مؤرخة إسرائيلية تربط بين الكارثة اليهودية وبين النكبة الفلسطينية

حجم الخط
1

الناصرة- “القدس العربي”:

كانت الحركة الصهيونية منذ إقامتها حركة استعمارية سعت لحل مشكلة اليهود في العالم على حساب فلسطين وشعبها، وهذا ما حدث عقب المحرقة أو الكارثة خلال الحرب العالمية الأولى، ومن وقتها ترفض هي وإسرائيل الربط بين الكارثة اليهودية وبين النكبة الفلسطينية لاعتبارات دعائية مفهومة. لكن مؤرخة إسرائيلية تؤكد هذه الرابطة وتقدم نموذجاً عينياً على ذلك، وتقول إنه لن تجدوا مكانا آخر كهذا في البلاد، يجسد العلاقة بين الهولوكوست والنكبة خير تجسيد مثل مستوطنة “لوحمي هغيتؤوت”، القائمة على القرية الفلسطينية المهجّرة السميرية قضاء عكا.

في هذا الكتاب، الذي نشرت صحيفة “هآرتس” بعض مضامينه، يشار إلى أنه كان من المُخطط إقامة مستوطنة تعاونية تدعى “لوحمي هغيتؤوت” (مقاتلي الغيتوات) على أرضٍ ألمانيّة كنوعٍ من الانتقام، لكنّها أقيمت في نهاية المطاف على أنقاض قرية “السُّمَيريّة” الفلسطينيّة المحتلّة.

 هذا الكتاب الجديد يشير إلى المُؤسِّسين الذين “لم يعرفوا أو لم يريدوا أن يعرفوا” بالسكّان الفلسطينيين السابقين الذين أصبحوا لاجئين، ويشير للمرأة الاستثنائية التي كانت تقودهم بيدٍ من حديد. وحسب الكتاب، وصل المستوطِنون الأوائل بعد أقلّ من عامٍ على احتلال الجليل الغربيّ في حرب 1948، لـ ” لوحمي هغيتؤوت”، كانت الأراضي التي خصّصتها لهم مؤسّسات الييشوف القديم (وهو مصطلح يشير إلى المهاجرين اليهود الذين تواجدوا في فلسطين قبل أولى الهجرات الصهيونية عام 1882)، والتي تقع على بُعد ثلاثة كيلومترات شماليّ عكّا، تابعة لقرية السُّمَيريّة، التي طرد سكّانها الـ 800 إبّان الحرب. لكنّ ذلك لم يقضّ مضاجع سكرتيرة الكيبوتس وبطلة انتفاضة وارسو، تسفية لوفتكين، ففي اجتماعٍ للأعضاء تحدّثت عن مَحاسِن الموقع، وذكرت أنّ في المكان ينابيع ماء وكذلك “شوارع داخليّة، بناية، وكذلك مصنعًا للثلج، معصرة زيت زيتون، وخطّ كهرباء”. وهكذا انتهى المطاف بالناجين من الهولوكوست، الذين أصبحوا قبل سنواتٍ قليلة لاجئين خارج موطنهم، بالسكن على أراضي فلسطينيّين هُجّروا وأمسَوا لاجئين هم أيضًا.

مؤرخ إسرائيلي: “ليس هناك مكان في البلاد يجسّد العلاقة بين الهولوكوست والنكبة إلى هذا الحدّ مثل مستوطنة “لوحمي هغيتؤوت”.

عدالة تاريخية؟

تتوسّع دكتورة شارون جيفع، المُحاضِرة العريقة في “سمينار هكيبوتسيم” والمُؤرِّخة في “بيت مقاتلي الغيتوات”، حول هذا الموضوع في كتابها الجديد “كلُّ ما تبقّى خُلود”– سيرة حياة مزدوجة للوفتكين وزوجها يتسحاق (أنتك) تسوكرمان، نائب مردخاي أنيليفيتش، اللذَين أقاما المستوطنة.

 في الكتاب تقول إنه لم تُطرَح مسألة لمَن كانت الأرض قبلًا أو على الأقلّ لا دليل على طرحها، إذ لم يهتمّ الأعضاء بمالكي الأراضي السابقين وتتابع: “لإنصافهم نقول إنّه في ذاك الآن لم يكن لديهم خيار آخر. كان هذا الحلّ الوحيد. قيل لهم: إمّا هذا المكان أو لا مكان. لم تكن هذه إشكالية إطلاقًا؛ ثمة هنا أرض فارغة، بحجمٍ مناسب، وكانت تحتوي على الموارد المطلوبة”. منبهة إلى أنه قبل أن يحطوا في الأراضي التابعة للقرية الفلسطينيّة، حاوَل الناجون من الهولوكوست إقامة المستوطنة على أرضٍ ذات ملكية ألمانيّة في فلسطين. واختيرت لهذا الغرض في البداية أرض فيلهلما، مُستوطَنة تمبلريّة ألمانيّة بجانب مدينة اللدّ، والتي كان يسكن فيها أعضاء الحركة المسيحيّة الألمانيّة، ألمان هاجَروا إلى البلاد في القرن التاسع عشر. وتنبه أيضاً إلى أن هذه المنطقة احتُلّت في عمليّة “داني” في حرب 1948. “من المُستحسَن أن تقيم هذه النواة من ثوّار الغيتوات مشروعَها على أراضٍ كانت ألمانيّة، حرّرها الشعب اليهوديّ بدم مُناضليه والمنتقمين له”، كتبت لوفتكين. ولكن اتّضح لاحقًا أنّ أراضي فيلهلما خُصّصت لبلدةٍ أخرى، موشاف بني عطروت، فحصل مقاتلو الغيتوات على أرضٍ أخرى كان يسكنها التمبلريّون– فالدهايم، في مرج ابن عامر.

وتؤكد الباحثة الإسرائيلية شارون جيفع أن التَّوقُ إلى العدالة التاريخيّة لم يتحقّق في النهاية، ففي فالدهايم وجد الناجون من الهولوكوست نواةً لمستوطنة أخرى “هجوشريم”، وازدادت أزمة السكن. بالنسبة لبعض الناجين من معسكرات الإبادة في الهولوكوست، كان ذلك مُذكِّرًا بأولى المشاهد القاسية التي كانوا يفضّلون نسيانها. “أدخِل إلى كلّ غرفة المزيد والمزيد من الأسرّة. وليس من الصعب تخمينُ ما ذكّرهم به هذا الاكتظاظ”، وفقًا لجيفع. وأضافت أنّ الحمّامات المشتركة أيضًا كانت كابوسًا للعضوات”. فإحداهنّ، كما جاء في كتاب جيفع، “بكت بدُموعٍ حرّى، قائلةً إنه لا يكفي أنّ الألمان أجبروها على السّير أمامهم عارية، أيجب هنا أيضًا أن تُكشَف أعضاؤها التناسليّة أمام الرّجال؟

ماضي الأرض يطارد المستوطنين الجدد

وطبقاً لجيفع، في النهاية نفد صبر أعضاء المستوطنة، وانتقلوا إلى الأرض الفلسطينيّة في السّميريّة، وتبيّن أخيرًا أنّ الأراضي التي خُصّصت بدايةً للناجين من الهولوكوست، التي كان يملكها الألمان، لم تكن كافية، وكان يجب العثور على مكان جديد للإقامة به: وكان هذا المكان على أراضٍ لفلسطينيّين، أصبحوا هم أنفسُهم لاجئين”، كما أوجزت جيفع. وأضافت: “ثمّة هنا رمزيّة في البُعد الزمنيّ”. وتضيف عن إقامة المستوطنين في أراضي الفلسطينيين: “كان ماضي الأرض يُطارد المستوطنين الجُدد. وقد وجدت جيفع دلائل على ذلك في أرشيف عضو الكيبوتس تسفيكا درور، الذي وثّق ذكريات أعضائه. روت مريم هورفيتس، الطبّاخة الأولى للمستوطنة، أنها قابلت يومًا مجموعة من العرب في كيبوتس مجاور وأنهم قالوا لها: “نعرف زعيمكم. الرجل الطويل، ذو الشنب، هو من أخذ أراضينا، سنطردكم ونستعيد الأراضي”. واعترفت هورفيتس: “في الحقيقة، لم تقلقني مسألة أراضي العرب”. وقد كتبت جيفع: “أمّا الآخَرون فلم يعرفوا أو لم يريدوا أن يعرفوا”. وهويّة “الرجل الطويل ذي الشنب” واضحة بالنسبة لها. فلا أحد ينطبق عليه هذا الوصف في لوحمي هغيتؤوت سوى واحد: أنتك تسوكرمان”.

بيارة أحمد

في مقابلة أخرى أجراها درور مع أفراهام تسوريف، الذي كان يعمل في بيّارة داخل المستوطنة، عن بعض الذكريات المشابهة قال: “في يومٍ من الأيّام هاجَمنا شخص صرخ علينا: “أنتم تسكنون على أراضي عرب”. وفي مرة أخرى، حسب أقواله، تفاجأ بزيارة شخص عربيّ أتى إلى البيّارة. قال له: “أنا أحمد، وهذه بيّارتي”. وبعد المحادثة، شرَح أحمد كيفيّة ريّ الأرض. قال تسوريف: “حتّى ذلك الحين، ما كنتُ أعرفه هو أنّ البيّارة هي “أرض مهجورة”، ولم يخطر في بالي بتاتًا أنّ “الأرض المهجورة” لها مالِكون”. أُغلقت الحلقة بعد حرب 1967، حين كان لوفتكين وتسوكرمان بين المُوقِّعين على معاهدة الحركة من أجل أرض إسرائيل الكاملة”.

ذاكرة السميرية

وثّقت جمعيّة “زوخروت- ذاكرات” السّمَيريّة في كرّاسة كجزء من سلسلة أصدرتها لتوثيق القرى الفلسطينيّة التي احتُلّت عام 1948. من خلال مطالعة الكرّاسة تبيّن أنّ معظم سكّان القرية كانوا مزارعين، فيما عمل بعضهم في مَحاجِر وكانوا يزرعون البقوليّات، الموز، الحمضيّات، والخضار، كما كان هناك مسجد ومدرسة. هدم الصندوق القومي اليهودي القرية في حزيران 1948 لكنّ بعض بناياتها بقيت: أقسام من الجدران وأنقاض بيوت، مقبرة، وغرفة الصلاة في المسجد. في البداية أُقيمت على أراضي القرية بلدةُ شمروت، ثمّ مستوطنة لوحمي هغيتؤوت. وفي وقتٍ لاحق أُقيم أيضًا المركز التجاريّ بيج رجبا على أراضي القرية، وكذلك مبنى جديد للمجلس الإقليميّ “ماطيه أشير”. وتقتبس جيفع من درور: “لم تضرب مستوطنة لوحمي هغيتؤوت جذورها على أرضٍ بتول، بل على أرضٍ اقتُلع سُكّانها”. وقد كتب درور عام 1981: “زرعنا الكثير من الأشجار. السّرو في ساحتنا جميل. يقول جميع الضيوف ذلك، وهكذا نشعر نحن أيضًا. مثل سكّان مستوطنة دجانيا جنوب طبرية، نفتخر نحن أيضًا بسَرونا. لكن هناك في الساحة ذاك السرو أيضًا… السرو الذي لم نزرعه نحن. الوقائع يجب مواجهتها، لا تجاهلها، لأنّ الأولاد يكبرون ويقولون لنا أحيانًا إنه يمكن رؤية الكذب على وجوهنا”. وقد كتب حول ذلك لاحقًا المؤرخ الصحافي الإسرائيلي توم سيجف في صحيفة “هآرتس”: “ليس هناك مكان في البلاد يجسّد العلاقة بين الهولوكوست والنكبة إلى هذا الحدّ مثل مستوطنة “لوحمي هغيتؤوت”.

هكذا انتهى المطاف بالناجين من الهولوكوست، الذين أصبحوا قبل سنواتٍ قليلة لاجئين خارج موطنهم، بالسكن على أراضي فلسطينيّين هُجّروا وأمسَوا لاجئين هم أيضًا.

الصراع على الذاكرة

وتصف جيفع الصراع على الذاكرة في صفوف الإسرائيليين: “مَن يُصبح بطلًا قوميًّا ومَن يُصبح طيّ النسيان، لمَن تُقام تماثيل ومَن تُدعى باسمه شوارع ومَن لا يحظى حتّى بصورة”. وتصف كيف همّشت منظمة القتال اليهودية، التي كان لوفتكين وتسوكرمان من قادتها، زملاءهم في الاتّحاد العسكري اليهودي الذي كان مقاتلوه من رجال حركة البيتار. وقد فعلوا ذلك فور وصولهم إلى البلاد، حين لم يُخبروا الاستيطان اليهودي القديم تقريبًا سوى بانتصارات في الحرب– واستمرّوا في النهج نفسه في محاكمة آيخمان عام 1961.

وفي هذا المضمار توضح جيفع: “لم يتنكّر تسوكرمان لجماعة الصهيونية التصحيحيّة (وهي حركة انبثقت من الحركة الصهيونية، ومؤسسها زئيف جابوتينسكي كندّ للحركة الصهيونية الاشتراكية) في غيتو وارسو، بل عزّز هامشيّتهم. صُوِّر مقاتلو الاتّحاد العسكري اليهودي على أنهم ضعفاء جدًّا، قليلون جدًّا، وبالأساس كخوارج منشقّين.. صُوّر اليمين على أنه يكوّم عقبات في النضال القوميّ”. وتقول إنه لم يُسجَّل تصحيح لهذا الظُّلم التاريخي سوى قبل سنتَين، بفضل النضال الشعبيّ الذي قاده وزير الأمن الأسبق، موشيه أرنس، والذي انتهى بعد وفاته، حين عدّل متحف ” تخليد ضحايا المحرقة” وضعية تمثال فرانكل، قائد الاتّحاد العسكري اليهودي، فوضِع في نفس الخطّ مع أنيليفيتش، قائد منظّمة القتال اليهوديّة، كقائدَين لانتفاضة غيتو وارسو.

خيبة الأمل

يتبيّن من كتاب جيفع أنّ تداعيات الهولوكوست على السياسة الإسرائيلية أكثر تعقيدًا، فحتى داخل معسكر اليسار الصهيوني أثار الأمرُ توتُّراتٍ وخصومات. كمثال، رغم التقدير الرسميّ لتسوكرمان وللوفتكين كبطلَيّ التمرُّد، كان هناك سياسيّون تجنّبوا الذهاب إلى مستوطنة لوحمي هغيتؤوت، لأنّ اليسار الصهيونيّ كان في المعارضة. حتّى في احتفال تأسيس المستوطنة، الذي تزامنَ مع يوم الذكرى السنويّة السادسة لانتفاضة غيتو وارسو، لم يحضره مندوب عن الحكومة الإسرائيلية و”في صحُف اليسار الصهيونيّ لم يكن ممكنًا إخفاء خيبة الأمل. لاحَظ ممثّلو حزب “مبام” أنّ سعي دافيد بن غوريون لأن يكون الرئيس الرسمي لجميع مواطني الدولة جعله يرسل تهنئة إلى مؤتمر بيتار اليمنيّ، ولكنه امتنع عن ذلك في مؤتمر الذكرى السنوية لانتفاضة غيتو وارسو الذي أقيم في مستوطنة لوحمي هغيتؤوت”، وفقًا لجيفع.

تتخصّص جيفع في تاريخ النساء، وكتابها السابق “ما الذي تقوله المرأة؟” غنيّ باكتشافات جديدة حول مكانة النساء وصراعهنّ في سنوات تأسيس الدولة اليهودية في فلسطين. تحت إرشادها، أثرى طلّاب جامعيّون كثيرون موقع ويكيبيديا بموادّ حول نساء مهمات في التاريخ، ضمن المشروع الذي بادرت إليه: “نقيّم من جديد: نعيد النساء إلى التاريخ”.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية