أُطلقت تسمية الشعر الاعترافي على الشعر الذي يعكس انفعالات شاعرهِ دون اعتبارات اجتماعية وتقييدية لغوية، أي هو الشعر المتحرر من قيود اللغة الجمالية والمخترع لقواعدهِ الجمالية الشعرية الخاصة، حيث تتكون تركيبته الأساسية من الصدق أولاً، والتجربة الحقيقية، واللغة كما ولدتها القريحة الشعرية تحت تأثير ذلك الانفعال نفسه، دون تلطيف أو تليين لغوي، مستخدماً بذلك ذكريات الطفولة المؤذية، والعلاقات العائلية المأساوية، والحياة العاطفية المضطربة، وهو بالتالي شعرٌ يعترف بشاعرهِ بقدر ما يعترف شاعره به. إن الشعر الاعترافي هو الشعر الوحيد الذي يتضمن جانباً تحليلياً نفسياً لنوازع الإنسان وانفعالاته العاطفية وحالاته النفسية المرضية، بلا قيود من أي نوع، على الرغم من أن كتابه كانوا على قدرٍ من المعاناة من العلل النفسية الواضحة، والاضطرابات الذهنية الاكتئابية التي توحي بالجنون، وعانوا ما عانوه من المصحات النفسية والصدمات الكهربائية، ولهذا الأمر وحدهُ سخريةُ لاذعة، إذ إن المعتلين أنفسهم شرحوا وحللوا عللهم، بل عالجوها في بعض الأحيان، بنفسهم فقط. قد تلمح لنا هذه الحقيقة أن هذا الشعر يقتل صاحبه، لكني أصر على أنه قد قام بحماية حياتهم وإطالة عمرها كل هذه المدة قبل الضربة الأخيرة القاضية، لأن الشعر بالنسبة لهم كان مشروع حياة وعلاج، لا مشروعا إبداعيا حسب، والشعر القائم على هذا الأساس لا يمكن المس بقضيته مثل أي نوع شعري آخر، بل هو مهيب وجليل، لأنه يفوح برائحة الموت الحي، ينقل اللوحة النارية التي كانت تحتل عين صاحبه، يحمل معاناة صادقة وشعرية حقيقية يفتقدها الشعر المجوف الذي يلهث وراء عظمة اللغة البالية، والجماليات الشكلية المزيفة.
إن هذا الشعر، لكاتبهِ وقارئه، هو أداة لتغيير النظرة النمطية عن معاناة النساء أيضاً، خاصة عربياً، وسبر أغوار النفس البشرية وعقدها النفسية، فالشعر الحقيقي يوحد بين شركاء الأسى المدركين لأساهم، وهؤلاء الذين لا يمتلكون إدراكاً كافياً لذاكرتهم لِأن يفهموا حقيقة ذواتهم. وفي مقالٍ آخر تحدثت فيه عن أهمية شعر المرأة والعائلة، أن يُروى عربياً من قِبل المرأة نفسها، فهذه الفجوة في الشعر لا يمكن سدها بتكهنات شعرية ونظريات ذكورية، مهما بعد عمقها، دون مساهمة المرأة الشاعرة في ملئها.
إن السريالية في الشعر الاعترافي، تمثل حقيقة الواقع المأساوية التي كان يعانيها شعراؤه، فالصدمات العاطفية الفذة التي نواجهها في استعاراتهم هي انعكاس صادق عن الذات الشاعرة المُقاسية كما هي في الواقع، دون تزويق ولا تقييد، ولا زخرفة بلاغية من أي نوع، بل بصور شعرية غرائبية تمثل مرآةٌ من الماضي تتصل بالحاضر لتؤدي وظيفة الإفصاح عن النفس الشعرية. لا تسقط موضوعاته عن الأنا والأنا الأخرى، عن شعور الغضب وعدم الرضا بما عاناه الشاعر عند طفولته، السخط والخذلان المكبوت ضد آبائهم، الأب الذي مات مبكراً، الأب الذي عنفه، الأب الذي هجره، ثم الأم التي تفرق بين أطفالها، أو الأم التي تجبر ابنتها على أن تكون ما حققتهُ هي، أو ما لم تحققهُ، وقضايا البنوة اللانهائية منعكسةً تماماً في هذا الشعر، بالإضافة إلى ما تحمله فترة المراهقة، ثم فترة النضج، من كره أو حب مفرط للآخرين، أو ازدراء مجحف أو تقديس مغالٍ لهم، كل تلك الموضوعات التي يعري الشاعر نفسه من خلالها، والتي لا يعريها أمام المعالج النفسي حتى، نجدها بصورة سريالية جلية، بكاءةً مرةً، وساخطةً مرة.
الشعر الاعترافي يحمل من الغضبِ والسخطِ ما لا يحملهُ شعرٌ آخر، هو شعر مريرٌ في حقيقته، غير مرغوب بصدقه، لأن الصراحة غير مرغوبة في الأحاديث اليوميَة، وثقيلة على المسامع، فكيف بها حين تكون شعراً، بكل ما تحملهُ من صور شعرية صارخة، وصوت صادح بكل ما لا يُجرؤ قوله، وغرائبية لا يستسيغها التقليديون، واستعاراتٍ لا يستقبلها المتحفظون.
وبالنسبة لحال العرب في مواجهة هذا النوع من الشعر، الذي أجرؤ على أن أقول إنه لا تُطلق عليه تسمية ما، بل يواجه الإهمال والتهميش، لأنه يخالف معايير الشعر العربي السائدة والتقليدية، فيهمش شاعره أكثر من كونه مهمشاً من الداخل، ولا تلقى محاولات التجديد، البسيطة مثل هذه والعميقة على الأمد البعيد، حفاوةً مناسبة، بل اعتادت القامات الشعرية والنقدية التقليدية على قتل هذه المحاولات في مهدها، دون أدنى شعور بالذنب، رغم أننا اليوم علينا أن نسمي هذه الحركات المهمة باسمها، ونشجعها لنتقبل الاختلاف ونتذوقه شعرياً، وسأسقط هذه الرؤية على بضع قصائد لشعراء عرب انتهوا نهايةً مأساوية، ولم يروا ما يجب أن يروه في تقليد شعرهم قلادة الإبداع المُقاسي، كثأرٍ لهم، وهم الذين لا يختلفون عن رواد الشعر الاعترافي في الغرب، أو أي حركة تجديدية ظهرت إثر حربٍ ما، سوى بالتشجيع، ونحن أجدر بمثل هذا الشعر، لأن تاريخنا لا يخلو من فترة قصيرة من الحروب والمعارك، وذلك كفيل بأن لا تكون البيئة مشلولة بالتراث الشعري ومقيدة بالضوابط الأدبية المعتادة، إن الفرق الوحيد بين هنا وهناك، هو التربة النقدية الخصبة لتحليل وتشجيع المدارس التجديدية الشعرية لديهم، ومعرفتهم الكاملة بأن الشعر ليس مجرد فن جميل لا يعكس صاحبه، أو مسألة رياضية قواعدية يجب الالتزام بها! والدليل على ذلك، أن الشعراء التجديديين، أو قل الشعراء الذين كتبوا ما يشعرون به ببساطة ووضوح ودون تقيد، نُبذوا، وويلٌ للشاعر الذي يُنبذ من بيئتهِ! إن الشعر الاعترافي باللغة العربية يتفوق بالطبع على مقابله في الشعر الإنكليزي، لأنه يتميز بالترابط الحساس بين المفردات، والتعبير الذي يخدم قضية شعرٍ من هذا النوع، والغنائية التي تلتزم باللغة الذهنية أكثر من الشكلية المعتادة، فكما قلتُ مرةً في مقالٍ آخر، إن اللغة الإنكليزية توحي إلى أن الحالة النفسية مثل نهرٍ يغطس فيه الإنسان، مع قابلية خروجه منها أو لا، بينما اللغة العربية تعاملها كجزءٍ لا يتجزأ من نفس الإنسان.
إن كان هنالك تعليل معين يعول عليه الخبراء لتفسير النزعة للانتحار، هو شعور الذات بأنها عديمة القيمة، لها وللآخرين، وإن أعمالها لا جدوى منها طالما أنها لا تثير مشاعر تقديرٍ أو حب لدى أحد. فالشخص الذي يفكر بالانتحار ليس جباناً، لكنه لم ينِل ما يحتاجهُ من حب واحترام حسب، حتى من قبل نفسه. ولنأخذ مثالاً على هذا، سيلفيا بلاث، شاعرة لطالما تحدثوا عن جمالية مأساتها ورقتها، لطالما اختزلوها في نصٍ نقدي، أو قصيدة متغنية، متناسين أنها إنسانة وليست أسطورة، وأن هناك، خارج رؤاهم الأدبية وأوراقهم النقدية، يوجد مليون سيلفيا – حرفياً- تنتحر كل عام، ولم يتساءل شخصٌ، لِم كانت محاولتها الأخيرة هي الضربة القاضية ولم تكنها سابقتها، على الرغم من أنها حاولت الانتحار بطرقٍ عدة طوال حياتها، لكن الأخيرة كانت مدروسة بدقة وإرادة واثقة. وبوسع أي قارئ مثلي يمكن أن يخمن أن سيلفيا كانت تهرب من اكتئابها لتُجيد الكتابة والشعر، كان لديها دافع للنجاة وأمل في الحب، بسبب رغبتها الكبيرة لأن تكون شاعرة ناجحة حسب، أو أن تكون شيئاً مهماً ومحبوباً.. ولما وجدت الحب وفقدته، ولما وصلت للنجاح وخسرته، ثم انجرفت بمهنةٍ اعتيادية وحياةٍ روتينية لم تتخيلها لنفسها، خسرت كل خيطٍ يمكنه ربطها بالحياة، وقررت وضع رأسها في الفرن بعد أن أمنت أطفالها. هنا ضوء يُسلط، رمادي بلونِ الاكتئاب، على الشعر الاعترافي لهؤلاء المنتحرين أو المكتئبين، الإرث المنسي البراق، الذي لا ينتمي لكتابه حسب، بل يحملهُ كل إنسان في جوفه كما يحمل قلبه، وهو بمثابة الراية البيضاء التي رفعوها دوماً في وجه الحياة ولم يرَ لونها أحد.
الشعر الاعترافي يحمل من الغضبِ والسخطِ ما لا يحملهُ شعرٌ آخر، هو شعر مريرٌ في حقيقته، غير مرغوب بصدقه، لأن الصراحة غير مرغوبة في الأحاديث اليوميَة، وثقيلة على المسامع، فكيف بها حين تكون شعراً، بكل ما تحملهُ من صور شعرية صارخة، وصوت صادح بكل ما لا يُجرؤ قوله، وغرائبية لا يستسيغها التقليديون، واستعاراتٍ لا يستقبلها المتحفظون. كما يتضمن الشعر الاعترافي، وما يشترك به شعراء العرب والغرب، هو أنه منصة لرفض الحرب ومناهضته، ميدانٌ لاستعراض الخسارات الجسدية والمادية بحروبٍ لم نخترها، بقذائف ورصاصٍ لا نعرف سببها، شعرٌ يفوحُ منه عطر دماء الأبرياء، واللون الأحمر الذي ينساب على الأمكنة المقصوفة ليذكرنا بماضيها المزهر مع أشخاصها، الشعر الذي يقولُ ما اعتملتهُ أنفسنا حين خرجنا من حروبٍ لندخل في حروبٍ أخرى قبل أن ندرك الأسباب، والخسارات، والنتائج التي ستتغلغل في دواخلنا إلى الأبد، يقول ما نقوله حين نجلس مجتمعين أمام أخبار القتل والفساد السياسي في التلفزيون الآن.
تحثنا جمالية الشفافية في هذا الشعر، والفلسفة الوجودية الكامنة فيه، إلى تقديرٍ إجباري لتركيبته الأدبية، ولغتهُ الشعرية المجددة، وتشجعنا مراراً وتكراراً على تعرية ذواتنا ووجودها في شعرنا، على خطى الشعراء العظام السالف ذكرهم وغيرهم الكثير، والذين إن أردنا الثأر من مصيرهم، علينا أن نتعلم كيف نفهمُ أنفسنا والواقع، أن يدرك الشاعر نفسهِ بالشعر، ويدرك الشعر قارئهُ. «أملنا، في الذين لا أمل لهم» يقول عبد الأمير جرص من قبر غربته ومنفاه.
كاتبة عراقية