الدوحة ـ»القدس العربي»: يكشف معرض بيروت الستينات الذي يحتضنه المتحف العربي للفن الحديث، في العاصمة القطرية الدوحة، من خلال نحو 230 عملاً فنيًا و300 مادة أرشيفية تم جلبها من حوالي 40 مجموعة مقتنيات من حول العالم، أسرار المدينة النابضة بالحياة في حالاتها المختلفة، ويغوص في أعماقها وروحها التي هواها كثيرون. يروي المعرض الذي تحتفي به قطر، قصصهاً للزائر الشغوف بفهم بيروت، ليلامس تفاصيل حياة ضجت بأحداث مترابطة من تاريخ المنطقة، كانت المدينة حلقة وصل، مع تفاصيل وهموم الإنسان العربي في تلك الفترة المميزة من تاريخ المنطقة. خلال جولة «القدس العربي» في المعرض رفقة مسؤولين ومشرفين من متحف، المؤسسة التي أصبحت خلال سنوات مرجعاً في المجال، تخبرنا كلثم الكواري رئيسة قسم مرشدي متاحف بالوكالة، أن المجموعة الفنية لمتحف، أكبر مجموعة للفن الحديث والمعاصر في المنطقة، والوحيدة من نوعها في العالم، هي شراكة مع الشيخ حسن بن محمد بن علي آل ثاني الذي يملك مجموعة أوّلية من هذه الأعمال. وخلال الجولة اطلعنا على أعمال مميزة من مجموعة الشيخ حسن بن محمد بن علي آل ثاني، وهو فنان قطري، وجامع مقتنيات، وباحث، تحوي مجموعته آلاف القطع الفنّية التي تم جمعها على مدى أكثر من 25 عاماً، وهي في تزايد مستمرّ، ويفوق عددها اليوم 9.000 عمل فني من العالم العربي وأقاليم أخرى مرتبطة تاريخيّاً بالجزيرة العربية مثل إيران، وتركيا والهند. وكانت ظاهرة وبارزة اللوحات والأعمال الفنية التي تكشف أسرار بيروت الستينات وتروي قصصها. ويُسلط المعرض الضوء على فصل رائع من تاريخ بيروت الحديث في الفترة ما بين 1958 و1978. تبرز الأعمال التي قسمت في المعرض لأقسام خمسة، عقودا طويلة من تاريخ بيروت التي اعتبرت منارة العالم العربي وفضاء حرياته وإبداعه ومختبر ثقافاته. والزائر يشعر بوجود المفكرين والروائيين والشعراء والمسرحيين والفنانين التشكيليين والكتاب والصحافيين العرب، وأصواتهم تصدح في أحياء ومقاهي وبيوت، آوتهم وسمعت قصصهم ومناجاتهم، وآمالهم وأحلامهم وخيباتهم أيضاً. من هنا مر كثيرون، شعار يبرز همساً من اللوحات والأعمال الفنية التي تشي لزائر معرض «بيروت الستينات» الذي يحتضنه «متحف: المتحف العربي للفن الحديث» عشرات الكتاب والمفكرين الفلسطينيين والمصريين والسوريين والعراقيين، وتوثق رحلتهم في بيروت التي كانت بتنوعها ورحابتها رئة العالم العربي وبقعة ضوئه، وملجأ أولئك الهاربين من اضطهاد أنظمتهم وقمعها. اكتسبت بيروت فرادتها مدينة منتجة للرؤى والأفكار والتصورات الحداثية، لتمتد ارتداداتها الثقافية إلى خارج حدود لبنان، وهو ما كانت توحي به الأعمال الفنية المعروضة، التي ركزت على دور بيروت المهم في إبراز رؤية جديدة للحداثة من خلال فن انخرط في السياسة وقتما كان الأمل موجوداً في التغيير. ولا يغفل المعرض عن الروابط المتشابكة بين الماضي ونضالات بيروت الحالية، والتي تندلع في نهايتها الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975. يتتبع المعرض التشابك المعقد للفن والثقافة داخل التناقضات المتباينة عبر المنطقة لتلك الفترة العصيبة. واعتبرت الشيخة المياسة بنت حمد بن خليفة آل ثاني، رئيسة مجلس أمناء متاحف قطر: أن “إحدى أهم أدوار الفن تتمثل في استرجاع ذكرى أو تخيل مكان لم يعد موجودًا، وتتمثل إحدى أهم الأدوار العديدة لمتاحف الفن، في إنشاء هذا المكان من جديد، حتى لو كان فقط بشكل مؤقت، كي يستطيع من تركوه أو ابتعدوا عنه الوقوف لوهلة وتأمله». وتعتبر المسؤولة القطرية المشرفة على المتاحف في الدولة، وتساهم مع فريقها في تحويل الدوحة عاصمة عالمية في المجال، أن «متحف: المتحف العربي للفن الحديث خير مثال لهذا المكان، فمجموعاته ومعارضه وبرامجه تضم رؤى الفنانين وأصوات المفكرين من العالم العربي، والذين عانى الكثير منهم شخصيًا من آلام النزوح والتهجير». وتستطرد الشيخة المياسة أن «معرض بيروت الستينات: العصر الذهبي يجمع هذه العناصر معًا». الشيخة المياسة التي تتابع شخصياً أنشطة الهيئات التي تشرف عليها، اعتبرت خلال جولتها في المعرض أن بيروت الستينات «هو باقة مميزة ومؤثرة ومدروسة من الأعمال الفنية والوثائق، يعود العديد منها لفنانين تُعرض أعمالهم في مجموعات متحف، تصف مكانًا كان مذهلاً ومضطربًا، وبرغم ضياعه وتدميره، لا يمكننا نسيان بيروت المزدهرة ذات الطابع العالمي في الفترة من 1958 حتى 1975.
جولة في دهاليز بيروت ومحطات المدينة
«تقودنا الخبيرة القطرية كلثم الكواري والمرشدة في رحلتنا، لدهاليز بيروت، التي نراها من خلال أقسام المعرض الخمسة التي تروي جوانب متعددة من حياة سكانها. البداية من مرفأ بيروت، واستشفينا المكان وعلاقة الناس به، ولوحة نساء يسبحن، وتفاصيل من سنة 1958 عن دور واشنطن في السياسة اللبنانيّة في بداية الحرب الأهليّة، والتحولات التي شهدها البلد، انطلاقاً من شريان حياته وهو الميناء مصدر دخل الكثيرين. المتأمل في اللوحات يسترجع قصصاً كثيرة قيلت عن المكان وروايات لبنانية تحدثت عن الميناء أو أسهبت في تفاصيل عنه مثل دروز بلغراد: حكاية حنا يعقوب لربيع جابر التي فازت بجائزة البوكر، التي تضمنت تفاصيل عن المرفأ، وكأن كل شيء في بيروت يبدأ من المكان ومنه ينطلق. ويعتقد كثيرون أن مصير أهل بيروت وساكنتها يرتبط أساساً بالبحر، ويشكل ذاكرتهم وهويتهم التي لمسناها في زوايا المعرض، فنفس المكان ينقل الأحزان مقابل الأفراح، الغنى والفقر، الرفاه والقحط، وكل هذا يربطه خيط واحد يبرز شخصية الإنسان ومعركة البناء مهما كان الأمر والألم واشتدت الحاجة.
مرفأ بيروت عاكس
انفعالات اللبنانيين
وبين لحظة التشظي في مرفأ بيروت في الخمسينات، وصولاً لانفجارات المرفأ الأخيرة، وما سببته، تروي الأعمال العديد من التفاصيل وتكشف للزائر تفاصيل يشكلها في ذهنه وفق نظرته وتبعاً لرؤيته ومن الزاوية التي يشاهد بها العمل، مع انعكاس ذلك على رصيده المعرفي. تطوف بنا المشرفة والمرشدة الفنية كلثم أرجاء القسم الثاني من معرض بيروت لتخبرنا عن علاقة الجسد التي تضمنتها الأعمال المنتشرة، وتعبر عن تغيرات القيم الاجتماعية، وكيف أثرت على أعمال الفنانين، من مختلف المدارس الفنية وإن طبع عليها الجانب السريالي، وتركيزها على أعضاء الجسد. وترى كلثم الكواري أن القسم الثالث من بيروت الستينات يبرز تكوين الشكل ونلمسه من أعمال مختلفة تجسد هذا العنصر، حتى نصل للقسم الرابع وعنوانه الرئيسي السياسة، العامل المحدد والمؤثر في حياة اللبنانيين من مختلف الفئات العمرية، سواء بعنوان فرعي عن الوحش والطفل، ولوحة عن جنازة جمال عبد الناصر الحاضر في لبنان بإرثه وتأثيره ونفوذه والجدل المثار حوله بين مختلف الفاعلين السياسيين من أنصاره وأعدائه على حد سواء. قسم الحرب، هو مرحلة مثيرة يقف عندها الزائر لمعرض بيروت في بعدها وتأثيرها واستقطابها وتشكيلها ملامح بيروت وهدمها أيضاً لجوانب من روحها وتأثيرها على أجيال مختلفة. طائر الفينيق الحاضر في المعرض يبرز أيضاً تفاصيل من مشهد المدينة ويحمل أبعاداً رمزية لما شكلته في ذاكرة الكثيرين، وحتى تشي للزائر الذي لم يعايش تلك المراحل سراً من أسرار مدينة أسرت الكثيرين وسحبتهم لدوامتها واحتفظت بالبعض، ورفضت أن يغادروها مثلما لفظت خارج دائرتها آخرين.
مبادرة قطر تبدع
والاحتفاء بالتنوع
ومعرض «بيروت الستينات: العصر الذهبي» بتنظيم من متحف ومتاحف قطر ومبادرة «قطر تُبدِع» المبادرة الثقافية الوطنية التي تستمر فعالياتها على مدار العام والتي ترعى وتروج للأنشطة الثقافية في قطر وتحتفي بتنوعها، وتنقل المهتمين بالمجال الفني في رحلات عبر ذاكرة مثقلة بأحداث وهيمنة عليها تطورات فرضت نفسها. معرض «بيروت الستينات: العصر الذهبي» يأتي بتقييم فني من سام بردويل وتل فيلراث مديرا «هامبرغر بانهوف» المتحف الوطني للفن المعاصر في مدينة برلين – والقيم الفني المساعد ناتاشا غاسباريان. وكان أول عرض لمعرض بيروت الستينات: العصر الذهبي في صالات عرض غروبيوس باو في برلين، وتم تقديمه باعتباره قسمًا رئيسيًا من بينالي ليون السادس عشر للفن المعاصر في فرنسا. ويقدم معرض بيروت الستينات: العصر الذهبي أعمال مجموعة متنوعة من الفنانين المشهورين عالميًا في المشهد الفني مثل إيتل عدنان وأوغيت الخوري كالان وبول غيراغوسيان وسلوى روضة شقير وشفيق عبود، بالإضافة إلى فنانين معروفين في المنطقة مثل عادل صغير وسيسي سرسق ونادية سايكالي ورفيق شرف وغيرهم. كما يعرض المعرض عملاً تركيبياً جديداً متعدد الوسائط كلف به جوانا هادجيتوماس وخليل جريج حول انفجار 2020 المدمر في بيروت، ما يُسلط الضوء مجدداً على الآثار التي يخلفها العنف على الفن والإنتاج الفني وقوة تأثير الشعر في مواجهة الفوضى.
سرد تاريخي عبر بوابة الفن
وتعتبر زينة عريضة، مديرة متحف: المتحف العربي للفن الحديث: أن «معرض بيروت الستينات: العصر الذهبي، يجسد عرضًا فريدًا لتاريخ بيروت من عام 1958 حتى عام 1975 ويمهد المعرض الطريق لسلسلة من المعارض في متحف، والتي تلعب دوراً في ربط الإنتاج الفني بالمجتمع». وتتحدث زينة عريضة الناشطة الثقافية في مجال التصوير الفوتوغرافي والأرشيف والفن الحديث والمعاصر في الوطن العربي، انطلاقاً من خبرتها في المجال كونها أعادت افتتاح متحف سرسق في بيروت بعد مشروع تجديد وتوسعة دام 10 سنوات، وأطلقت شراكات محلية ودولية، من خلال قيادة العديد من المشاريع الخاصة والمعارض والبرامج العامة وبرامج المكتبات والمحفوظات، وقامت بتحويل المتحف إلى معلم ثقافي بارز محلياً ودولياً.
من بيروت للدوحة
ومع اكتمال رحلتنا في جنبات أعمال خلدت فترة من تاريخ مدينة سجلت حضورها الطاغي في الوجدان خلال فترة، يفهم الزائر بعضاً من أسرارها وعن سبب تعلق البعض بها. ومن رحاب المعرض نغادر إلى المتحف الموجود في قلب مؤسسة قطر وهي المدينة التعليمية التي تضم عشرات الصروح التعليمية في دولة قطر وتشكل جزءاً من تحولها نحو اقتصاد المعرفة، مع رغبة في تسجيل حضورها وكأن المدينتين بيروت والدوحة تستلهمان من بعضهما البعض في رحلة البناء والتأثير والتأثر.