لندن- “القدس العربي”:
قبل أسبوع من بدء الاقتراع الرسمي للانتخابات الرئاسية والبرلمانية التركية، تبنت مجلة “إيكونوميست” موقفا يدعم المعارضة، وخصصت غلاف عددها الأخير من أجل الدعوة للتصويت، وإنهاء عشرين عاما من حكم رجب طيب أردوغان الذي يتجه كما قالت، بشكل متزايد للديكتاتورية.
وعلى الغلاف، قالت المجلة إن الانتخابات هي الأهم لتركيا، ووضعت دوائر أربعة للعلم التركي، وكتبت: “أنقذوا الديمقراطية”، “يجب على أردوغان الرحيل” و”صوتوا”. وبدأت المجلة منذ فترة تكتب نعي أردوغان وترى أن عصره سينتهي هذا العام.
وفي افتتاحية العدد إلى جانب تغطيات موسعة حول أهمية التصويت لكي تستطيع المعارضة التخلص من أردوغان، قالت المجلة: “تحت قصر كوب كابي في إسطنبول، بيت السلاطين.. معلم لزعيم تركي آخر مستبد. تم السماح في الشهر الماضي لحاملة الطائرات “الأناضول” أول حاملة طائرة مصنعة محليا، بدخول مضيق البوسفور في الوقت الذي تحضر فيه البلاد للانتخابات في 14 أيار/مايو التي تعتبر الأهم من أي انتخابات في العالم هذا العام. ويأمل الرئيس أردوغان أن يثير المشاعر الوطنية من خلال عرض حاملة الطائرات التي تقوم بجولة على الساحل. لكن جاذبية الرئيس واللفتات العظيمة ربما لم تكن كافية، فالرجل الذي حكم تركيا منذ 2003 قد يواجه الهزيمة”.
The defeat of Recep Tayyip Erdogan would have global consequences—and show democrats everywhere that strongmen can be beaten https://t.co/bHPEstl69d pic.twitter.com/tMjhj2Wa1P
— The Economist (@TheEconomist) May 4, 2023
وبحسب المجلة، فإن الانتخابات هي على حد السكين، فمع صدور العدد، تُظهر الاستطلاعات تراجع أردوغان بهامش ضيق. ولو هُزم، فسيكون حدثا مدهشا بتداعيات دولية. وستأتي حكومة جديدة تصلح العلاقة المضطربة مع الغرب. فتركيا أردوغان ظلت تلعب دور المعطل في الشرق الأوسط ووطدت علاقاتها مع روسيا، رغم عضويتها في حلف الناتو.
والأهم من هذا، أن الرفض السلمي لأردوغان، سيظهر للديمقراطيين في العالم، أن الرجال الأقوياء يمكن هزيمتهم. وإذا بدأنا من تركيا نفسها، بلد متوسط الدخل عدد سكانه 85 مليون نسمة، وعلى مفترق الطريق بين أوروبا والشرق الأوسط. ومثل بقية المستبدين، فقد عزز أردوغان سلطته من خلال إضعافٍ منظم للمؤسسات التي تحد وتصحح السياسة، والتي يقول معارضوه، إن لديهم خطة مفصلة ووعدت بإعادة دورها.
ومن أهم سلبيات القوة التي لا تتعرض للقيود، هي أن سياسات أردوغان أضرت بالناس العاديين. فقد طرد ثلاثة من حكام المصرف المركزي المستقل خلال عامين. وعيّن صهره العقيم وزيرا للمالية، وأجبر منذ ذلك الوقت، البنك على اتباع سياسة نقدية فضفاضة، أدت لزيادة النمو، ولكنها قادت لمعدلات تضخم بنسبة 86% العام الماضي، ولا تزال فوق 40% (حسب الأرقام الرسمية، التي تقول المجلة إنها ليست موثوقة). ويتذمر الناخبون من زيادة أسعار البصل الذي ارتفع سعره عشرة أضعاف في عامين.
ولو فاز مرشح المعارضة كمال كليتشدار أوغلو وأصبح رئيسا، فقد تعهد بإعادة استقلال البنك المركزي، وتخفيض التضخم لرقم واحد، هذا إن حالفه الحظ، وسيمنع انهيار الاستثمار الأجنبي، ولكن ليس الاقتصاد هو ما يحتاج لإصلاحه، بل الديمقراطية التي تعيش على التنفس الاصطناعي. فمثل بقية الرجال الأقوياء، حيّد أردوغان القضاء عبر التعيينات القضائية، وكمّم الإعلام عبر التخويف وعمليات بيع وسائل إعلام لمحسوبين على النظام. كما همش البرلمان عبر التغيير الدستوري عام 2017 الذي منحه سلطة الحكم عبر المراسيم، ووعد كليتشدار أوغلو بإلغاء هذا.
ولاحق المحققون التابعون لأردوغان الناشطين والسياسيين بناء على أدلة واهية وتهم الإرهاب. وأشارت المجلة إلى المعتقلين السياسيين خاصة من الحزب الكردي الرئيسي، وثالث الأحزاب في البلاد المهدد بالمنع. كما يواجه عمدة إسطنبول المعارض، المنع من ممارسة السياسة.
ويخشى المسؤولون السياسيون السابقون، انتقاد الرئيس، وسيزداد الوضع سوءا لو أعيد انتخاب أردوغان، ولكن الأوضاع ستتحسن لو خسر، كما تقول المجلة.
وترى “إيكونوميست” أن انتصار المعارضة سيكون جيدا لجيران تركيا، وله قيمة جيوسياسية للغرب. فقد أصبحت تركيا اليوم غريبة بشكل كامل عن أوروبا. فمع أنها لا تزال اسميا مرشحة للاتحاد الأوروبي، وهو ما لن يحدث أبدا، لكنه كرئيس، تعهد كليتشدار أوغلو بتطبيق قرارات المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، والإفراج عن المعتقلين السياسيين، وإحياء برنامج التأشيرات للأتراك، وتحسين فرص دخول تركيا للسوق الأوروبية الواحدة، والتعاون بشكل قريب في السياسة الخارجية.
وبرحيل أردوغان، فستتحسن فرص انضمام السويد للناتو. إلا أن تركيا ستواصل سياسة أردوغان من أوكرانيا، وستواصل تزويد الأخيرة بالمسيرات لكنها لن تنضم إلى العقوبات ضد روسيا.
وانتصار في تركيا هو رسالة للديمقراطيين حول العالم، أن المستبدين لن ينجحوا حتى لو قصقصوا أجنحة الديمقراطية، وأضعفوا المؤسسات التي تحد من سلطة الحكومة.
وهناك 56 دولة تعتبر دولا مستبدة. ولو هُزم أردوغان، فهذا يعني أن تآكل الديمقراطية يمكن عكسه، وعلى القوى الديمقراطية أن تتوحد قبل أن يكون الوقت متأخرا. ففي الهند، سمحت المعارضة المتشرذمة لناريندرا مودي بالفوز. وبات زعيم الحزب الأبرز اليوم في السجن.
والوضع في بولندا كئيب، ولكن المعارضة هناك خسرت انتخابا وراء انتخاب. وربما كان كليتشدار أوغلو شخصا مملا، لكنه شخص يدعو للإجماع ومتواضع على عكس عدوه. ولو فاز، فستكون فرصة كبيرة لتركيا وأوروبا والعالم.
فعل أردوغان بعض الأشياء الجيدة في السنوات الأولى من حكمه، لكن تزايد القوة في يده، جعله يسيء التقدير وفقد حسه الأخلاقي، بحسب المجلة.
وتختم بالقول: “نصادق بحرارة على كمال كليتشدار أوغلو كرئيس مقبل لتركيا”.