رغم الأمراض التي يعاني منها الاقتصاد المصري، فإن بيانات ميزان المدفوعات للنصف الأول من السنة المالية الحالية تكشف أن المريض يستجيب للعلاج، لكن حالته العامة ما تزال غير مستقرة. هذا يعني أن المريض يمكن أن يتعافى وينهض من كبوته، كما يمكن أيضا أن يصاب بنكسة شديدة، تزيد تعقيد حالته المرضية. ويعتبر تحسن عجز الحساب الجاري بنسبة 77.2 في المئة ليبلغ 1.8 مليار دولار، مقابل 7.8 مليار دولار في الفترة المناظرة من العام السابق إنجازا كبيرا على صعيد تحقيق التوازن في علاقات التبادل بين مصر والعالم الخارجي. وجاء هذا الإنجاز على الرغم من استمرار ظروف خارجية سلبية مثل الحرب في أوكرانيا، وسياسة الولايات المتحدة برفع سعر الفائدة على الدولار، والتضخم العالمي. وقد تحقق تخفيض عجز الحساب الجاري بفضل نجاح السياسة الاقتصادية في تخفيض عجز ميزان التجارة السلعية، وزيادة الفائض في ميزان تجارة الخدمات التي تشمل رسوم المرور في قناة السويس وإيرادات السياحة. وانخفض عجز الميزان التجاري بنسبة 28.4 في المئة، بما قيمته 6.2 مليار دولار، ليبلغ 15.5 مليار دولار مقابل 21.7 مليار، وارتفعت الصادرات بحوالي مليار دولار إلى 21.5 مليار دولار من 20.6 مليار. وكانت الصادرات البترولية هي المحرك الأول لهذا الارتفاع إذ أسهمت بحوالي 900 مليون دولار، بينما زادت الصادرات السلعية غير البترولية بحوالي 100 مليون دولار فقط. أما بالنسبة للواردات فقد أسفر تخفيض الواردات السلعية، خصوصا السلع الوسيطة والاستثمارية عن تراجع مدفوعات الواردات بنسبة 12 في المئة تقريبا، بحوالي 5 مليارات دولار، لتنخفض إلى 37 مليارا من 42 مليار دولار تقريبا.
وقد أدت إجراءات تخفيض الواردات إلى رفع نسبة تغطية الصادرات للواردات من 48.58 في المئة، إلى حوالي 58.0 في المئة خلال فترة المقارنة. وعلى الرغم من مزايا التحسن في ميزان الحساب الجاري، وأهمها تخفيف الضغط على احتياطي النقد الأجنبي، وعلى قيمة العملة المحلية، فإن تحقيقه بواسطة فرض إجراءات انكماشية على الواردات، يؤدي إلى نتائج سلبية في مناخ الاستثمار وجانب العرض بشكل عام، ويقوض خطط التوسع الاستثمار، ويقلل ثقة المستثمرين المحليين والأجانب في مستقبل الاستقرار الاقتصادي.
زيادة دخل السياحة وقناة السويس
لعب فائض الميزان الخدمي دورا قويا بجانب القيود على الواردات في تحسين عجز الحساب الجاري. وقد تضاعف فائض الميزان الخدمي تقريبا إلى 10.8 مليار دولار مقابل 5.6 مليار بنسبة زيادة بلغت 93 في المئة، نظرا لزيادة صافي الإيرادات السياحية، وحصيلة رسوم المرور في قناة السويس. وقد ارتفعت قيمة إيرادات القطاع الخدمي إلى 17.7 مليار دولار، مقابل 13.1 مليار، في حين انخفضت قيمة المصروفات من 7.4 مليار دولار إلى 6.9 مليار. وأسهمت الزيادة في إيرادات المرور من قناة السويس بحوالي 600 مليون دولار، حيث بلغت 3.9 مليار دولار مقابل 3.3 مليار. أما إيرادات السياحة والسفر فقد ارتفعت إلى 7.3 مليار دولار مقابل 5.8 مليار في الفترة المناظرة من العام الماضي. ونتوقع أن تسجل إيرادات السياحة والسفر زيادة كبيرة في النصف الثاني من السنة المالية، خصوصا بعد الإعلان عن كشوف أثرية مهمة، وافتتاح المتحف المصري الكبير في شهر تشرين الثاني/نوفمبر المقبل.
توازن على حساب التنمية؟
وعلى الرغم من أن بيانات ميزان المدفوعات للنصف الأول من السنة المالية تظهر تراجعا ضخما في عجز الحساب الجاري بنسبة 77 في المئة، إلا أن هذا التراجع جاء على حساب التنمية وتقليص الواردات إلى درجة الإضرار بالاستثمار وفرص التصدير. وهناك الكثير من المؤشرات الإيجابية الخارجية، مثل زيادة الإيرادات السياحية بنسبة 25.7 في المئة، وزيادة إيرادات النقل بنسبة 45 في المئة، وزيادة الاستثمارات غير النفطية، التي من المتوقع أن تستمر وتتزايد مع زيادة حاجة أوروبا إلى تنويع مصادر إمدادات الطاقة بعيدا عن روسيا، واستعداد شركات مثل إيني الإيطالية، وشيفرون الأمريكية، وتوتال الفرنسية، وبريتش بتروليوم البريطانية، لزيادة استثماراتها في تطوير حقول النفط والغاز البحرية والبرية في مصر ودول حوض شرق البحر المتوسط. ومع ذلك فإن بيانات ميزان المدفوعات المصري أظهرت مؤشرات مقلقة منها انكماش الفائض في ميزان التجارة البترولية إلى 1.8 مليار دولار، مقابل 2.1 مليار في الفترة المناظرة من العام الماضي. وذلك رغم ارتفاع قيمة صادرات الغاز الطبيعي بحوالي 2 مليار دولار.
تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر
على صعيد ميزان الاستثمار الكلي، أظهرت بيانات البنك المركزي زيادة صافي العجز بحوالي 2 مليار دولار، إذ بلغت قيمة مدفوعات دخل الاستثمار من الداخل إلى المستثمرين الأجانب في الخارج حوالي 9.6 مليار دولار، مقابل 7.6 مليار دولار في الفترة المناظرة من العام الماضي، منها مدفوعات فوائد عن الدين الخارجي، التي تضاعفت قيمتها خلال الفترة المذكورة، حيث بلغت 2.4 مليار دولار مقابل 1.2 مليار في الفترة المناظرة من العام السابق. وعلى صعيد حساب المعاملات الرأسمالية والمالية فقد تراجعت القيمة الكلية للتدفقات إلى 2.7 مليار دولار مقابل 11.4 مليار. وحقق حساب المعاملات الرأسمالية والمالية صافي تدفق للداخل بقيمة 2.7 مليار دولار، وذلك نتيجة ارتفاع صافي الاستثمار الأجنبي المباشر للداخل ليصل إلى 5.7 مليار دولار، بينما ارتفع صافي تدفق الاستثمارات المالية الأجنبية للخارج بقيمة 3 مليارات دولار. التطورات السابقة أسفرت عن فائض كلي في ميزان المدفوعات بقيمة 599 مليون دولار، كما جاء في بيان أخير أصدره البنك المركزي المصري.
وفي حال زيادة اعتماد مصر على تمويل تجارتها الخارجية بعملات غير الدولار، فإن ذلك يمكن أن يساعد على تحسن ميزان الحساب الجاري وميزان المدفوعات، بشرط أن تتوفر لها مصادر تمويل بالعملات الأخرى، سواء من خلال اتفاقيات المبادلة بين العملات عن طريق البنوك المركزية، أو عن طريق زيادة الصادرات إلى الأسواق المستهدفة. إذا تمكنت مصر على سبيل المثال من زيادة صادراتها إلى الهند بالروبيه، فإنها تستطيع في هذه الحالة زيادة تسوية وارداتها من الهند بالعملة المحلية، أما إذا لم تتمكن فإنها ستحتاج إلى استخدام عملة وسيطة قابلة للتحويل، مثل الدولار أو اليورو.
هبوط حاد لتحويلات العاملين
تمثل تحويلات العاملين أهم مصادر العملات الأجنبية في مصر بدون مقابل أو تكلفة لاحقة، فهي في حقيقة الأمر أهم عائد استثماري، تحصل عليه مصر من استثماراتها في ثروتها البشرية. وقد سجلت بيانات ميزان المدفوعات
هبوط تحويلات المصريين العاملين في الخارج خلال النصف الأول من السنة المالية الحالية بنسبة 23 في المئة. وجاء معظم هذا الهبوط في الربع الثاني من السنة المالية. وكانت تحويلات العاملين قد زادت في العام الماضي بحوالي 500 مليون دولار.
وبلغت قيمة التحويلات في النصف الأول من السنة المالية الحالية 12 مليار دولار فقط، مقارنة بحوالي 15.6 مليار دولار في الفترة المناظرة من السنة المالية السابقة. ومن المرجح أن هذا الهبوط يعكس التأثير السلبي للسياسة النقدية الجامدة إلى حد كبير، وليس الهبوط في دخل المصريين العاملين في الخارج. وربما يستوجب ذلك أن يقوم البنك المركزي بدراسة الأرقام تفصيليا، لبيان السبب الحقيقي الذي يفسر هذا الهبوط، والتصرف بتعديل السياسة النقدية، على ضوء استنتاجات الدراسة. ويتعلق تعديل السياسة النقدية هنا بتطبيق درجة عالية من المرونة في تحديد سعر الصرف، بما يستجيب لاحتياجات الإصلاح الداخلي، أكبر من أي اعتبارات أخرى متعلقة بضغوط الصندوق. ويجب أن تنطلق السياسة النقدية من حقيقة أن المستثمرين الأجانب، سواء أصحاب الاستثمارات المباشرة مثل صناديق الاستثمار العربية، أو أصحاب الاستثمارات والمساعدات المالية ومؤسسات التمويل الدولية المتعددة الأطراف ومنها صندوق النقد الدولي، هم «شركاء التنمية» الذين تعتمد عليهم مصر وليسوا خصوما لها. ويكفي أن مؤسسة التمويل الدولية التابعة للبنك الإسلامي هي التي تمول شراء واردات مصر من القمح، وأن إجراءات طرح المناقصة الأخيرة لاستيراد القمح قد تأخرت بسبب تأخير الإفراج عن قرض من المؤسسة بقيمة مليار دولار تقريبا.
مناخ استثمار سلبي
أدى التصنيف الائتماني السلبي للديون السيادية المصرية، إلى تدهور أسعار السندات الدولارية وغير الدولارية. ويتجلى ذلك في ارتفاع معدلات تكلفة التأمين ضد المخاطر من 542.7 نقطة أساس فوق العائد على سندات الخزانة الأمريكية في بداية العام الحالي إلى 1845.8 نقطة أساس في 27 من الشهر الماضي، بزيادة 1303.1 نقطة أساس، أي حوالي 13 في المئة، بنسبة زيادة تصل إلى 240 في المئة عما كانت عليه. وقد انعكس ذلك على تكلفة الاقتراض الحكومي من البنوك المحلية من 14 في المئة إلى 26 في المئة. ومع زيادة الإنفاق الحكومي وارتفاع أسعار الفائدة، يقف القطاع الخاص (المحلي والأجنبي) عاجزا عن الحصول عن التمويل الكافي من البنوك بتكلفة ملائمة نتيجة المزاحمة الحكومية.
مصلحة المستثمر الأجنبي
تتلخص فلسفة الاستثمار الأجنبي من وجهة نظر المستثمرين، في الحصول على عائد مرتفع على الاستثمار، من خلال فرص أفضل من تلك المتاحة في أسواقهم المحلية، سواء بسبب مزايا حجم السوق في الخارج، أو بسبب ضيق الطاقة الاستيعاب في الداخل. وتتحقق المصلحة الرئيسية للمستثمر من ارتفاع الأرباح وكذلك استعادة رأس المال الأصلي. وهذا يتطلب سهولة التحويل النقدي من سوق الاستثمار الخارجي «البلد المضيف» إلى بلد العملة مصدر الاستثمار. وإذا عجز المستثمر الأجنبي عن تحقيق مصلحته تلك، فإن الاستثمار الأجنبي له يكون خسارة. الخسارة الأشد تأتي من صعوبة التشغيل، نتيجة ارتفاع تكلفة التمويل المحلي، وصعوبة تدبير النقد الأجنبي اللازم للتشغيل من السوق المحلية. وهذا ما يفسر قرار الشركة المتحدة للإلكترونيات «إكسترا» السعودية بتجميد توسعاتها الاستثمارية في مصر، الذي أعلنته في بداية الشهر الحالي. فهذه الشركة المتخصصة في تجارة الإلكترونيات والأجهزة الكهربائية تستورد النسبة الأعظم من مبيعاتها في السوق المصرية من الخارج، لكنها تبيع لزبائنها المحليين بالجنيه المصري. ومن ثم فإنها تحتاج إلى سياسة نقدية شديدة المرونة لاستخدام إيرادات المبيعات في إعادة ملء مخازنها بسلع معظمها مستوردة، وإلا فإنها تتوقف عن العمل. وهذا ما حدث فعلا، وهو ما سيؤدي إلى فقدان حوالي 80 في المئة من العاملين فيها لوظائفهم.
القرار يمثل ضربة قاسية لجهود الحكومة المصرية في تسويق برنامج بيع أصول مملوكة للدولة يتضمن حصصا في شركات أو بيعا كاملا لأصول استثمارية، منها بنوك وشركات تجارية وصناعية وعقارية. الحكومة كانت قد أعلنت إنها تطمح إلى جميع حصيلة بقيمة 2 مليار دولار، من عروض الخصخصة قبل نهاية الشهر المقبل، حزيران/يونيو، الذي يوافق نهاية السنة المالية، وهو هدف مشكوك في تحقيقه. كما تبدو في الأفق أيضا غيوم داكنة بشأن خطط استثمار بعض الشركات الإماراتية المملوكة لشركة أبو ظبي القابضة في مصر. ومع ذلك فإن عمليات الاستثمار لم تتوقف، وهناك الكثير من الصفقات التي يتم التفاوض بشأنها، بينما تعرض الحكومة شروطا ميسرة من أجل إتمام تلك الصفقات، منها عدم اشتراط بيع الأصول بالدولار، كما حدث في صفقة استحواذ شركة إماراتية على شركة «باكين» المصرية للبويات، علما بأن البيع بالدولار هو الحافز الرئيسي لبرنامج الخصخصة.