صلاة في البتّاوين

إلى الشاعر حمد شهاب الأنباري

ما لا يُعرَف عن هذا الحيّ هو أن اليهود البغادة سكنوه في الثلث الأول من القرن الماضي – نحن نحكي عن التاريخ الحاضر لأننا أبناؤه – ثم قامت الحكومة (الوطنية) الملكية في ذلك الزمان بأعمال التهجير لليهود، وحثّت أوغاد الناس على القيام بأعمال (الفرهود)، وتعني هذه المفردة: غزو البيوت والمحلّات وسرقتها، وانتقل أغلب اليهود العراقيين بعد تلك الأحداث إلى إسرائيل، وسكن الحيّ الغجر والفقراء من العراقيين والمصريين والسوريين والإيرانيين، لكن حصّة السودانيين القادمين إلى العراق لغرض العمل منذ الثمانينات كانت الغالبة، ولهذا انتشرت في الحيّ المطاعم والمقاهي السودانيّة، كما أن أكثر هؤلاء جلبوا معهم نساءهم وأقاموا في المنازل التي هجّر منها اليهود، ورُزقوا بأبناء يتكلّمون اللهجة العراقيّة، وربما تزوّج السوداني امرأة عراقيّة أو مصريّة أو إيرانيّة أو سورية، وأنجبت له أولادا لسانهم سودانيّ وبشرتهم فيها اللونان، فصار المكان يضمّ كوكتيلا بشريّا لا شبيه له.
بقيَ الحيّ محافظا على طراز البيوت التي بناها اليهود في الثلاثينيات، وكان هؤلاء يمثّلون الطبقة الأرستقراطيّة في البلاد، وجاؤوا بأحسن الحِرَفيّين في البناء والزّخرفة والخطّ، فأقاموا لهم تحفا معماريّة لا تزال حيّة، وإن غلب على الحيّ اليوم الإهمال من ناحية النّظافة والتّبليط والإنارة، وغير ذلك، فينظر المارّ في شوارعه صورة فيها التّناقض لافت، فهناك الأزبال والمستنقعات، تخنق بيتا لثريّ بغداديّ أو وزير من ذلك الزّمان بأنفاسها النتنة، ويُحشَر فيه عدد من العوائل الفقيرة من الدول المحيطة كافة، ومعهم السودانيون، وقد تحوّل بعض البيوت إلى أمكنة للبغاء ولعب القمار، وتُعقد فيها صفقات بيع الأعضاء والهجرة غير الشّرعيّة، وكذلك تزوير العملة وبيع الأسلحة، كلّ هذا يمضي في الحيّ بشكل دائم، وبين يوم وآخر تداهم الشّرطة منزلا وتعتقل من فيه من رجال ونساء، وقد يتبادل الطّرفان ـ الشّرطة وأهل المنزل ـ الرّصاصَ فيكون ضحيَّته المارّةُ، ولهذه الأسباب صار حيّ البتّاوين من الأمكنة المعزولة عن الحياة السويّة. إنه لأمر يفتُّ في القلب أن تشهدَ اجتماع الفقر والعهر والقهر في مكان واحد، مع آثار الغنى التي مصدرها الماضي القريب، كأن القدر كان يتهيّأ لإخراج إحدى تمثيليّاته الهزليّة الحزينة، وهذا هو حال العراق منذ هجرة اليهود إلى الآن.
تفتح بابا خشبيا مزدوجا وتقطع مدخلا طوله متران ينتهي إلى حوش وسط البيت، تحيط به غرف النّوم والطّبخ والاستحمام، وثمّة إيوان مسقّف مفتوح على الحوش يماثل ما نسمّيه اليوم غرفة المعيشة، وفي بعض البيوت هنالك نافورة تحيط بها أشجار الرّمّان والتّين وشُجيرات الورد. الهواء في البيت بارد في الصّيف بسبب جدرانه السّميكة، وثمة سلّم يؤدي إلى الطابق الأول، حيث تتوزّع غرف النّوم التي تزيّنها شبابيك شبكيّة منحوتة تلتقي مع بعضها بعضا وتُدعى (شناشيل)، وما زالت واجهات الكثير من المنازل في الحيّ تحتفظ بها. وصف أرسطو المرأة في مؤلفه «كتاب السياسة» بأنها «طائر جميل تقتله الأقفاص»، وميزة هذه الشناشيل أنها تعطي النساء اللاتي يسكنّ خلفها شعورا بالانفتاح على الخارج، خارج المنزل، ومن هذه الشبابيك استقى بدر شاكر السيّاب عنوان ديوانه الأخير «شناشيل ابنة الجلبي» تُلفظ بالجيم المعطشة، واللفظة تركيّة تعني الرجل الذي ينتمي إلى طبقة النبلاء أو القادة في الجيش، أما في الزمن الحاضر فإنك تجد الشوارع هنا مكتظّة بعشرات الرجال والنساء بثياب تشبه الأسمال، مع جيش من الأطفال بسحنات مختلفة، وفي كلّ زاوية ظليلة رجل عاجز أو سكير يأخذ سنته من النوم، أو ترى امرأة شديدة الفقر تتطلّع إليك من بين الشناشيل ترجوك أن تقدّم لها المساعدة، أو ربما تحوّل البيت إلى مكان أثيم تباغتك فيه عاهرة مسنّة تدعوكَ لقضاء ساعة معها.

الفرهود الرّابع كان من حصّة أحزاب المعارضة للسّلطة الحاكمة السّابقة، الشّيوعية والإسلاميّة السّنّية والشّيعيّة والكرديّة، وكذلك البعثيّون الذين اختلفوا مع النظام، جميع هؤلاء تمّ إعدامهم أو سجنهم وصُودرت أموالهم المنقولة وغير المنقولة، والتهمة واحدة وهي خيانة الوطن.

لقد ذهب المجد من المكان، لكن الحياة لم تتغيّر، فهل تظهر من هذه المادة البائسة حياة ملوّنة بهيجة ذات يوم؟ كلّ ما مرّ صحيح وواقعيّ، إلاّ أن الأمر مختلف بالنسبة إلى السودانيّين الذين يعيشون في الحيّ، فالسوداني أنيق الملبس، وإن كان عامل بناء أو عامل نظافة، وكذلك المرأة، ويُزيدُ في حسن المرأة السودانيّة أنها لا تُرى في الشوارع إلا وهي زوجة مؤمنة صالحة، بين نساء الغجر والرّاقصات في الحانات والعاهرات في المواخير القريبة، اللاتي يشاركنها الزقاق نفسه أو البيت نفسه. من أين هبط علينا هؤلاء القوم، من أيّ كوكب ناءٍ؟ السوداني أمينٌ، مؤتمنٌ، وتوحي سمرته اللامعة للناظر بالثقة من مسافة ميل. والسوداني لا يأكل في الغربة غير طعامه، العصيدة والبلدي، الأولى من طحين الحنطة، والثانية من مسحوق الرزّ، مع نوعين من المرق: الملوخيّة خضراء اللون، والتّغَرِيّة التي هي عصارة اللحم. صاحبُ المقهى أو المطعم سودانيّ، ويمكن أن يكون عاملا، أو أنه زبون مثلي، فلا فرق بين الثلاثة – الصاحب والعامل والزبون – في محلّات السودانيين، كأن نوعا من اشتراكيّة صاغها هؤلاء دون تنظير وتعسّف وجور، فيعيش الجميع في رفاقيّة وصحبة سعيدة ونادرة. ويظهر السودانيّ بإبريقه «الجامبو» قبل موعد الصلاة بنحو نصف ساعة. يصبّ الماء على يديه، ويبسمل، ويفرك أصابعه الطّويلة جيدا كأنها تلطّخت بدماء هابيل. ويقرأ الرجل في الأثناء ما لا يبلغني من كلماته غير الهمهمة والدمدمة.

ثم يأخذ بدعك أذنيه الهائلتين بيديه، ويدخل أصابعه في ثقبيهما، إصبعا إصبعا، ويمرّرها خلف الصيوان، ويقطر من رقبته ونحره ماء الصلاة الطاهر، يصير بركة على أرض المقهى، حيث يعمل السوداني، أو يكون هو الزبون، أو زائرا يتلبّسه المكان، مثلي أنا، فينتمي إلى قومه. وتتسع بركة الماء، والسودانيّ يمضي في وضوئه: يمخط، ويتمضمض، ويشرب الماء، يدورّه كأنما في روحه النّقيّة، ثم يمجّه، ويهمهم في قلبه بكلمات لا ترى النور. وعندما يبلغ مرحلةَ مسح الذراعين، تكون بركة المياه على الأرض تكفي لأن يبحر فيها زورق صغير الحجم. أما وضوء القدمين، وفرك ما بين أصابعهما بالماء الطَّهور، فيحتاج هذا الفعل إلى مبحث خاصّ، وتتمّ هذه الأفعال بتفاهم بين السودانيّ وإبريقه الجامبو، وأمام الملأ من جمهرة حيّ البتّاوين.
كانت مأساة اليهود عندما أقاموا هذا الحيّ أنهم كمن يأتي بالمهد قبل الولد، ولكن أنّى لهم أن يعرفوا أن ألف عاصفة سوف تثور في فنجانهم؟ إن العيش في بلد غير آمن يتطلّب مهارة التّوازن في الفراغ، واستخدام الأطراف الأربعة حسب الطّرق التي لم يُرَد أن تُستخدم فيها، وأثبتت الأحداث أن تهجير اليهود عام 1948 ليس بداية أو نهاية القضيّة، ولا منجاة لأحد منها حتى ملك البلاد. في عام 1958 صار الفرهود الثاني، حيث سُلبت ممتلكات الملك فيصل الثاني واستعرضها (ثوّار) تموز في الشّوارع وبيعت في الأسواق، وجرى الأمر على رئيس الوزراء نوري السعيد وبقيّة رجال الحكم، وهناك من سلِمَ بيته من أعمال الفرهود، لكن حكومة (الثورة) قامت بمصادرة (فَرْهَدَة) أملاكه المنقولة وغير المنقولة، ثم سِيقَ إلى الإعدام أو السّجن المؤبّد. الفرهود الثالث كان في السبعينيات، حيث تمّ تهجير حوالي مليون من الشيعة العرب والأكراد الفيليّين بدعوى أن أصولهم إيرانيّة، رغم أن واحدهم لديه ما يثبت عراقيّة جدّه السابع والسبعين، وتمّ تسفير هؤلاء إلى الحدود الإيرانية بواسطة عجلات الحمل المكشوفة بثيابهم التي تستر أبدانهم. يبدو من الصعب تصديق ذلك، ولكني كنت هناك، ليس بالجسد إنما بالروح… ثم صودرت بيوتهم ومحلاّتهم.
الفرهود الرّابع كان من حصّة أحزاب المعارضة للسّلطة الحاكمة السّابقة، الشّيوعية والإسلاميّة السّنّية والشّيعيّة والكرديّة، وكذلك البعثيّون الذين اختلفوا مع النظام، جميع هؤلاء تمّ إعدامهم أو سجنهم وصُودرت أموالهم المنقولة وغير المنقولة، والتهمة واحدة وهي خيانة الوطن. إنه لأمر ممكن تماما أن يكون المرء وطنيّا غيورا على بلده وتُعطى له الأوسمة اليوم، لتُنزع منه في الغد ويُساق إلى ساحة الإعدام، فالوطنيّة والخيانة يجري عليها في بلداننا قانون (السّمعة) الذي صاغه شكسبير: «السّمعة أكثر الخدع زيفا وبطلانا، فهي كثيرا ما تُكتسب دون وجه حقّ وتُفقد دون وجه حقّ».
اليهود والشيعة والأكراد الفيليّون والشيوعيون والبعثيون والإخوان المسلمون وأعضاء حزب الدعوة، جميع هؤلاء كانوا أسعد حظا من نور الدين الصافي مدير الخطوط الجويّة العراقيّة في الثمانينيات، لأن الرئيس السابق صدام حسين (فَرهَدَ) زوجته سميرة الشابندر واتّخذها زوجة ثانية بعد إجباره على تطليقها، وسار الشّبل على خطى الأسد، فكان ابن الرئيس عديّ (يفرهد) العروس وهو سكران من عريسها في ليلة الزّفاف، عندما يُقام الحفل في فنادق الدرجة الأولى المملوكة للدّولة، وأقدمت إحدى الضّحايا على الانتحار في حادثة شهيرة في ذلك الزّمان، فكفّ العراقيّون لهذا السّبب عن إقامة حفلات الأعراس في هذه الأماكن.
لقد قامت الحكومة السّابقة ما في وسعها للتّصالح مع كلّ ما له قدرة على الشرّ، وما زال البعض ينعتون رئيسها بحارس البوّابة الشرقيّة، والسّخرية هنا أكثر من مُرّة. أيها السوداني يا صديقي وأخي، هل أكملتَ وضوءك؟ أتمنى أن تسأل الله في صلاتك أن يزيل عبث رجال العسكر والسياسة عن مقدّرات بلادك وبلادي، وأن يكفّ أعمال الفرهود عن أهلي، فرهود النّساء على الأقلّ.

كاتب عراقي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية