محنة السودان تعزز شهية أشرار العرب والعجم لالتهام خيراته… ومصر «رايحة على فين» سؤال الأثرياء قبل الفقراء

حسام عبد البصير
حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي»: بين عين على جارنا الشقيق الذي يواجه فتنة لا تبقي ولا تذر، وأخرى على حوار وطني لا يعلم الرأي العام المشغول بمعركة الغلاء عنه شيئا، وإن كان أسفر عن عودة التساؤل بين الجماهير حول إمكانية صلح محتمل مع “الإخوان”، تراهن السلطة على أن يعيد إليها الحوار الذي انطلق بعد ولادة متعسرة، أنصار الأمس الذين قفزوا في خندق الخصوم.
وتعددت اهتمامات صحف أمس الخميس 4 مايو/أيار بين وقائع الجلسة الافتتاحية للحوار الوطني التي انطلقت بمشاركة واسعة من جميع طوائف الشعب المصري، وتأكيد الرئيس السيسي، إيمانه الراسخ بأن الأمة المصرية تمتلك من القدرات والإمكانات التي تتيح لها البدائل المتعددة، لإيجاد مسارات للتقدم في جميع المجالات، سياسيا واقتصاديا ومجتمعيا، وأن مصرنا الغالية تمتلك من الكفاءات والعقول، وصدق النوايا، وإرادة العمل، ما يجعلها في مقدمة الأمم والدول. كما اهتمت الصحف بوقائع لقاء الرئيس السيسي أمس مع وفد رفيع المستوى من مجلس النواب الأمريكي برئاسة كيفن مكارثي، وعضوية عدد من رؤساء وأعضاء اللجان من الحزبين الجمهوري والديمقراطي، من بينها لجان الشؤون الخارجية، والقوات المسلحة والأمن السيبراني والبنية التحتية والموارد الطبيعية، والاعتمادات، بمشاركة رئيس مجلس النواب الدكتور حنفي جبالي، ووزير الخارجية سامح شكري. وسلطت الصحف الضوء على اللقاء الذي أجراه الرئيس السيسي مع الفريق الركن محسن الداعري وزير دفاع الجمهورية اليمنية، بحضور الفريق أول محمد زكي وزير الدفاع والإنتاج الحربي، وسفير اليمن في القاهرة. وفي نطاق نشاط مؤسسة الرئاسة كذلك قال السفير أحمد فهمي المتحدث باسم رئاسة الجمهورية، إن الرئيس عبدالفتاح السيسي اجتمع، مع كبار قادة القوات المسلحة في مقر القيادة الاستراتيجية في العاصمة الإدارية. ومن أصداء الحوار الوطني قال خالد البلشي نقيب الصحافيين، إن عدم وجود جلسات مغلقة، يعد خطوة مهمة ويعطي أملا في ما نطالب به، بأن يكون الإعلام رقيبا، ويعتبر أيضا تنفيذا لأن يكون الإعلام سلطة رابعة. وأضاف أن الحوار الوطني يتمثل في أن نصنع معا مساحات ورؤى مشتركة، وتكمن أهميته في رسم سياسات عامة تجمع كل الأطياف في مشتركات لتحقيق المطالب. وأشار إلى أن مهنة الصحافة ستظل هي مهنة الحلم بالأفضل، وتنظر دائما إلى ما يتحقق، معبرا عن أمله في الانتقال من حالة الفردية في الشكوى، إلى مرحلة مختلفة تحمل مطالب الجميع، فعند طلب الحرية للإعلام لن يكون للصحافة فقط وإنما الحرية للمواطنين جميعا، لأنه سيحمل مشاكلهم وهمومهم.. وشدد على ضرورة أن يحلم الجميع، حكومة ومعارضة، بوطن مختلف حتى لو اختلفت الرؤى، لا بد من أن نجتمع على أنه ليس بيننا خائن أو عميل، هذه النغمة التي كانت تعلو في بعض الأوقات..
ومن الأخبار الطبية: أكد الدكتور خالد عبد الغفار وزير الصحة، أن الدولة المصرية تضع على رأس أولوياتها الاهتمام بالملف الطبي، خاصة ملف زراعة الأعضاء، مضيفا أن مصر اتخذت خطوات جدية في هذا المجال، بإنشاء أكبر مركز لزراعة الأعضاء في الشرق الأوسط، داخل مستشفى معهد ناصر، يُقدم الرعاية الطبية الشاملة للمرضى.
الصلح خير

الأوطان لا تنبني على ثارات سياسية مزمنة، ما ضاع من عمر الوطن في احتراب يستوجب تعويضه بحوارات وطنية، على أرضية وطنية وبأجندة وطنية.. وفي الحوار الوطني وفق ما أوضح حمدي رزق في “المصري اليوم” متسع لكل رأي معارض، وعام مضى من الحوارات التوفيقية يؤشر إلى مستقبل الحوار توافقا يراعي مصالح الوطن العليا. مصر لم تعدم معارضين وطنيين نجباء، يعارضون على أرضية وطنية، ويطرحون رؤية وطنية، ويقفون موقفا منصفا من وطنهم الذي يحتاج بشدة إلى المعارضة الرشيدة تمتينا للحكم، وتثبيتا للدولة الوطنية، ورسم صورة لمصر مغايرة للصورة التي يرسمها الإخوان والتابعون في فضائهم الإلكتروني. نطمح إلى معارضة وطنية، تبني مواقفها على أجندة وطنية، معارضة بَنّاءة، تصب في إناء الوطن، لا تصب في آنية مسمومة. سنوات الإعمار في عمق البنية التحتية للدولة المصرية تمر بنجاح موثق، لماذا يقف منها نفر موقف الرافضين، دون رؤية بديلة، دون برامج واقعية، دون تبصُّر للمخاطر التي تحيق بالدولة المصرية، مصر في قلب بحر مضطرب والسفينة العتيقة تشق عُبابَ البحر. موقف هذا النفر الذي لا يُشك في وطنيته يحتاج إلى مراجعات ضرورية، معارضة موقف وليس صفة ولا مهنة يمتهنها البعض، ويعمل عليها، ولا يغادرها إلى موقف أكثر إنصافا من الرفض التام أو الموت الزؤام. احتفاء قنوات الإخوان ومنصاتها بما ينفثه هذا النفر من رفض مطلق، خليق أن يفكروا في ما يقولون، هل هذا في صالح وطن ينتمون إليه، ويعيشون في رحابه، مراجعة المواقف ضرورة وطنية.. فرض عين.

كي لا نركع

المعارضة الحقيقية كما يراها حمدي رزق من الأعمال السياسية الشاقة، ليست نزهة خلوية، أنا معارض أنا رافض، وكل هذا العالم من حولي لا أحد، نظرية الخيار صفر، إما نحن وإما هم، هذا خذلان لشعب عنده أمل. ما نرجوه المعارضة الرشيدة. التمترس في خانة الرفض، والرفض للرفض، وتصدير الرفض في كل مناسبة، والموافقات المشروطة، وعصر الليمون، ومغازلة جمهور الفضاء الإلكتروني، دون تبصُّر في المآلات، لن يبني جدارا في عمارة الوطن، يهدم البناية على رؤوس ساكنيها. الرفض لمجرد الرفض يساوى هدما، والبناء يحتاج إلى رؤية أعمق وأشمل لاعتبارات وطنية حرجة تستنهض همم الوطنيين معارضين ومؤيدين، الحوار الوطني تفاؤلا يمد جسورا تذهب بنا إلى ما نصبو إليه مستقبلا. الرفض مهضوم في سياق التداول السياسي، ولكن من غير المهضوم أن يكتفي المعارضون بالرفض باعتباره غاية المنى ونهاية المطاف وليسجلوا أسماءهم على حوائط الرفض الفيسبوكي بافتخار يعجب الشطار. لا عاقل يطالب معارضا بمغادرة خانة «الرفض» حقه تماما، مأجور عليه، ومَن يجد في نفسه أهلية سياسية فليخض غمار معركة الوطن بأجندة وطنية خالية من أي تحزبات تنفي الآخر.. تُقصيه، لا إقصاء اليوم. المعارضة عمل سياسي تراكمي، والمعارضة على أرضية وطنية تُحترم، ويلزم تشجيعها، وإنصافها، ويستوجب الأمر التمييز بينها وبين المعارضة على أرضية خارجية بتمويلات مجهولة ومخططات استخباراتية تستهدف تركيع وطن عظيم اسمه مصر.

قد يغدر بهم

ارتفاعات متلاحقة تطارد أسعار الذهب كل يوم، بعد أن سجلت أسعاره أرقاما قياسية غير مسبوقة بسبب الشائعات التي تسهم في زيادة الإقبال على شرائه، باعتباره ملاذا آمنا للاستثمار، من جانبه يرى عبد المحسن سلامة في “الأهرام” أن أكبر المستفيدين من تلك الظاهرة هم التجار، حيث أصبح سعر الذهب في مصر يفوق الأسعار العالمية، نتيجة الترويج العشوائي للإقبال عليه، والشائعات التي تطارد سعر الدولار وعلاقته بسعر الجنيه. تابعت التقارير التي نشرتها الصحف عن أسعار الذهب، وتجاوز سعر عيار 24 مبلغ 3400 جنيه، وارتفاع سعر عيار 21 إلى 2800 جنيه، وربما تكون هذه الأسعار اليوم مختلفة صعودا أو هبوطا، فليس هناك أي معيار اقتصادي صحيح يحكم ذلك دائما، وإنما مضاربات و«إشاعات». صحيح هناك أزمة اقتصادية، لكن جنون بعض البشر يسهم في تعميق الأزمة من خلال إطلاق الشائعات، والجري وراءها، وتصديقها مثلما يحدث الآن في أسعار الذهب والدولار. للأسف الشديد هناك بعض رجال الأعمال، والمواطنين يقومون بتغذية هذه الشائعات من خلال الإقبال غير الرشيد على شراء كميات كبيرة من الذهب للتخزين، والمتاجرة والمضاربة، ما يزيد من حجم الأزمة، ويلهب أسعار الذهب. في وقت الأزمات لا بد من إعلاء صوت العقل، والهدوء في التعامل، بعيدا عن سياسة الهرولة وراء كل شائعة يتم إطلاقها عن سوء نية، ودون تفكير. إعلاء صوت العقل يعني ببساطة عدم شراء أي سلعة إلا وقت الحاجة إليها، وبالكمية التي يحتاجها المواطن، لكن أن يتحول الأمر إلى تخزين، ومضاربة، و«تكويش»، فهذه أمور في منتهى الخطورة، وتؤدي إلى الإضرار الفعلي بالاقتصاد الوطني أكثر من عوامل الأزمة الحقيقية. مصر آمنة، ومستقرة، وقادرة على تجاوز المشكلة الاقتصادية، ومن المهم التزام الهدوء في كل التعاملات الحياتية، واليومية، بعيدا عن الانفعالات، والشائعات، والمضاربات التي تؤدي إلى الإضرار بالكل، بمن فيهم المضاربون أنفسهم، لأنهم سيكونون أول الضحايا فور انتهاء تلك الممارسات الضارة، والعشوائية التي لن يطول أمدها.

رايحة على فين؟

ما اجتمع ثلاثة من المصريين إلا وكان هناك سؤال ثابت ومعروف ومتداول هو رابعهم، أطلعنا عليه عصام كامل في “فيتو”: إلى أين تتجه مصر؟ أو بالعامية: «هي البلد رايحة فين؟».. بالطبع سينبري واحد ممن تلقوا السؤال ليقول لك الدر الكامن في بحر الزمان. أحدهم سيقول مصر راحت والعياذ بالله، ومصر الآن لم نرها في التاريخ، ومصر التي نعيش فيها دولة من القلق والخوف والرعب على الغد.. هي في عرف هذا الذي يجيب راحت بالفعل، رغم أنه يعيش فيها آمنا ليس كمثل غيره في المناطق المحيطة. وسيقول آخر: مصر ستعبر الطريق الصعب، وما نحياه ما هو إلا نتاج لظروف دولية لا قِبَل لنا بها، وأن من يرسمون خريطة العالم يعرفون جيدا أن مصر يجب أن لا «تروح»، ولا بد أن تبقى لتقوم بدورها في المقبل، وستكون جزءا من خريطة العالم الجديد، ولكنها ستمر عبر ذلك بمحيط هادر من القلق، ولكن النهاية لا بد من استقرارها. لا المتشائم لديه معلومات كافية في ظل غياب كامل للمعلومات وللقرارات ولمركز اتخاذ القرار وصناعته، ولا المتفائل لديه من المعلومات ما يجعله صاحب رؤية حقيقية قادرة على البقاء كتحليل سياسي أو اقتصادي، أو حتى موقف تاريخي مشابه يبني عليه رؤيته. القاسم المشترك بين المتشائم والمتفائل هو خيط عريض من الضبابية المزعجة التي تجعل وجهتَي النظر لا تعتمدان على أسلوب علمي للتحليل الدقيق الذي يمكن الأخذ به وتفسير أحداث المقبل من الأيام، سواء كان ظلاميا أو نورا ساطعا يلقي ضوءه على خريطة مصر.

لا أحد يطمئننا

الناس في معظمها قلقة على اليوم قبل الغد، خصوصا وفق ما لاحظ عصام كامل أن هناك حالة غياب كامل لقادة رأي لديهم من المعلومات ما يجعلهم قادرين على الإجابة على السؤال الصعب: «مصر إلى أين؟»، وربما كانت الأسباب البادية والواضحة للعيان أن لدينا حكومات متعاقبة، ما هي إلا عدد من «السكرتارية». ووصف الحكومات المتعاقبة بـ«السكرتارية» ليس تشويها أو إساءة لأحد، وإنما تعبير عن حالة الضعف والوهن التي تبدو عليها شخصية الوزير، والتي تلقي ظلالها على الصورة الذهنية للحكومة ككيان يتابعه العامة والخاصة، في ما تتخذه من قرارات لمواجهة أزمة حقيقية تمر بها البلاد. ويبدو أن ماكينة السياسة تعطلت منذ سنوات، فغاب عنا الوزير السياسي القادر على مخاطبة الجماهير وإقناعها بما تقدمه الحكومة من خدمات أو تتخذه من قرارات مع كل أزمة تطرح نفسها على سطح الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في مصر منذ سنوات. ويبدو أن وصف الحكومة بالتكنوقراط لن يكون وصفا دقيقا، لأن ما نراه من نماذج على رأس الوزارات لا يمكن أبدا اعتبارهم خبراء، وإلا فلماذا تكون نتائج قرارات الحكومة ككل وككيان واحد غير منطقية، في ما نعانيه من أزمات متلاحقة تهدد الاستقرار ولا تقدم نموذجا تنمويا حقيقيا يشعر به المواطن البسيط؟ ما يطلبه أي مواطن من أي حكومة في أي مكان في العالم هو أن تؤمِّن له احتياجاته وتحميه من تقلبات لا يمكنه مواجهتها وحيدا، فهل ما تفعله الحكومات المتتابعة يؤدي هذا الغرض ويشعر به المواطن في مسكنه وفى غذائه وفى مستقبله القريب؟ النتيجة الطبيعية أنك تواجه هذا السؤال في كل مكان تذهب إليه، والسؤال نفسه يبدو أنه وحيد على طاولة المصريين ولا يوجد سؤال غيره، ربما لأنه يعبِّر عن كل الاستفهامات التي يمكن طرحها منفردة، فالسؤال كبير وبحاجة إلى تحليل عميق ومقنع ومنطقي. وبالطبع لا يمكن أن تبني أو أبني إجابة دون أن تتوفر كل المعلومات التي تدلل بها على رؤيتك أو تحليلك، فالأرقام متناقضة وغير موحدة، وليست هناك جهة واحدة يمكنك الاعتماد على أرقامها في ما يخص الحالة الاقتصادية على سبيل المثال لا الحصر.

ماذا طلب منه؟

توقف سليمان جودة في “المصري اليوم” أمام الاتصال الذي أجراه أنتوني بلينكن وزير الخارجية الأمريكي، مع وزير خارجيتنا سامح شكري، وكان بالطبع حول السودان. توقفت أمامه لأنني أتابع اتصالات بلينكن منذ بدء الحرب في السودان، وأراه يتحدث عن اتصالاته مع عبدالفتاح البرهان قائد الجيش السوداني، ومحمد حمدان دقلو قائد قوات الدعم السريع، الذي يقاتل الجيش والذي بدأ الحرب.. وألاحظ أن الوزير الأمريكي يتحدث عن تواصل مستمر مع البرهان وحميدتي، وعن صلة وثيقة من جانبه بهما، وعن أنه يحثهما على وقف الحرب والجلوس إلى مائدة للتفاوض. وقد أوشكت الحرب على إتمام أسبوعها الثالث، دون أن ينجح الأمريكيون في وقفها، فضلا عن جمع الرجلين إلى مائدة واحدة.. فلا يزال الحديث كله عن هدنة هنا، وعن هدنة أخرى هناك، وعن خرق للهدنة في كل مرة، وعن أسباب إنسانية لها في كل المرات. أكد الكاتب أنه من المتابعة سوف ترى أن واشنطن تساوي بين الطرفين، وتتواصل معهما من فوق أرضية واحدة، ولو أنها أنصفت لتعاملت معهما بالطريقة التي تعاملت بها فرنسا مع مصر وإسرائيل قبل حرب 1967عندما أعلن رئيسها شارل ديغول أنه سيقف ضد الطرف الذي يبدأ الحرب ويبادر بها، وكان هذا هو موقف بلاده بالفعل.. صحيح أن هناك فارقا بين الحالتين، ولكن المبدأ المحترم يظل واحدا.

كل الطرق خطأ

على كثرة الاتصالات التي أجرها الوزير الأمريكي، سيلاحظ المهتمون بالعلاقات العربية الأمريكية وخطط واشنطن في المنطقة، خاصة في ظل تفاقم الأزمة السودانية التي تتقاطع مع المصالح الأمريكية، أن اتصال بلينكن مع الوزير شكري وفق ما أوضح سليمان جودة يختلف لأن مصر لا مصلحة لها تسعى إليها في السودان إلا وحدة الأراضي السودانية، وإلا استقرار السودان، وإلا أمن السودان، وإلا صالح شعب السودان.. تماما كما كان الحال ولا يزال في ليبيا لأن القاهرة لا مطمع لها في طرابلس، ولا مطمح لها في الخرطوم إلا ما أشرت إليه. قبل أيام، تحدثت صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية في تقرير لها عن الكثيرين الذين يتهافتون على السودان، وعن أن كل طرف منهم يريد مصلحة له على أرض البلد.. ولو نشرت الصحيفة قائمة بالأسماء المتهافتة على الأراضي السودانية ما كانت مصر في القائمة، لا لأنها أقل من الأسماء الواردة، ولكن لأن المصلحة عندها كانت ولا تزال مصلحة السودان نفسه، لا مصلحتها المجردة فيه. اتصال بلينكن مع شكري هو اتصال مع الطرف الذي يريد الحل ولا يجري وراء المصلحة، وهو اتصال مع الطرف الذي يقصده كل مَنْ يبحث عن العنوان الصحيح في ملف السودان.. وقد شاع عن الأمريكيين أنهم لا يهتدون إلى الطريق الصواب إلا بعد أن يجربوا كل الطرق الخطأ.

أعداء السودان

هل صحيح أن كل الدول التي تطالب بوقف إطلاق النار تريد فعلا الخير للسودان؟ سؤال يبدو غريبا، على حد رأي عماد الدين حسين في “الشروق”: رأينا أن مواقف جميع الدول مع وقف إطلاق النار، بل وصل الأمر إلى أن الحكومة الإسرائيلية أعلنت أنها تتواصل مع طرفي الأزمة للوساطة، حينما انفجرت الأزمة سارعت كل الدول ـ خصوصا ذات الصلة بالشأن السوداني ـ إلى إصدار بيانات ونداءات تحض الطرفين على وقف الحرب. والمؤكد أن هناك دولا كثيرة كانت صادقة في هذه النداءات، لأنه موقفها المبدئي ويتماشى والطبيعة الإنسانية السوية التي ترفض العنف والعدوان والدمار. وغالبية هذه الدول لن تتأثر سلبا أو إيجابا بهذا الصراع لأنها بعيدة عنه تماما، وبالتالي فهي تتخذ هذا الموقف الذي لن يكلفها شيئا. لكن هناك مجموعة من الدول ومنها مصر، اتخذت الموقف نفسه، لأن الصراع يهدد استقرار السودان وبالتالي استقرار مصر. وهذا الموقف الذي اتخذته مصر وبعض بلدان المنطقة هو موقف مبدئي أولا، ويتماشى مع مصالحها القومية ثانيا. لكن هناك دولا أخرى أعلنت كلاما عاما طيبا ومطالبات إنسانية رائعة، في حين أن مواقفها الفعلية على الأرض ليست كذلك، بل أن بعضها ربما كان مشجعا على هذه الحرب، وممولا لها، ومقدما كل أنواع الدعم الذي يجعلها حربا مستعرة ومستمرة ودائمة. في هذه الفئة الأخيرة لن أسمى دولا بالاسم، لأنها جميعا في هذه الحالة ستسارع بالنفي، لكن تأمل مواقفها يشير إلى تورطها، وتناقض كلامها العلني الطيب مع سلوكها السري الشرير.

طهاة الفتنة

انتهى عماد الدين حسين إلى أن إحدى دول الجوار للسودان على سبيل المثال لا تتمنى أن يكون هناك استقرار بالمرة في السودان، إلا إذا كان يوافق هواها ومصالحها الضيقة، وإذا تذكرنا أن بعض دول الجوار شهدت اشتباكات عرقية وإثنية وقتالا أهليا وصل ذات يوم إلى تهديد وجود بعض الدول، فسوف نفهم وندرك أن هذه الدول سترفع فعليا شعار «لا تعايرني ولا أعايرك.. الهم طايلني وطايلك». بعض الدول أيضا دخلت في اشتباكات عسكرية مع السودان بسبب صراعات على الحدود وغيرها، وبالتالي فإن انشغال السودان في صراع عسكري مسلح، سيكون في مصلحتها. وطبعا غني عن القول إن الصراع الدائر حاليا في السودان سيكون في مصلحة إثيوبيا، لأنه سيحد كثيرا من المطالبات السودانية المستمرة بالتوصل إلى اتفاق قانوني وملزم لإدارة وتشغيل سد النهضة، حيث إن أي مشاكل في هذا السد سيدفع ثمنها السودان أولا ومعه مصر، لأن السد لا يبعد عن الحدود السودانية أكثر من 15 كيلومترا فقط، ونتذكر أن بعد إحدى عمليات الملء لهذا السد شهد السودان فيضانات مدمرة بسبب سوء الحسابات الإثيوبية، وعدم تنسيقها مع السودان، ثم إن البلدين دخلا في حرب حقيقية في منطقة الفشقة الحدودية قبل حوالى عامين. هناك دول مثل إسرائيل لا تخفي أن أي انقسامات، أو خلافات، أو حروب أهلية، أو عسكرية داخل أي دولة عربية تصب في مصلحتها النهائية. ورأينا إسرائيل تساعد بعض القوى المتطرفة التي كانت تقاتل الحكومة السورية في السنوات الماضية، كما ساعدت كل الحركات والقوى والتنظيمات الانفصالية في العالم العربي. هناك دول أخرى في الإقليم والقارة تراهن على انتصار أحد الطرفين، ظنا أن ذلك سيكون في مصلحتها، وبالتالي فإنها تلجأ لتزويد هذا الطرف بكل ما يمكنها تقديمه من أجل تعزيز موقفه في الحرب، وحتى يمكنه الحسم العسكري في أقرب وقت. وهناك قوى دولية كبرى تنحاز لطرف من الأطراف ظنا أنه سيكون في مصلحتها، والمثال البارز في هذا الصدد هو إثيوبيا التي يتردد أنها تساند ميليشيا الدعم السريع نكاية في الجيش السوداني، رهانا على أن ذلك قد يقود لتقسيم وتفتيت السودان.

يواجهون الموت

نقلت أمينة الشريف في “المشهد” قول سفير ألمانيا لدى القاهرة فرانك هارتمان، يوم الأربعاء الماضي، بمناسبة الاحتفال باليوم العالمي لحرية الصحافة، إن الصحافيين يقومون باستقصاء الأشياء وإلقاء الضوء وتحفيز النقاشات، ومن ثم يعملون على ضمان حقنا في الحصول على المعلومات وتكوين الرأي، ويساهمون إسهاما لا غنى عنه في الحوار والتفكير وتفتق القدرات، مؤكدا أهمية الإعلام المستقل والتعددي بالنسبة للاستقرار والتعايش في المجتمع. وأشار في بيان له إلى أن العاملين في مجال الإعلام يتعرضون لضغوط متزايدة في أنحاء كثيرة من العالم، متابعا: من غير المقبول أن يتم ترهيبهم أو تهديدهم أو الاعتداء عليهم بسبب أعمالهم ذات الأهمية المحورية. وأوضح السفير الألماني أن حرية الصحافة وحرية الوصول إلى المعلومات ترتبط ارتباطا مباشرا بالحق في حرية التعبير كأساس لمجتمع مستقر، وعليه فإن ألمانيا تلتزم بشدة مع شركائها بالدفاع عن حرية الصحافة وحماية الصحافيين، ونحن نقف إلى جانب كل أولئك الذين يدافعون عن هذه المبادئ في جميع أنحاء العالم. ويحتفل العالم في الثالث من مايو/أيار من كل عام باليوم العالمي لحرية الصحافة، وهو يوم حددته منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة اليونسكو، لتحيي عبره ذكرى اعتماد إعلان ويندهوك التاريخي الذي تم في اجتماع للصحافيين الأفارقة في 3 مايو 1991. وتخصص الأمم المتحدة هذا اليوم للاحتفاء بالمبادئ الأساسية، وتقييم حال الصحافة في العالم، وتعريف الجماهير بانتهاكات حق الحرية في التعبير، والتذكير بالعديد من الصحافيين الذين واجهوا الموت أو السجن في سبيل القيام بمهماتهم في تزويد وسائل الإعلام بالأخبار اليومية.

حروب عائلية

اهتم فاروق جويدة بحالة الانقسام التي يشهدها المجتمع المصري الآن بين المرأة والرجل حول الحقوق والواجبات والحريات مؤكدا في “الأهرام” بأنها وصلت إلى درجة مخيفة من الصدام.. وأصبح كل طرف يرى أنه الأحق بمزيد من الحريات، على الرغم من أن الواقع يؤكد أن كليهما يحتاج إلى مزيد من الحريات، وأن هذا الحق لا يتجزأ ويصبح من حق طرف دون الآخر.. لقد نسى الجميع أن الرحمة تسبق الحرية، وأن الحرية إذا تحولت إلى الفوضى والغوغائية فإنها تفقد أهم مبررات وجودها، وأن الزواج علاقة إنسانية وليست حقوقا سياسية، ومن الخطأ أن يتحول إلى صراع سياسي داخل البيت، وليس من حق طرف أن يحاول اكتساب حقوق بالصوت العالي أو تبرير الفشل.. وإذا كانت هناك تجارب فاشلة في حياة الزوجة أو الزوج، فينبغي ألا تتحول إلى عدوى اجتماعية تهدد المجتمع وتدفع به إلى الفوضى والانقسام.. إن الفشل في تجارب الحياة ينبغي ألا تصبح مرضا يصيب الآخرين بدعوات مغرضة على الشاشات، أو أفكار مسمومة تبثها وجوه فشلت في أن تكون قدوة للآخرين.. إن حالة الانقسام في البيت المصري أصبحت تمثل أخطر تهديد لاستقرار البيت والأسرة المصرية، وقد تدفع الأجيال الجديدة ثمنا غاليا لذلك.. البيت المصري كان من مفاخر الأسرة المصرية العريقة، فلا تتركوا بعض المغامرين من الباحثين عن الأضواء والشهرة يفسدون على المجتمع المصري أجمل الأشياء فيه.. إن ترويج القبح جريمة وتجارة الفشل أسوأ أنواع السلع.. ما يشهده الشارع المصري الآن من دعوات مشبوهة لإفساد الأسرة المصرية وزرع الفتن بينها، يهدد أجيالا جديدة يجب أن نحافظ عليها ولا نتركها ضحية أفكار مسمومة ووجوه تروج للقبح وتنشر الفوضى.. إن الحرية ليست حقا للمرأة وحدها، ولكنها حق للجميع والأسرة.. ليست الحرية وحدها، فما أجمل أن تجتمع الحرية مع الرحمة.. هناك ظواهر غريبة تفتعل المعارك وتثير الفتن، وقد تحولت في أحيان كثيرة إلى جرائم قتل يعاقب عليها القانون، وقد شهدت المحاكم في الفترة الأخيرة أحكام إعدام تم تنفيذها بعد أن تحولت الحياة الزوجية إلى عمليات انتقام بين أبناء البيت الواحد.

حاكم جديد

التقدم في أبحاث الذكاء الصناعي لا يتوقف، والتحذير من مخاطره لا يتوقف أيضا وفق ما يرى جلال عارف في “الأخبار”: لم تعد مساعدة البشر في تجهيز البيانات واستحضار الوثائق أو القيام بالأعمال الشاقة هي آخر ما يقدمه “الروبوت” وأنظمة الذكاء الصناعي. نحن أمام ثورة يقوم فيها “الروبوت” بأعقد التحليلات، ويدخل إلى مناطق الإبداع والابتكار. لا يكتفي “الروبوت”، الآن بالإجابة على الأسئلة استنادا إلى ما لديه من بيانات، وإنما يكتب الشعر ويؤلف الموسيقى ويقرأ نشرات الأخبار في التلفزيون. وفي آخر ما وصلت إليه الأبحاث يستطيع “الروبوت”، أن يقرأ ما يدور في رأسك من أفكار، وأن يترجمها إلى كلمات تكشف كل ما تفكر فيه، وهو ما يثير آمالا في مساعدة المشلولين على استعمال الكمبيوتر على سبيل المثال، لكنه ـ في الوقت نفسه ـ يثير المخاوف بشأن الحفاظ على الخصوصية والحرية والفردية. الشركات الكبرى العاملة في هذا المجال تقول إنها ستلتزم بالضوابط الأخلاقية، لكن المخاوف تزداد. في مارس/آذار الماضي رأينا حوالي ألف من الخبراء والمستثمرين في هذا المجال، ومنهم الملياردير أيلون ماسك يطلبون التوقف مؤقتا عن تطوير أنظمة الذكاء الصناعي، حتى يجد الخبراء وسائل للتأكد من سلامتها. ولم تتوقف التحذيرات من أن مئات الملايين من الوظائف ستختفي ليحل محلها “الروبوت”، لكن الخطر الأكبر يظل في أن يتحول “الروبوت”، مع التقدم في أبحاث الذكاء الصناعي إلى وحش يخرج عن السيطرة. بالأمس خرج واحد من أشهر الخبراء في هذا المجال ليطلق صيحة تحذير بالغة الخطورة لأنها تصدر من جيفري هينتون، الذي يلقبونه بـ”عراب الذكاء الصناعي”، لدوره المهم في ابتكار الأنظمة الحديثة. خرج الرجل الذي استقال من منصبه المهم في شركة “غوغل” قبل شهر واحد ليقول إن التطور من دون ضوابط يحمل مخاطر هائلة على المجتمع والإنسانية، وليدق جرس الخطر من أن هذه الأنظمة الحديثة تتفوق على الذكاء البشري في بعض النواحي بسبب كم البيانات لديها. لم يعد الخطر في فقد ملايين الوظائف فقط، ولا في كم المعلومات المضللة التي يمكن أن تطلقها “الروبوتات”، الخطر الأهم أن يتفوق الذكاء الصناعي على الذكاء البشري، وأن يتحول “الروبوت”، من آلة تساعد في إنجاز بعض المهام الروتينية ليكون “سيد الموقف”، الذي يبدع ويبتكر ويقرأ أفكارك ويتحكم في حركتك.. أي عالم سيكون حينذاك؟

قيم اندثرت

حرك عيد العمال الذي مرّ مؤخرا مشاعر دفينة في نفس محمود الشربيني كما أطلعنا في “الوفد”: أقدر مدارس الستينيات كثيرا، فقد صافحت على ظهر كراساتها كلمات حرضتنى – وغيرى آلاف مؤلفة – على احترام قيمة العمل، فقد علمتني أن العمل شرف، والعمل حق، والعمل واجب، والعمل حياة. لا يزال كل ذلك يرهقني في تقاعدي الحالي، فما زلت أعمل كما لو كنت شابا.. أفزع من مكاني مرارا وكأنني أخرت عملا، أو ضيعت فرصة أو فوّتُ موعدا، هذا الستيني في ميزان شباب هذه الأيام يسخرون منه ويقولون له «يا حجيج» يطلقونها مع ضحكاتهم الساخرة وكأنه لم يعد لنا نفع أو جدوى! في المقابل هؤلاء لا يزالون يتقاضون مصروفهم منا نحن العواجيز المتقاعدين، اختلت الموازين، فأصبح هدف أغلب الشباب أن يعيشوا يومهم يأكلون ويشربون ويدخنون ويتنزهون مع أصدقائهم من دون عمل، وإذا عملوا عملا فهم لا ينشغلون به كثيرا ليبدعوا فيه، أو يطوروا أنفسهم أو يرتقوا منه للأعلى. قيمة العمل تغيرت مع الأسف، قيم التربية كذلك، القيمة أصبحت في سلوكيات غريبة على هذا المجتمع. لا تجد في مناسبة «عيد العمال» وهو من أشرف الأعياد في العصور الحديثة ما يلهمك ويحفزك على تقدير قيمة العمل الحقيقية.. لا تجد سوى أغان بديعة تسمعها في المناسبة، ولكن الراديو لم يعد ملاذ الباحثين عن النغمات التي تمسك بالأسماع. الأغاني التي تحرضك على العمل كثيرة وجميلة، وفي مقدمتها شدو أم كلثوم بأغنية “حق بلادك” (عبدالوهاب محمد – رياض السنباطي) بعكس السينما التي تخاذلت وتخلفت عن التعبير عن قيمة العمل ومعاناة وبطولات العمال. أفلامنا مكررة حفظها الناس مثل “الأسطى حسن” (فريد شوقي) و”الأيدي الناعمة” (أحمد مظهر) و”الورشة” (حسين صدقي) وهي ليست عن قيمة العمل، وإنما عن قيم أخرى، وباستثناء فيلم “الأرض” الذي يعد أيقونة سينمائية، فلا تجد فيلما يحتفى بالبطل العامل المجند، الذي شيد دشم ومخابئ الطائرات، ونحن نبني قواتنا المسلحة. لا تجد فيلما عن العمال الذين تفجرت بهم المصانع في أبو زعبل بفعل قصفها بالنابالم فتحولوا أشلاء. لا تجد فيلما عن العمال والمدرسين والتلاميذ الذين سقطوا تحت وابل النيران في مدرسة بحر البقر، للأسف لا نجد ما يعبر عنهم وعن قيم العمل ونحن نحاول الاحتفال بالعمال.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية