الفقر يدفع اللبنانيين لتجارة الخردة

عبد معروف
حجم الخط
0

دفع ارتفاع حالات الفقر والبطالة اللبنانيين لتجارة الخردة والأواني والأدوات المستعملة، وجمع العملة المعدنية وبيعها في محاولة للتغلب على مصاعب الحياة وتأمين لقمة العيش من طعام وأدوية لأسرهم وأطفالهم.
فقد ارتفعت نسبة الفقر وتضاعف عدد المهاجرين بطرق شرعية وغير شرعية من لبنان، بسبب حالة الانهيار المالي والاقتصادي العام، وحالة الاستعصاء السياسي والتوترات الأمنية التي تشهدها البلاد.
ولم يعد يتردّد كُثر من اللبنانيين عن بيع أي شيء يمكن أن يردّ عليهم مبالغ ولو بسيطة لتأمين لقمة العيش لهم ولعائلاتهم، مع تزايد نسب الفقر إلى مستويات هائلة. وحسب آخر تقييم لمنظمة يونيسف فإن 84 في المئة من الأسر لا تملك ما يكفي من المال لتغطية ضروريات الحياة (خبز، دواء، أقساط المدارس، مواصلات، … إلخ).
لا أحد يعرف تاريخا محدّدا لمهنة جمع وبيع الخردة في لبنان، إلا أنه من المؤكد ان هذه المهنة التي تنامى دورها مؤخرا، راجت بعد الحرب الأهلية وتطورت مع الحروب المتتالية التي شهدها لبنان ولم تتوقف مع عودة الأمن والاستقرار بسبب الأزمات الاقتصادية والمعيشية التي ترزح تحت وطأتها شريحة كبيرة من المواطنين، فضلا عن تحولها إلى مهنة ثابتة للكثيرين ممن لفظهم سوق العمل المحلي ولم يجدوا مكانا بديلا لهم.
هذه المهنة يعتبرها البعض أشبه بتجارة الذهب، بالنسبة للذين حولوها إلى تجارة عابرة للحدود، فغدت مصدرا يدر عليهم أموالا طائلة ويوفر فرصا عديدة للعمل في مجال جمع الخردة على أنواعها وفرزها وتوضيبها.
تحولت الأنظار إلى جمع وبيع الخردة في الفترة الأخيرة، خصوصاً مع اكتظاظ النفايات في الشوارع ولجوء عدد من السكان إلى البحث داخلها عما يُباع. تبدأ عملية جمع الخردة بالنسبة لأحد المواطنين اللبنانيين عند الخامسة صباحاً وتنتهي الرابعة عصراً في مكان يطلق عليه اسم «البورة» وهناك تتقاطع الأصوات، حيث حركة العمال التي لا تهدأ. يفرزون القطع، كل صنف على حدة. داخل «البورة» تتعرف إلى نمط جديد من حياة اللبناني.
وغالباً ما تجد قطعاً نادرة استخف أصحابها بها، يقول سلمان: «في إحدى المرات رمت إحدى السيدات فانوساً قديماً مزخرفاً وبعض القطع القديمة، فبعتها لهاوٍ بمئتي دولار».
وقال حمزة من الضاحية الجنوبية من بيروت، أنه يجمع الخردة من بقايا الحديد والنحاس والألمنيوم، حيث يجدها قرب مكبات النفايات وعلى جانبي الطرقات، ويعمل على بيعها لتجار كبار، يعملون على تذويبها وتصنيعها مجددا.
ويؤكد حمزة لـ«القدس العربي» أنه يكسب من وراء هذه التجارة مبالغ لا بأس بها تمكنه من تأمين لقمة العيش لأولاده والدواء لأمه المريضة.
وعن السبب الذي أدى به لهذا العمل، أضاف، «ارتفعت نسبة البطالة ولم نعد نجد فرص عمل بعد الانهيار الاقتصادي وإقفال مئات إن لم نقل آلاف المؤسسات التجارية أبوابها، حياة صعبة وقاسية في لبنان، ما دفعنا لاتباع هذه الطريق لتأمين لقمة العيش والدواء لأولادنا».
وفي منطقة الرملة البيضاء في بيروت، شاب يبحث في مستودعات للنفايات عن أدوات وقطع معدنية أو كما يطلق عليها (خردة) سألته «القدس العربي»: ما هي الخردة؟ أجاب، الخردة هي أواني المطبخ وقطع من السيارات والبرادات والغسالات والأدوات المصنوعة من معدن، سواء أكان من حديد، نحاس، ألمنيوم، زنك، كلها تسمى خردة.
وقال، نحن الفقراء نجمع الخردة التي القيت على جوانب شوارع المدن، وفي النفايات، والمناطق الصناعية ونبيعها مقابل مبالغ مالية بسيطة لتجار كبار. وأكد أنه حاول السفر لكن محاولاته فشلت ولم يجد أمامه إلا جمع وبيع الخردة.
وفي ظل الأزمة التي يعيشها اللبنانيون جراء تدهور العملة الوطنية أضحت القطع النقدية المعدنية من فئة 500 ليرة لبنانية وفئة 250 دون قيمة فعلية في عمليات البيع والشراء. وكانت العملة المعدنية قبل الأزمة تشتري العديد من الحاجيات الضرورية الصغيرة للاستعمال اليومي، وقيمتها توازي ثلث دولار أمريكي، أما اليوم فقد صارت هدفا للجمع من قبل هواة جمع العملات.
ظاهرة جديدة انتشرت بين اللبنانيين كنتيجة حتمية للأزمة بعد انهيار الليرة، حيث تحول بيع العملة المعدنية من فئتي 250 و500 ليرة إلى تجارة مربحة.
العملة المعدنية من فئة 250 ليرة، التي يبلغ وزنها أكثر من 5 غرامات تتكون من 3 معادن، وهي النحاس والألمنيوم والزنك، وبعد ان فقدت قيمتها كعملة صعدت قيمتها كمعدن.
أما العملة النقدية المعدنية من فئة 500 وزنها 6 غرامات مصنوعة بشكل أساسي من معدني النيكل والستيل، هي الأخرى مطلوبة، ويعمد البعض إلى تجميع تلك العملات المعروفة بـ «الفراطة» لبيعها ويبلغ وزن كل 100 قطعة نصف كيلو غرام تقريباً.
وغالباً ما يشتري التجار هذه العملات المعدنية ويقومون بصهرها وبيعها كمادة أولية تستخدم في الصناعة.
يقول الخبير المصرفي الدكتور ابراهيم حمود لـ«القدس العربي» إن «العملة المعدنية اللبنانية باتت قيمتها المعدنية أكبر من قيمتها النقدية، فمنع انهيار الليرة يلجأ البعض لشراء العملات المعدنية المصنوعة بمادة النيكل والنحاس والتي هي من فئة 500 و250 ليرة ليبيعها فيما بعد كخردة معدنية يعاد تذويبها ليكون المردود بالدولار الأمريكي».
وأكد حمود مع الانهيار المستمر بقيمتها الشرائية، قد يشهد مع الأيام المقبلة، انعداماً تاماً لوجود هذه القطع المعدنية في الأسواق، لأنه ببساطة سيكون مصيرها الصهر والتذويب وإعادة التصنيع.
وقال ردا على سؤال «بعد فقدان القطع المعدنية اللبنانية قيمتها كلّيًا بسبب تدهور العملة الوطنية وتراجعها من 1500 ليرة للدولار الواحد إلى أكثر من 40000 ليرة للدولار (وهو سعر معرّض للتغيّر يومياً) بات بالإمكان التعامل بها لكن بطريقة أخرى. فقطع 500 و250 ليرة وحتى 100 و50 ليرة التي لم تكن ذات قدرة شرائية كبيرة من تاريخ إطلاقها، بات لأوزانها اليوم قيمة تفوق أضعاف قيمتها الشرائية، بمعنى أن المعدن الذي صُنعت منه قطعة الـ250 ليرة المعدنية يُباع بالوزن لا بالقيمة الشرائية للعملة».
وعادة ما تتم صناعة العملات المعدنية في كل دول العالم من النحاس والنيكل والحديد وأحياناً القصدير والألمنيوم، ما يجعل من قيمة المعدن المصنوعة منه العملة أكبر من قيمتها الشرائية في بلد يتعرّض لانهيار عملته الوطنية كلبنان.
«لا يزيد وزن قطعة 250 ليرة المعدنية في لبنان عن 5 غرامات، لكن وبما أنها مصنوعة من النحاس والألمنيوم والزنك فإن قيمة الكيلو منها يفوق 30 دولارا، أما القطعة المعدنية من فئة 500 ليرة فيفوق وزنها الـ250 ليرة أي نحو 6 غرامات وهي مصنوعة من النيكل ولا تحتوي على النحاس، وبالتالي فلا تلقى تجارتها إقبالًا كبيرا بين جامعي النقود المعدنية. لكن وعلى الرغم من ذلك يتاجر البعض بفئة 500 ليرة لأن قيمتها الشرائية تبقى أقل كثيراً من قيمتها المعدنية وإن كانت مصنوعة من النيكل. ويقارب سعر الكيلو منها نحو 20 دولاراً».
وهناك لبنانيون بدأوا يجمعون القطع المعدنية لبيعها، ومن الواضح أنها ليست تجارة فردية، بل هناك مجموعات منظمة قادرة على جمع كميات كبيرة من القطع النقدية المعدنية، من أجل تذويبها وإعادة تصنيعها مجددا.
بعد الانهيار المالي والاقتصادي العام في لبنان، ازدهرت مهن وأعمال لم تكن لها قيمة إنتاجية، وأبرز هذه المهن اليوم تجارة الخردة، والعملة المعدنية، حيث انصرف عدد من الفقراء، للبحث عن أدوات معدنية وبقايا الأواني والسيارات لجمعها وبيعها لتجار كبار.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية