الناصرة ـ «القدس العربي»: أكّد نادي الأسير الفلسطينيّ، أنّ حالة من التّوتر الشديد ما تزال تسود أقسام الأسرى في كافة سجون الاحتلال، وذلك بعد مرور أيام على جريمة اغتيال الشّهيد خضر عدنان داخل أسره مضربا عن الطعام. وأضاف نادي الأسير، أنّ إدارة السّجون تواصل إغلاق الأقسام حتّى اليوم، تحسبًا لأي مواجهة قد ينفذها الأسرى ضد السّجانين، كما وتهدد بفرض عقوبات في حال لم يكن هناك تعهد من الأسرى بوقف التهديدات المعلنة منهم، خاصّة بعد المواجهة التي نفذها الأسير محمد خروشة من نابلس، ضد أحد السّجانين في سجن «مجدو» قبل أيام ردًا على جريمة اغتيال الشيخ خضر عدنان. من الجدير ذكره، أنّ الأسرى في كافة السّجون قد نفذوا سلسلة من الخطوات الاحتجاجية عقب جريمة اغتيال الشهيد خضر عدنان، والتي تمثلت بإرجاع وجبات الطعام، وكذلك وقف كافة مظاهر الحياة الاعتقالية اليومية، وإبلاغ إدارة السّجون أنّ الحداد سيكون مفتوحًا حتّى الرد على الجريمة.
على خلفية ذلك التقى رئيس نادي الأسير الفلسطيني قدورة فارس، القنصل الفرنسي العام رينيه تروكاز، لوضعه في آخر المستجدات على صعيد قضية الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال الإسرائيلي، وما يواجهونه من جرائم وانتهاكات جسيمة متواصلة وعلى عدة مستويات، وتحديدًا جريمة إعدام الشهيد خضر عدنان، وما جرى طوال فترة إضرابه المفتوح عن الطعام إلى يوم استشهاده. وخلال اللقاء الذي جرى في المقر العام لنادي الأسير الفلسطيني في رام الله، استعرض فارس، جملة من القضايا المتعلقة بواقع الأسرى والمعتقلين في سجون الاحتلال الإسرائيليّ، وأبرزها جريمة الإهمال الطبي الممنهجة والقتل البطيء، التي يواجهها الأسرى، والتي تُشكّل اليوم أبرز الجرائم الممنهجة، واستعرض بعض حالات الأسرى المرضى، وعلى رأسهم، الأسيران وليد دقة، وعاصف الرفاعي، إضافة إلى جريمة احتجاز جثامين الشهداء ومن بينهم الشهداء الأسرى، وآخرهم الشهيد خضر عدنان. ووجه فارس جملة من الانتقادات والتساؤلات عن الموقف الأوروبي، والموقف الفرنسي على جملة من القضايا وكان من أبرزها قضية الأسير السابق والحقوقي صلاح الحموري. كما وطالب فارس، بضرورة أن تكون هناك مراجعة حقيقية للموقف الأوروبي تجاه الكثير من القضايا المتعلقة بالقضية الفلسطينية، وتحديدًا في ظل التحولات الكبيرة والخطيرة التي فرضتها الحكومة اليمينية الأكثر تطرفًا في تاريخ الاحتلال، والتهديدات غير المسبوقة من الوزير الفاشي بن غفير. وبدوره وجه القنصل رينيه العديد من التساؤلات عن الواقع الراهن، ومنها قضية الأسرى، وكذلك قضية استمرار اعتقال القائد الوطني مروان البرغوثي، ومستوى حضوره على المستوى السياسي والوطني.
اعتقال الصحافيين
وفي هذا المضمار قالت مؤسسة «الضمير» لرعاية الأسير وحقوق الإنسان، بمناسبة اليوم العالمي لحرية الصحافة، إنّ سلطات الاحتلال الإسرائيليّ، تواصل اعتقال 16 صحافيًا في سجونها، من بينهم أربعة رهن الاعتقال الإداريّ. وأضافت المؤسسات، في تقرير لها، إنّ سلطات الاحتلال تنتهج جملة من السّياسات لتقييد حرّيّة الرأي والتعبير وفرض مزيد من الرّقابة والسّيطرة على الفلسطينيين، كجزء من أدوات نظام الفصل العنصري، وأبرزها سياسة الاعتقال، والتّهديد، والحبس المنزليّ، والاعتداءات المتكررة في ميدان العمل؛ وذلك في محاولة مستمرة لتقويض دورهم المجتمعيّ، والثقافيّ، والسياسيّ، ومنعهم من الكشف عن الجرائم المستمرة بحقّ الفلسطينيين.
وشكّل العام المنصرم المحطة الأبرز في الجرائم والانتهاكات بحق الصحافيين، فكان اغتيال الصحافية الشّهيدة شيرين أبو عاقلة، الجريمة الأبرز التي شهدها العالم، والتي رافقتها محاولة الاحتلال التضليل عبر اختلاق عدة روايات لجريمة قتلها.
سياسة الاعتقال الإداريّ
تُشكل سياسة الاعتقال الإداريّ أبرز السّياسات الممنهجة التي تستهدف الفلسطينيين، فهي عملية اعتقال من دون محاكمة وبسببها هناك مئات الأسرى الفلسطينيين اليوم. إسرائيل التي تستخدم هذه الانتهاكات والأنظمة القمعية الموروثة من نظام الاستعمار البريطاني لا تكترث للانتقادات الدولية ولا حتى الإسرائيلية ضد هذا النوع من التنكيل ومحاولات كسر الإرادة ما يدفع الكثير من الأسرى للإضراب عن الطعام. بعد اغتيال خضر عدنان في أسره في الأسبوع الماضي حملت صحيفة «هارتس» الإسرائيلية على سلطات الاحتلال وقالت إنه فيما يتظاهر عشرات الآلاف من الإسرائيليين لحماية الديمقراطية يتم تجاهل واحدة من أبشع المظاهر الاستبدادية في العالم وهي الاعتقال الإداري. كما قالت «هارتس» في افتتاحيتها الاستثنائية إن مظاهر الاحتجاج في إسرائيل تتجاهل ما يجري في الساحة الخلفية لإسرائيل ساحة الاحتلال داعية لضرورة وقف هذا «الاعتقال وهذا العار».
«شياطين» في عيون معظم الإسرائيليين
لكن افتتاحية «هارتس» ما زالت صوتا استثنائيا في المشهد الإسرائيلي، فعلى النقيض تماما من المكانة السامية التي يحظى بها الأسرى الفلسطينيون لدى شعبهم بوصفهم قيادات وطلائع و«خيرة أبناء وبنات الشعب» تميل معظم التحليلات والمقاربات الإسرائيلية إلى ترداد وجهة النظر الرسمية – الأمنية، التي تنظر إلى الأسرى الفلسطينيين من زاوية استعلائية عنصرية، فهم مخربون وقتلة ومتطرفون، وأفراد يمثلون خطرا على الجمهور، تحركهم رغبة القتل وليسوا جديرين بأية معاملة إنسانية ولا حتى وفق الحد الأدنى للقوانين الإسرائيلية للسجناء الجنائيين وينبغي مطاردتهم وسجنهم وإبقاءهم رهن الاعتقال مع تشديد ظروف حبسهم. ونادرة هي المواقف ووجهات النظر التي تتطرق للأسرى الفلسطينيين باعتبارهم بشرا ذوي حقوق أولا، ناهيك عن الاعتراف بهم كمناضلين من أجل الحرية. ومثلما تمتنع إسرائيل عن تطبيق القوانين والمعاهدات الدولية على الأراضي الفلسطينية المحتلة، وتعتمد نظامين قانونيين متباينين أحدهما للمستوطنين والثاني للفلسطينيين، فإن سلطات الاحتلال تطبق نظامين قانونيين على السجناء أحدهما للسجناء الجنائيين، والثاني للسجناء الأمنيين، وهم الأسرى الفلسطينيون. ويحرم الاحتلال الأسرى بموجب هذه القوانين والإجراءات من جميع أنواع التسهيلات والمزايا التي توفرها القوانين للسجناء العاديين مثل الزيارات والإجازات والأجهزة الكهربائية والإلكترونية وإمكانيات الاتصال مع الأهل وظروف الزيارة والتفتيش والرعاية الطبية، بينما أعدت قوانين خاصة للأسرى السياسيين في مختلف المجالات التي تخص ظروف الاعتقال أو المحاكمة كما يُفصّلها المركز القانوني لحقوق الأقلية العربية في إسرائيل «عدالة».
نظرة عنصرية واستعلائية
ويشكل موضوع الأسرى الفلسطينيين الأمنيين الذين يتراوح عددهم بين 4600 و4700 أسير، بينهم 40 امرأة، و200 طفل وأكثر من 500 معتقل إداري، موضوعا بالغ الحساسية بالنسبة للفلسطينيين، لكنه بات يمثل ورقة ضغط وابتزاز في يد السلطات الإسرائيلية حسب نادي الأسير الفلسطيني الذي تؤكد معطياته أن أكثر من مليون فلسطيني تعرضوا للاعتقال منذ العام 1967 لفترات متفاوتة، ومن بينهم نحو 13000 امرأة. ورغم أهمية الموضوع وحساسيته فقد خلت اتفاقية أوسلو، المعروفة باتفاقية إعلان المبادئ، الموقعة في أوسلو في مثل هذه الأيام عام 1993 بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية من أي ذكر لقضية الأسرى. كما يشير «مدار» أنه بينما اتفاقية القاهرة الموقعة بتاريخ 4/5/1994 تحدثت عنهم ولكنها أبقتهم رهن الإجراءات والمعايير الإسرائيلية، حيث ورد في المادة 20 من تدابير بناء الثقة بأن تقوم إسرائيل بالإفراج أو تسليم السلطة الفلسطينية خلال مهلة خمسة أسابيع، حوالي 5000 معتقل وسجين فلسطيني. لكن أسماء الأسرى ومعايير الاتفاق بين الجانبين لم تتحدد وفق اتفاق ثنائي، بل ظلت محكومة للاعتبارات الداخلية التي يراها الجانب الإسرائيلي. وكما هو متوقع، فحتى هذا الاتفاق المتساهل خرقته إسرائيل ولم تف به تماما كما فعلت عند الاتفاق على الإفراج عن أربع دفعات في العام 2014 بعد جهود وزير الخارجية الأمريكي الأسبق جون كيري لاستئناف المفاوضات، وكما فعلت أيضا بإعادة اعتقال الأسرى الذين تحرروا بموجب صفقة شاليط «وفاء الأحرار» ما أفضى لتفاعلات ميدانية قادت لحرب على غزة بنفس العام. في السنوات اللاحقة لاتفاق أوسلو وضعت إسرائيل معايير مشددة للإفراج ضمن إجراءات بناء الثقة، ورفضت مرارا وتكرارا الإفراج عن أسرى الداخل، أو عن أسرى القدس، فضلا عمن تصفهم بأن على «أيديهم دماء يهودية» وفي اتفاقية طابا (أوسلو 2) العام 1995 واتفاقية واي ريفر في واشنطن العام 1998 تم الاتفاق على الإفراج عن دفعات إضافية من الأسرى، ولكن عند التطبيق كانت إسرائيل تفرج عمن تبقت له شهور قليلة، أو من أمضى أكثر من ثلثي فترة محكوميته، من دون الاستجابة للمطالب الفلسطينية بالإفراج عن ذوي الأحكام العالية أو من قضوا فترات طويلة في السجون. وتنوه مديرة المركز الفلسطيني للشؤون الإسرائيلية «مدار» دكتورة هنيدة غانم لـ «القدس العربي» أن حديث التسهيلات والامتيازات تدحضه الدراسات المتخصصة. ففي دراسة تعود إلى العام 2016 ترى الباحثة طالي حيروتي سوفير، في بحث نشره موقع «ذي ماركر» بتاريخ 14 تموز/يوليو 2016 أن نظام السجون في إسرائيل هو من أكثر الأنظمة شدة وصرامة في العالم. وفي دراستها أجرت مقارنات مع عدد من الدول الأوروبية يتبين منها أن نسبة عدد السجناء الأمنيين والجنائيين في إسرائيل إلى عدد السكان (256 لكل مئة ألف) تصل إلى أربعة أضعاف دولة مثل السويد وأكثر من ثلاثة أضعاف ما في هولندا، لكن النسب في جنوب أوروبا تقترب قليلا من إسرائيل التي لا يتفوق عليها في هذا الشأن في أوروبا سوى روسيا.
تبعات استشهاد
عدنان على الأسرى
وفي المقابل أظهر استشهاد الأسير الشجاع خضر عدنان نوعا من ضعف أو تراجع الهبة الشعبية لنصرة الأسرى الفلسطينيين داخل الشارع الفلسطيني. صحيح أن استشهاده دفع المقاومة في قطاع غزة لتوجيه أكثر من 100 صاروخ نحو أهداف في إسرائيل تسببت بالنيل من هيبتها واستعلائيتها وغطرستها، ولكن بشكل عام بقيت ردود الفعل على استشهاد عدنان خضر مخالفة لما هو مستحق في مثل هذه الحالة. وهذه التوقعات جاءت على خلفية كون خضر عدنان مناضل يتعرض للاعتقالات الإدارية في معظمها منذ 20 عاما وسبق ان أضرب عن الطعام خمس مرات لفترات طويلة ويبدو ان سلطات الاحتلال رغبت هذه المرة بكسر إرادته وإرادة ما يمثله، فهل ينعكس ذلك سلبا على أحوال ومكانة الأسرى في السجون الإسرائيلية؟