يمكن اعتبار هذا العام هو عام الإشارات المتناقضة ومحاولات العرب البحث عن إجماع بشأن إعادة سوريا للحظيرة العربية بعد سنوات من عزلة نظام بشار الأسد عن سياقه العربي، نظرا للمعاملة القاسية التي مارسها ضد المتظاهرين السلميين الذين طالبوا مثل بقية الجماهير العربية بالحرية والكرامة الاجتماعية ليقابلوا بالدبابات والرصاص والسجن والتشريد.
ومنذ بداية الانتفاضة التي تحولت إلى حرب أهلية لم يبق من سوريا إلا بقاياها أو ما يحب بشار الأسد إطلاق عليها «سوريا المفيدة» التي استطاع بدعم من الميليشيات المدعومة من إيران والطيران الروسي استعادتها من المعارضين الذين أجبرهم قمع النظام على حمل السلاح.
وسوريا المفيدة هذه مثقلة بالعقوبات وتحولت إلى «جمهورية مخدرات» باتت مصدر مادة امفيتامين أو كبتاغون التي غمرت الأسواق في العالم العربي، خاصة الأردن والسعودية. ومن هنا نفهم سر المحاولات العربية «تطبيع» العلاقات مع نظام الأسد، فهي إما مدفوعة بتحولات إقليمية أو مصالح فردية، منع المخدرات واحد منها أو أنها محاولات تدعمها دول مثل روسيا التي حاولت الدفع بتطبيع العلاقات السورية- التركية، وسط تحول موضوع اللاجئين السوريين في تركيا إلى ورقة انتخابية ومحاولة للتأجيج ضد النظام الحاكم ونيل الأصوات.
بقاء النظام
وفي الحالة العربية، قال وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان أثناء مشاركة له بمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام إن «الوضع الراهن» لم يعد قابلا للبقاء. وهناك شعور أن نظام الأسد قد انتصر في الحرب على المعارضة التي لقيت دعما من دول الجوار التي كانت تأمل بالإطاحة به، ومولت جماعات المعارضة ودفعت الولايات المتحدة لتدريب المقاتلين السوريين في مهمة أشرفت عليها المخابرات الأمريكية ولم تطل الجهود الأمريكية كثيرا، ولم تحقق نتيجة على الأرض، حيث تبنت لاحقا المقاتلين الأكراد الذين رأت فيهم حليفا جيدا لمكافحة تنظيم الدولة الإسلامية الذي سيطر على مناطق واسعة في سوريا والعراق. ولا بد من الإشارة أن دولا عربية أبقت طوال السنوات الماضية على وجود دبلوماسي في سوريا رغم طرد نظام دمشق من الجامعة العربية. وأضافت الهزة الأرضية التي ضربت كلا من تركيا وسوريا في 6 شباط/فبراير بعدا لهذه الجهود، فرغم أن الهزة ضربت مناطق خاضعة للمعارضة المسلحة شمال البلاد إلا أن نظام الأسد سارع لاستغلال الكارثة وأصر ورعاته على ضرورة مرور كل المساعدات الإنسانية من خلال المعابر الخاضعة لسيطرته. ولم تكن الجهود الدولية على نفس القاعدة التي حصلت في تركيا، واعترف منسق الجهود الإنسانية في الأمم المتحدة بالقصور في شمال سوريا، لكن الكارثة كانت فرصة للأسد للعودة إلى الأضواء حيث أصبح مركز اهتمام الدبلوماسيين والبعثات الإنسانية وسط اتهام المعارضة والمنظمات الحقوقية نظام الأسد باستخدام الكارثة لتبييض صفحته والعودة إلى المسرح الدولي. وأكدت الولايات المتحدة التي خففت بعضا من القيود وتسهيل المساعدات الإنسانية أن سياستها من النظام لم تتغير. لكن أحدا من الدول العربية ولا الغربية يتحدث اليوم عن إسقاط النظام أو تحقيق تسوية سياسية لا يكون الأسد طرفا فيها، فالجميع متفق ويشعر بالإجهاد من أن التخلص من النظام لم يعد على الطاولة. ووسط التغير في أولويات دول المنطقة والاصطفاف الإقليمي ومحاولة دول الخليج التركيز على قضاياها الداخلية فهناك اتجاه نحو دمشق، حيث فتحت الإمارات الطريق إليها قبل عامين، واستقبل الأسد في أبو ظبي ومسقط هذا العام، وزار عدد من وزراء الخارجية العرب الأسد، من الإمارات والأردن ومصر وكان وزير الخارجية السعودية آخر القادمين إلى دمشق، حيث سبق هذه زيارة لوزير الخارجية السوري، فيصل مقداد إلى الرياض حيث تم الاتفاق على إعادة فتح القنصليات واستئناف الرحلات الجوية بين البلدين.
مقعد سوريا
وتأتي الجهود الأخيرة بعد التقارب السعودي-الإيراني الشهر الماضي برعاية صينية وغياب أمريكي عن هذه الجهود إلى جانب التحضير للقمة العربية المقررة الشهر المقبل في الرياض، وهناك تكهنات حول إعادة مقعد سوريا ودعوة النظام إن لم يكن الأسد لحضورها، مع أنه لم تصدر بعد بيانات حول هذا الأمر. ورغم الدفعة الخليجية باتجاه سوريا ومحاولات التطبيع إلا أن الإجماع العربي على سوريا لم يتحقق بعد، ففي تقرير لصحيفة «وول ستريت جورنال» (12/4/2023) أشار إلى ما أطلق عليه «نكسة» للجهود السعودية لإعادة سوريا إلى الحظيرة العربية، وأن هناك خمس دول أعضاء في الجامعة تعارض إعادة مقعد الجامعة لها. وقالت إن الجهود السعودية هي محاولة لإظهار نفوذ ولي العهد محمد بن سلمان في وقت يقوم فيه الخصوم بترتيب علاقاتهم مع دول مثل سوريا وتحاول فيه كل من الصين وروسيا تحدي التأثير الأمريكي بالمنطقة التي تعاني من اضطرابات. وتضفي عودة سوريا إلى الجامعة العربية لو تمت في القمة المقبلة «شرعية» على أي جهد لإعادة العلاقات مع النظام بعد عقد من نبذه واستبعاده. ورغم الزيارة غير المعلنة لمقداد إلى الرياض إلا أنها أول زيارة لدبلوماسي سوري كبير إلى السعودية منذ عقود، وهو ما يصلح على زيارة وزير الخارجية السعودية في 18نيسان/إبريل. إلا أن الزخم الدبلوماسي العربي قوبل بمعارضة خمس دول عربية على الأقل، منها الكويت والمغرب وقطر واليمن وحتى مصر التي أعادت العلاقات في الأشهر الماضية والحليف الأقوى للسعودية تدفع ضد الزخم. وتشترط هذه الدول على الأسد التحاور مع المعارضة السورية قبل اتخاذ قرار بإعادة المقعد في الجامعة العربية أو التطبيع مع نظامه، وهو ما يعطي كل السوريين صوتا في تحديد مستقبل بلادهم. وتظل عودة سوريا إلى الجامعة العربية رمزية بقدر ما هي تحول في المواقف بالمنطقة وتدفع به مصالح كل دولة. ولا تحتاج عودة سوريا إلا لأغلبية بسيطة كي تعود إلى الجامعة إلا أن اجماع الدول العربية هو ما تحتاجه سوريا كي تقوم من خلاله الدول الأعضاء بالضغط على المجتمع الدولي لرفع العقوبات عن سوريا. يشار إلى أن مسؤولين عربا تحدثوا عن مطالب لدمشق بقبول قوات عربية لحماية اللاجئين العائدين والحد من النشاطات غير المشروعة في إنتاج وتصدير المخدرات إلى جانب معارضة الوجود الإيراني وتأثيره على البلد. وتريد دول عربية من النظام مطالب تتعلق بالعلاقات الثنائية، فالمغرب يريد من دمشق وقف دعمه لجبهة البوليساريو التي تطالب باستقلال الصحراء الغربية. أما الحكومة المعترف بها دوليا في اليمن، فتعارض انضمام سوريا إلى الجامعة العربية مباشرة، رغم دعمها للسعودية، وذلك لموقف دمشق الداعم للحوثيين في اليمن وفي الوقت الذي تشجب فيه دول عربية معاملة الأسد لشعبه إلا أنها تعترف بفشل سياسة عزل النظام السوري والتي لم تعزز إلا إيران وتأثيرها عليه. وقال هؤلاء المسؤولون إنه لو استجابت سوريا للمطالب هذه، فإنها ستعبد الطريق، ليس لعودة سوريا إلى الجامعة العربية بل وستحصل على مساعدتهم في المحافل الدولية والسياسات القاضية بفرض مزيد من العقوبات، من الولايات المتحدة أو الدول الأوروبية. وعلى العموم لم يظهر الأسد أي اهتمام بتغيير سياساته ومواقفه إلا أنه راغب بتحسين صورته وتسهم في وصول الدعم لإعادة بناء البلاد. وطلبت الولايات المتحدة والدول الأوروبية في لقاء مع الدول العربية ضرورة أن يكون لديها موقف منسق من حكومة الأسد. وتدعم الدول الغربية وقفا شاملا لإطلاق النار وممرات آمنة للاجئين والإفراج عن المعتقلين السياسيين. مع أن وزارة الخارجية أكدت قائلة: «موقفنا من التطبيع واضح جدا، ولن نطبع العلاقات مع نظام الأسد ولن ندعم الآخرين الذين يطبعون في غياب تقدم حقيقي باتجاه الحل السياسي» وفي الشهر الماضي أرسل مسؤولون سابقون وخبراء في الشأن السوري، رسالة إلى الرئيس بايدن، عبروا فيها عن رفضهم للمحاولات العربية لتطبيع العلاقات مع سوريا بدون إصلاحات سياسية. وقالوا إنها تتعارض مع أولويات الأمن القومي وحقوق الإنسان الأمريكي، كما ورد في تقرير لصحيفة «الغارديان» (27/3/2023).
مكسب إيراني
وأي تقارب عربي مع نظام الأسد الذي نبذ بسبب الدمار الذي أحدثه على سوريا، هو مكسب لإيران وروسيا حسبما يرى موقع «بلومبيرغ» (5/4/2023) سواء توسعت الجهود السعودية والخليجية أم فشلت، مع اعتراف الولايات المتحدة أنها لم تعد قادرة على الوقوف في وجه الجهود هذه. ورأى الموقع أن خلف الحراك السعودي محاولة من ولي العهد تقديم بلاده كزعيمة اقتصادية وسياسية للعالم العربي. وحتى لو وافقت الجامعة العربية على عودة سوريا من جديد، فسيكون القرار رمزيا، لأن الجامعة التي مضى على تأسيسها 80 عاما لا تؤثر على السياسة وليس لقراراتها وزن في صناعة القرارات العالمية. ومع ذلك ستكون المصالحة مع سوريا ضربة للتأثير الأمريكي في المنطقة وتعزز من الإنقسام بين القوى الإقليمية والولايات المتحدة. وستكون مكسبا لإيران التي دعمت نظام بشار الأسد بالمال والسلاح ضد المعارضة التي كانت تريد الإطاحة به وتقيم علاقات مع سوريا منذ 1979. وأشار التقرير ان كلا من قطر والكويت تعارضان عودة سوريا إلى الجامعة العربية، مع أن هناك شكوكا حول قدرتهما للوقوف أمام المد ولوقت طويل. وفي شهادة قدمها وزير الخارجية أنطوني بلينكن أمام الكونغرس في 23 آذار/مارس قال فيها إن واشنطن حذرت من خطوات التطبيع مع الأسد، وإنها مع دول أوروبية أخرى اقترحت في مؤتمر متعلق بسوريا عقد في الأردن وحضرته السعودية، قيام الأسد بخطوات مثل الإفراج عن السجناء والحد من ممارسات قواته الأمنية، مقابل التواصل والتطبيع معه. وحذر مسؤولون أمريكيون سابقون عملوا في الشرق الأوسط في رسالة لجو بايدن وبلينكن من خطوات التطبيع وضرورة اتخاذ الإدارة خطوات لمنعها فهي «ضيفة النظر ومضرة لأي أمل للأمن والاستقرار الإقليمي».
إلى أي مدى؟
ولكن هل تجدي جهود التطبيع العربي، وإلى ماذا ستؤدي؟ ففي مقال لكيم غطاس بصحيفة «فايننشال تايمز» (26/4/2023) علقت فيه على زيارة وزير الخارجية السعودي الأخيرة لدمشق الأسبوع الماضي قائلة إنها كانت بمثابة فرحة للأسد وشعور بالغضب وحس الخيانة من ملايين السوريين. وقالت إن المعلقين العرب الذين رحبوا بالسياسات السعودية على تويتر وفي الإعلام العربي، أبدوا صمتا بعد زيارة الأمير فيصل. لأن التحول السعودي كان من الصعب تسويقه. مذكرة أنه في 2012 وأثناء قمة أصدقاء سوريا في تونس، ضغط السعوديون على وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون لتسليح المعارضة السورية. وأخبر مسؤول بارز في الوفد السعودي الكاتبة في ذلك الوقت أن الأسد هو محتل ولا بد من الإطاحة به. وفي ذلك العام وصلت حصيلة القتلى للمعارضة السورية حوالي 10.000. ومنذ ذلك الوقت قتل نصف مليون سوري على الأقل، وبسبب النظام السوري وحلفائه الإيرانيين والروس. واختفى 135.000 في أقبية الأسد وشرد الملايين. ولا يزال الأسد كما هو لم يتغير ولم يظهر أي ندم.
وتعتقد الكاتبة أن الطريق إلى دمشق والذي بات يسير فيه المسؤولون العرب تدفعه الواقعية السياسية: فلم يبق الأسد في السلطة بل وتسبب بمشاكل لجيرانه لا يمكن حلها بدونه. وترى الكاتبة ان جهود التقارب العربية مع سوريا لم تثمر أي شيء، وهي بدأت قبل أكثر من عامين، من الإمارات أولا ثم الأردن. ولوحظ غياب الولايات المتحدة من الجهود الدبلوماسية الأخيرة المتعلقة بسوريا. وهذا لا يعني أن الأسد قد يعود مرة إلى المسرح الدولي، لأن الثمن الأخلاقي للغرب سيكون باهظا. فالعقوبات الدولية المفروضة على النظام منذ سنين إلى جانب المحاكمات التي واجهت سوريين من حملة الجنسية المزدوجة في الولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا تقف في طريق عودة الأسد الرسمية للمسرح الدولي. ويواجه مهندسون لنظام الاعتقال والتعذيب الوحشي، مثل مسؤول المخابرات علي مملوك تحقيقات واتهامات كما أوردت صحيفة «نيويورك تايمز» (17/4/2023) في تقرير لها عندما تحدثت عن تحقيقات أف بي آي في مقتل ناشطة سورية-أمريكية، ثم هناك قانون قيصر الذي مرره الكونغرس عام 2019 والذي فرض عقوبات واسعة على أعداد من الأفراد والكيانات بمن فيهم غير سوريين وأطرافا ثالثة. ونتيجة لهذا فأي مسؤول يرغب بالتعامل التجاري مع سوريا سيفكر مرتين. وفي ظل موجة التطبيع العربي، فإن حدود ما يمكن أن يحصل عليه هو زيارات وترحيب في بعض العواصم العربية، فرئيس السودان السابق عمر البشير الذي ظل يتحرك على الصعيد العربي ويحضر اجتماعات القمة العربية، بما فيها قمة عمان في 2017 مع أن الأردن من الموقعين على وثيقة روما. بل وزار البشير الأسد عام 2018 في دمشق. لكن هذه الزيارات لم تنقذ البشير ولا نظامه. وفي النهاية فما حصل عليه البشير هو ما سيحصل عليه الأسد. فالعقوبات ستظل قائمة على النظام السوري، كما ظلت على نظام البشير التي لم تشطب إلا بعد الإطاحة به في 2019. ورغم الخلل في عملية التحول الديمقراطي في السودان وحرب الجنرالين في شوارع الخرطوم، فما جرى هو درس مهم للشخصيات البارزة التي بدأت بشق طريقها نحو دمشق. لأن التنازل للطغاة، سواء قابعين في قصور رئاسية أو من أصحاب البزات العسكرية، بدون نفوذ، ردع أو محاسبة وصفة للفشل المأساوي.