“باب الرحمة”.. معركة الاحتلال في نزع صفة “المصلى” عن المكان

سعيد أبو معلا
حجم الخط
1

القدس- “القدس العربي”:

ظهيرة اليوم الثاني من عيد الفطر الفائت وجد مصلون زاروا “مصلى باب الرحمة” شبكة الكهرباء فيه مدمرة، بحيث لم تترك شرطة الاحتلال مصباحاً واحداً يمكن إنارته.

في المقابل، ومع حلول المساء أكملت الأوقاف الإسلامية أعمال الترميم وتصليح الخراب، لكن بعد ساعات على ذلك عادت شرطة الاحتلال إلى تخريب المكان عبر سرقة تجهيزاته من جديد.

وبحسب المختص في شؤون القدس والمسجد الأقصى الباحث المقدسي زياد ابحيص فإن كل ما أهدي للمصلى على مدى سنوات قامت قوات الاحتلال بمصادرته، وأمام عدسات الكاميرات.

لم يتوقف الأمر على هذا النحو، فبعد إبعاد المصلين وطرد مجموعة من المعتكفات التركيات قامت شرطة الاحتلال باعتقال شابة تركية وأبعدتها عن الأقصى لمدة أسبوع، واقتحمت المصلى، الذي أنشأه الأمويون، بالأحذية مراتٍ عديدة وصادرت هويات المصلين فيه لترهيبهم.

أما صباح اليوم فكان الاقتحام الاستيطاني مركّزا على المصلى، حيث أدى المستوطنون صلاتهم التلمودية بالقرب منه.

بحسب الباحث ابحيص فإن الاحتلال يقود معركة لتغيير هوية المسجد الأقصى وإعادة تعريفه، ونقله من مقدس إسلامي إلى مقدس يهودي.

ونفذ عشرات المستوطنين اقتحاما لباحات المسجد الأقصى المبارك، بحماية شرطة الاحتلال الإسرائيلي حيث تقدمهم عضو الكنيست السابق المتطرف أيهودا غليك، حيث نفذوا جولات استفزازية، وأدوا طقوسا تلمودية في باحاته، واستمعوا إلى شرح حول “الهيكل” المزعوم، فيما تواصل شرطة الاحتلال فرض قيودها على دخول المصلين الوافدين من القدس وأراضي الـ48 للأقصى، واحتجزت هوياتهم الشخصية عند بواباته الخارجية، ودققت فيها.

فيما ذكر مصلون ومرابطون أن المستوطنين تعمدوا أداء طقوس تلمودية في المنطقة الشرقية من المسجد الأقصى، القريبة من مصلى باب الرحمة وهو فعل تمهيدي يحذر منه مقدسيون لكونه يمهد لمحاولات الاحتلال والجمعيات الاستيطانية، اقتطاع جزء من المنطقة الشرقية في الأقصى لإقامة كنيس يهودي.

ويعتبر مصلى باب الرحمة عملياً المدخل إلى التقسيم المكاني في نظر الاحتلال، بتجديد قرار إغلاقه وإعادة بحث أدوات فرض العزلة والقضم.

وتشير المعلومات إلى أن المصلى بقي حتى عام 1967 مصلى للمسلمين، ومن ثم تحول ليكون مقرا لمكتبة كلية الدعوة وأصول الدين، وفيما بعد استخدم مقرا للجنة التراث الإسلامي، إلى أن أغلق بقرار من شرطة الاحتلال عام 2003.

وقال الباحث في شؤون القدس راسم عبيدات، في حديث صحافي، إن معركة مصلى باب الرحمة القادمة ستكون الأشرس، لأنّ الاحتلال يريد أن يثبت عملية إغلاق مصلى باب الرحمة وفصله عن المسجد الأقصى، وبالتالي عدم استخدامه كمصلى.

المصلى والإحلال الديني

وبحسب المختص زياد ابحيص فإن معركة باب الرحمة تتجدد ضمن حرب وجودية على المسجد الأقصى، وإن تصاعد الصهيونية الدينية كتيار أساسي في الجماعة الاستيطانية وفي الأحزاب السياسية سمح لها بإضافة الإحلال الديني كبُعدٍ جديد إلى الطبيعة الإحلالية للاستعمار الصهيوني، إلى جانب الأرض والسكان؛ فباتت تستهدف مقدسات إسلامية بعينها بالإحلال، والمسجد الأقصى على رأسها حيث تسعى إلى إزالته من الوجود وتأسيس الهيكل المزعوم في مكانه وعلى كامل مساحته.

ويشدد ابحيص على أن الصهيونية الدينية أدركت منذ بدء مسار نفوذها الصاعد أن مثل هذا الحلم بعيد المنال؛ فالمسجد الأقصى إسلامي بكامل مساحته ومعالمه، والصلاة فيه هي حصراً للمسلمين، بل إن حق الدخول الحر إليه محصور بالمسلمين كذلك، فكان لا بد لها من بلورة إستراتيجية مرحلية قائمة على محاولة إعادة تعريف المسجد الأقصى من كونه مقدساً إسلامياً خالصاً إلى كونه مقدساً مشتركاً، تمهيداً لتحويله إلى مقدس يهودي خالص مع مرور الزمن.

ويرى أن هذه الإستراتيجية عبرت عن نفسها عبر ثلاثة مخططات مرحلية: التقسيم الزماني، ثم التقسيم المكاني، وأخيراً التأسيس المعنوي للهيكل بفرض كامل الطقوس التوراتية في المسجد الأقصى.

ويرى أن استهداف مصلى باب الرحمة يأتي في سياق ثاني هذه المخططات المرحلية من ناحية ترتيبها الزمني: وهو التقسيم المكاني، حيث ينظر الاحتلال إلى المصلى انطلاقاً من سابقتين أسس لهما: الأولى عام 2000 بمنعه للأوقاف من إخراج الردم المتبقي من فتح البوابات العملاقة للمصلى المرواني، وهو ما أدى إلى تكديسها في المساحات المزروعة بالزيتون في الجهة الشرقية من ساحة المسجد الأقصى، ما أدى إلى هجران تلك الزاوية من ساحة الأقصى عبر الزمن.

أما السابقة الثانية بحسب ابحيص فهي قرار محكمة الاحتلال بإغلاق مبنى باب الرحمة بصفته مقراً للجنة التراث الإسلامي التي قررت محاكم الاحتلال اعتبارها “منظمة إرهابية” وإغلاق مقرها، وكأنها تغلق شقة في زقاق هامشي، وهو القرار الذي أدى إلى إغلاق المبنى تحت وطأته. ورغم أن الأوقاف حافظت على عدم اعترافها به؛ إلا أن المبنى بقي مغلقاً طوال 16 عاماً ليفتح مرتين في السنة لتقديم اختبارات مدرسة ثانوية الأقصى الشرعية، أو كصالة شرف تستقبل فيها الوفود الرسمية الخارجية.

وكان مرابطون قد بادروا إلى محاولة معالجة الردم المتراكم بأدواتهم البسيطة في 2013 ثم في 2018 لتهيئة الجهة الشرقية من ساحة الأقصى للصلاة، حيث شعر الاحتلال أن تعويله على الزمن بدأ يفشل، فاستحدث نقطة حراسة فوق باب الرحمة في شهر 7-2018، وأخذ يراقب منها الساحة الشرقية ويبعد ويعتقل كل من يقترب منها للصلاة.

أما آخر الإجراءات بحسب ابحيص فكانت عبارة عن وضع قفل على البوابة الحديدية الخارجية لباب الرحمة في 16-2-2019 بينما كان الحديث عن صفقة القرن في ذروته، وهجمة التطبيع العربي يجري التحضير لها تحت الطاولة، فظن الاحتلال أن الوقت مواتٍ لقطف الثمار. فحضر الرد على شكل إرادة شعبية طالما كانت الدرع الحامي للأقصى، ففرضت “هبة باب الرحمة” فتح المبنى في 22-2-2019 وأعادته إلى أصله مصلىً وجزءاً لا يتجزأ من المسجد الأقصى.

ويمكن رؤية المصلى من خارج أسوار البلدة القديمة حيث يظهر الباب المزدوج الذي يعود إلى العصر الأموي، كقوسين كبيرين، أما من الداخل فالمكان هو قاعة كبيرة بمساحة 250 مترا مربعا، وبارتفاع 15 مترا، تعلوها قباب.

وبحسب الشيخ ناجح بكيرات، نائب مدير عام دائرة الأوقاف الإسلامية في القدس، فإنه يعلو هذه القاعة غرف كانت على مدى سنوات تستخدم مدرسة تسمى المدرسة الغزالية. أما من الجهة الخارجية للباب، فتقع “مقبرة باب الرحمة” المدفون فيها عدد من الصحابة.

المصلى بين عزلة وكسرها

ويشدد أنه منذ ذلك التاريخ والاحتلال لا يستطيع ابتلاع شوكة هزيمته في باب الرحمة، واضطراره للتراجع أمام عشرات آلاف المرابطين دون أن يمتلك الجرأة ليضغط زناد رصاصة أو قنبلة غازٍ واحدة، فبدأ يعمل على تجديد عزلة المصلى لإعادة إغلاقه، فيما كان المرابطون يخوضون معركة النَفس الطويل لكسر هذه العزلة، وهذا هو مفتاح فهم المعركة منذ ذلك التاريخ: فرض العزلة وكسرها.

ويضيف ابحيص في مقال له أن الاحتلال استخدم أدوات كثيرة لتجديد العزلة، حيث أخذ يبعد حراس المسجد الأقصى الذين يفتحون المصلى في كل يوم، فرد الحراس بفتح الباب بشكلٍ جماعي، وحين جرب أن يبعد مجموعات من الحراس بضربة واحدة دخلت عائلات القدس وعشائرها لتتعاهد على فتح المصلى بتناوب أسبوعي، فأدرك المحتل أنه يوقظ كوامن القوة المقدسية بعناده؛ فسلم للفتح اليومي لباب الرحمة في مثل هذه الأيام، بحلول الأسبوع الثالث من شهر 4-2019.

ويعتبر رمضان شهرا لتكريس المصلى واستعادة ارتباطه ببقية أجزاء المسجد بما يشكله من مدد بشري بالرباط.

ويرى ابحيص أن وراء ازدياد الإصرار الصهيوني هذا العام على المصلى أن الاحتلال استبق شهر رمضان بتجديد قرار إغلاق مصلى باب الرحمة في وقت مبكر عن موعد تجديده السنوي المعتاد في شهر يوليو، وأبلغ الأوقاف بالقرار مع تغطيته برسالة من وزير الأمن القومي المجرم إيتمار بن غفير الذي سبق له أن تلقى طلب إغلاق المصلى من قاعدة ناخبيه من جماعات الهيكل المتطرفة، ويبدو أنه كان يحضر لإغلاق المصلى ليكون الإنجاز التالي لرمضان مباشرة، بعد أن يحقق لهم ما يريدون من استفرادٍ بالمسجد الأقصى في الفصح العبري، لكن رياح الرباط جرت بما لا تشتهي سفينته.

ما المطلوب فعله؟

الأستاذ هشام يعقوب، رئيس قسم الأبحاث والمعلومات في مؤسسة القدس الدولية يقرأ أن محاولات الاحتلال في السيطرة على المصلى مرتبطة بتلك الصفعات المدوية التي تلقاها في شهر رمضان ومن جبهات مختلفة، حيث لم يكتب للاحتلال القدرة على منع الاعتكاف.

ويضيف أن الاحتلال يريد أن يحقق بعض الإنجازات أمام منظمات المعبد التي تدعم الحكومة الإسرائيلية وهي جزء منها، وبالتالي يسعى جاهدا إلى نزع صفة المصلى عن المكان وتحويله إلى مكاتب إدارية فارغة.

ويشدد على أن المطلوب يمكن تلخيصه بثلاثة محاور، أولها الرباط وتكثيفه داخل المصلى، ومغالبة الاحتلال عبر إصلاح كل ما يدمر الاحتلال، وضمان الوجود الدائم في المكان. وثانيها استمرار الموقف الصلب من كل المرجعيات الدينية والقوى الفلسطينية وكل المسلمين بحيث يستمر الوقوف أمام رغبات الاحتلال في تنفيذ القرار الإسرائيلي المتمثل في إغلاق المصلى، عبر تشكيل سد منيع في وجه القرار والمخطط الإسرائيلي. وثالثها استمرار المؤازرة والإسناد من الشعوب العربية.

أما ابحيص فيخلص إلى محصلة مفادها أن الاحتلال في معركته يدور بين سقفين: سقف محاولة إعادة إغلاق المصلى وهو صعب المنال وربما يجدد فتح أبواب المواجهة لو مضى إليه، وسقف إعادة بحث أدوات فرض العزلة والقضم وهذا ما علينا مواجهته بالنفس الطويل والرباط واجتراح الحلول والمفاجآت.

ويختم المختص بشؤون القدس ابحيص أن واجب المرحلة في جوهره هو منع الاستفراد بمصلى باب الرحمة، ومنع تجديد عزلته، والحفاظ عليه مفتوحاً لكل الصلوات دون استثناء وعلى مدار أيام الأسبوع، والحرص على امتلائه في كل صلاة جامعة، ونشر “عهد باب الرحمة” لكل من يستطيع الوصول إلى المسجد الأقصى، وهو عهد مع الله ينص على الصلاة في باب الرحمة لكل من يتمكن من الوصول إلى الأقصى.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية