواجه السؤال الأخلاقي الأول في ما يتعلق بالباقين، وهي أسئلة تتداول بين أعضاء هذه اللجنة التي تتكون من الصحافي «فاريان» كما الفتاة الأمريكية – ابنة رجل أمريكي ثري، تظهر كفتاة مدللة، غير أنها مؤمنة بقضيتها حيث تسعى لتقديم كل ثروتها، كما قيامها بمهمات خطيرة لمساعدة اليهود، كما تقع في غرام شاب ألماني يهودي يتخلى عن تأشيرة هجرته لأمريكا من أجل مساعدة الجمعية، وهناك بعض الموظفين علاوة على بعض موظفي السفارة الأمريكية المتعاطفين مع القضية باستثناء القنصل الذي يدين في منهجيته لمفهوم الرأسمال، وهنا تتقاطع شخصيات عدة من أجل تحقيق هذه الغاية، ولاسيما من الفرنسيين والبريطانيين والألمان، كما بعض الافريقيين الذين ينتمون للمستعمرات الفرنسية.

تواجه عمليات التهريب عوائق كثيرة منها تواطؤ حكومة «فيشي» وقوات البوليس الفرنسي التي تعتقل اليهود، وتحاصرهم، وهنا تستمر معالم المعضلة الأخلاقية بين من يؤمن بالرؤية الألمانية من الفرنسيين، ويساعدهم، في مقابل من يرغبون في المقاومة، ومن هنا تتشكل تقاطعات كثيرة في تعريف المبدأ الأخلاقي الذي يطرح في غير مرة حول الإيمان بهذا الدور الذي يقوم به المتطوعون، فالشعور بأن مساعدة بضع مئات من اليهود، ولاسيما مع وجود الملايين يبقى جزء من المسألة الأخلاقية، بالتوازي مع الخوف من التداعيات الأمنية، كما التخلي عن المشروع برمته، والتمتع بحياة طبيعية، لاسيما لدى الأمريكيين المتطوعين.
يهدف المسلسل إلى تقديم توجهين لما يكمن في العقل البشري ونعني مقدار ما يتمتع به من قيمة أخلاقية في مواجهة قرار الاختيار، غير أن هذا السؤال يبقى قاصراً، ولاسيما حين نرى أن فعل الاستثمار في المشكلة اليهودية قد استجلب مشكلة أعمق، ولكنها لم تلق الأثر الأخلاقي عينه من الأوروبيين أو الغربيين، بالتوازي مع اعتماد مبدأ السؤال الأخلاقي حين تم إحلال شعب مكان شعب آخر.
بيد أن المعضلة الأخلاقية تُستعاد حين نرى خلية المقاومة التي تتشكل من قبل أبناء المستعمرات الفرنسية، ونعني «الأفارقة»، بالإضافة إلى عرب مغاربة وجزائريين وغيرهم، غير أنّ التركيز يتجه للأفارقة، بل إن المقاومة الفرنسية الحقيقية قد تشكلت من أبناء المستعمرات، كما يتضح من رسالة المسلسل، ففي أحد الاجتماعات يقول أحدهم إننا بمجرد أن نتخلص من النازيين سنقوم بتوجيه بوصلة المقاومة ضد المستعمرين، أو الأبيض الفرنسي، ومن ثم تتجه العيون نحو الشاب اليهودي المشارك معهم الذي يسارع للقول: «أنا يهودي» بغية تقديم تعريف مغاير للرجل الأبيض، فيأتي رد بعض أعضاء الخلية حين يقولون: ومع ذلك فإنك ما زلت أبيض…
هكذا يمكن تشكيل محور قيمي وأخلاقي، عبر محاولة نبذ النظرية العرقية بغض النظر عن مركزيتها، فثمة قيم أولوية، من منطلق أن الأفكار الفاشية والنازية هي الأكثر ضراوة، في حين يجب أن ترجأ باقي أنواع الصراع لحين انتهاء هذه المهمة. تقدم المواقف الأمريكية في إطار ذكي، حيث تعكس أحداث المسلسل انقسام الأمريكيين بين توجهين: الأول مؤمن بقضية المقاومة، والإنسان، والوقوف إلى جانب الحلفاء، وآخر يعنى فقط بالمصالح الأمريكية، كما القنصل، وشريكة صاحب شركة الحاسبات، الذي يحاول أن يسوق بضائعه لا في فرنسا وإنكلترا فحسب، إنما أيضاً في ألمانيا عينها؛ ما يعني أن النموذج الرأسمالي لا يهتم بأي قيمة حقيقية أو أخلاقية سوى تحقيق الربح؛ ولهذا يبرر رجل الأعمال ذلك بأن البضائع لا تعني تقديم منتج، ولكنها تقديم أمريكا وثقاتها، وينعكس هذا مشهدياً عبر متابعة الانتخابات الأمريكية بين روزفلت الديمقراطي والمرشح الجمهوري وينديل ويلكي، فيخيب أمل القنصل حين يفوز روزفلت الذي يغير موقفه لاحقاً بخصوص البقاء على الحياد في الحرب، ويتدخل لصالح الحلفاء ضد دول المحور؛ ولكن هذا قد يسبب ضرراً لبعض أصحاب المصالح الأمريكية، ومن هنا تؤطر في علاقات القنصل مع الشركات ومحاوله تدمير الجمعية الأمريكية التي تعمل لإغاثة اليهود، بل التسبب باعتقال مواطنين أمريكي عبر الوشاية بهم للشرطة الفرنسية، علاوة على وجود خيانة من داخل القنصلية من قبل السكرتيرة التي تقوم بزرع أجهزة تنصلت في الجمعية، مع تقديم تقارير للاستخبارات الألمانية.
اليهودي ومفهوم الوطن
يعتمد المسلسل على مقولة القدرة على هزيمة الشر والقبح، لاسيما من قبل الخير والجمال والفن والثقافة، ولهذا تتخذ مجريات الحياة اليومية في الفيلا التي يختبئ فيها الفنانون والكتاب اليهود صيغة سردية تعتمد الكثير من الحوارات التي تتعلق بقبح العالم، وعدم فقدان الأمل، كما إقامة حفلات موسيقية، وغناء من أجل تجاوز الخوف والرعب، ولعل بعض المشاهد التي تتعلق ببعض الفنانين والكتاب تعدّ من أكثر محاولات المسلسل تقديم تصورات لوعي هذه الشخصيات الداخلي، ومنها الفيلسوفة الألمانية هانا أرنت، التي في أحد حواراتها تظهر حنيناً لموطنها الأصلي، ولغتها الألمانية، وتعلقها بهما، كما الفنان شاغال الذي لا يرغب في مغادرة فرنسا التي عاش فيها سنوات كثيرة. ولعل هذه الجزئية تظهر قدراً مهما من التمكين لمقولة بأن اليهود كانوا جزءاً من الثقافة الأوروبية، ولم يكن لديهم أي تصورات بخصوص النموذج الصهيوني الذي تمكن من تفعيل هذه الأفكار -لاحقاً – ونشرها في أوروبا عبر استثمار مفهوم الضحية من أجل توطينهم في فلسطين، وهذا ينسحب على كثير من المفكرين الألمان الذي يظهرون رغبة في أن يبقوا في وطنهم، ولهذا تقول الفيلسوفة هانا أرنت: بأنها باتت بلا جنسية، بلا وطن، شخص مقتلع، فهي تبحث عن وطن، وتسعى للحصول على تأشيرتها للولايات المتحدة الأمريكية.
بين ثنايا المسلسل نقرأ إشارة لأحد أعضاء الخلية حين يصرح بأنه قام بتهريب بعض اليهود إلى فلسطين، ومن ثم نرى في مشهد آخر المفكر والفيلسوف والتر بنيامين، وهو يلهث محاولاً تجاوز الحدود الفرنسية والٍإسبانية… يحمل حقيبته التي تحتوي على مخطوطته التي يحرص كل الحرص على أن تنشر بعد موته، كما نراه أيضاً متوتراً كئيباً كثير التدخين، لينتهي في مشهد أخير، حيث نراه ممدداً على سريره بعد أن انتحر بتناول جرعة من الدواء ضمن صيغة توافق مع الواقع، في الجزء الأخير تنجح الجمعية في تهريب عدد كبير من اليهود عبر سفينة من خلال مساعدة يقدمها قبطان سفينة.
يهدف المسلسل إلى تقديم توجهين لما يكمن في العقل البشري ونعني مقدار ما يتمتع به من قيمة أخلاقية في مواجهة قرار الاختيار، غير أن هذا السؤال يبقى قاصراً، ولاسيما حين نرى أن فعل الاستثمار في المشكلة اليهودية قد استجلب مشكلة أعمق، ولكنها لم تلق الأثر الأخلاقي عينه من الأوروبيين أو الغربيين، بالتوازي مع اعتماد مبدأ السؤال الأخلاقي حين تم إحلال شعب مكان شعب آخر؛ ما يعني عواراً على المستوى الأخلاقي، غير أن هذا المسعى نستطيع أن نراه في مشاهد محاولات للاجئين لعبور البحر، وغرق بعضهم، وكما أيضاً مشهد التظاهر في مخيمات اللجوء، أو مسيرهم في قوافل تشبه قوافل اللاجئين الفلسطينيين في النكبة، بالإضافة إلى مشاهد نراها يوميا ـ في الزمن المعاصر- ونعني رحلات اللجوء التي تعبر البحر الأبيض المتوسط، وهنا علينا أن نتأمل ملياً بأن جوهر هذه الممارسة واحد، غير أنها تتخذ اختلافها من سياقات الإنسان، وانتمائه، كما الزمن والمكان.. وهذا يقودنا إلى معضلة الدراما العربية التي تبقى غير قادرة على تحقيق إنجازات حقيقية في هذا المستوى، على الرغم من وجود بعض المحاولات هنا وهناك، ولكنها تبقى نتاجات محدودة التأثير عالمياً بسبب اللوبي الصهيوني، كما أنها تعاني من معضلة التعبير عن هذه القضايا بحذر، بالإضافة إلى نقص التمويل ما يحول دون بناء قيمة احترافية لهذا الفعل بوصفها صناعة أيضاً.
كاتب أردني فلسطيني