الغلاء يدهس الرغيف السياحي… والمدعم ما زال «وفيا» للفقراء… والأوقاف تزيد زمن خطبة الجمعة 5 دقائق

حسام عبد البصير
حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي»: لم يسفر قرار عودة سوريا للجامعة العربية عن أي ترحيب يذكر في أوساط المصريين، أولئك الذين يدرك غالبيتهم أن الخطر الأشد على السوريين ما زال جاثما على صدورهم، متمثلا فيمن يصفه كل محب لسوريا بالجزار الذي سفك ولا يزال دماء مئات الآلاف من أبناء الشعب، الذي يحكمه بالحديد والنار. وبينما لم تراوح المأساة الجديدة على مدار يومي السبت والأحد 6 و7 مايو/أيار التي انضمت لقوائم سجلات مآسي العرب مكانها، بل كشفت الوقائع والأخبار المقبلة من المدن السودانية عن مزيد من الكوارث، قرر وزراء الخارجية العرب في اجتماعهم الاستثنائي، برئاسة سامح شكري وزير الخارجية المصري، عودة سوريا إلى المشاركة في أنشطة الجامعة العربية. وكشف مصدر مسؤول في الأمانة العامة للجامعة، أن الوزراء قرروا مشاركة الوفود السورية في أعمال الجامعة، اعتبارا من يوم أمس الأحد 7 مايو، حيث عقد الاجتماع التشاوري لوزراء الخارجية العرب الذي يسبق اجتماعات الدورات الثلاث غير العادية (الطارئة) لمجلس جامعة الدول العربية على مستوى وزراء الخارجية العرب لمناقشة الأوضاع في سوريا والسودان وفلسطين.
وناقش الوزراء خلال الاجتماع التشاوري الموضوعات المطروحة على جدول أعمال الوزراء في الدورات الثلاث غير العادية.. ومن نشاط الحكومة: استقبل الدكتور مصطفى مدبولي رئيس مجلس الوزراء، الأميرة الأردنية عالية بنت الحسين، والوفد المرافق لها، لبحث فرص تعزيز التعاون بين مصر والمملكة الأردنية الهاشمية في مجال حماية الطبيعة والاستثمار داخل المحميات الطبيعية، وذلك بحضور الدكتورة ياسمين فؤاد وزيرة البيئة، والدكتور أحمد الأنصاري محافظ الفيوم.. ومن أبرز قضايا الساعة التي تهم الرأي العام: قال عبدالله غراب رئيس شعبة المخابز، إن الدولة ستتحمل فارق زيادة أسعار السولار، مؤكدا أن رغيف العيش المدعم المنصرف على بطاقات التموين، كما هو لا تغيير فيه من حيث السعر والوزن. وأضاف أن قرار تحمل الدولة للزيادة صدر منذ يوم الخميس الماضي، موضحا أن هناك 30 ألف مخبر في الجمهورية يعمل 15 ألف مخبر منها بالسولار، والباقي بالغاز. وأشار إلى أن أسعار أنواع الخبز الأخرى وأنواع المخبوزات، سيتم تحريك زيادتها بنسبة مقاربة لزيادة سعر السولار، مُبينا إلى أنها لن تتعدى الـ15%..
ومن التقارير الدينية: قررت وزارة الأوقاف زيادة وقت خطبة الجمعة ليكون ما بين عشر دقائق وخمس عشرة دقيقة للخطبتين الأولى والثانية معا كحد أقصى. وأكدت الوزارة أن البلاغة في الإيجاز، ولأن ينهي الخطيب خطبته والناس في شوق إلى المزيد خير من أن يطيل فيمل الناس، وفي الدروس والندوات والملتقيات الفكرية متسع كبير.. ومن الأخبار السارة للدارسين في السودان: أكد الدكتور أيمن عاشور وزير التعليم العالي والبحث العلمي، أنه تم التغاضي عن شرط قضاء الطالب 50% من السنوات الدراسية في مصر، والاكتفاء بقضاء عام جامعي واحد، مضيفا أنه ستتم إضافة 10% من الأعداد المحددة لكليات الجامعات الخاصة والأهلية المصرية، لاستيعاب الطلاب المحولين إليها.

حتى يثبت العكس

قرر الدكتور عبد المنعم سعيد، أن يحسن النية بالحوار الوطني، الذي أطلق أخيرا، كما قال في “المصري اليوم”: النية هنا أنه لن تكون هناك شاردة ولا واردة تُستبعد من الحوار العام بحيث تنال حقها في وجود كل الآراء المتصورة، وتمثيلها لألوان الطيف وظلاله، ودرجات السلم الموسيقى ونغماته في السياسة المصرية كافة. كل ذلك يدعو إلى الاهتمام وانتظار ما سوف تصل إليه هذه العملية السياسية من نتائج؛ ولكن رغم هذا الإحكام فإن هناك حاجة إلى الإجابة عن أسئلة كبرى لدى كل مشارك كلها تدور حول ما الذي نريده لمصر الغالية. ما المقصد النهائي لكل هذه العملية السياسية وهل أننا نريد بناء دولة عظيمة، أم أننا نريد دولة متوسطة الحال؟ أم أننا نرغب في دولة تتفادى الكوارث والأحزان الكبرى التي عشنا الكثير منها في تاريخنا؟ أم أن كل ذلك ليس مهمّا على الإطلاق لأن الأهمية سوف تكمن في حرية الكلام؟ هذه الأسئلة كلها بالغة الأهمية، وتتفرع عن كل منها أسئلة أخرى لا تقل أهمية. في الوقت الراهن فإن الهدف المحدد للدولة المصرية وفقا لرؤية «مصر 2030» هو أن تكون ضمن الثلاثين دولة الأولى في العالم عند حلول ذلك العام؛ أي باقٍ على الزمن سبع سنوات من الآن. الترجمة العملية للسؤال هي أنه إذا لم يكن ممكنا أن تكون مصر في مجموعة الدول العشرين، التي تتطلب أن يكون الناتج المحلي الإجمالي مساويا لتريليون دولار حدّا أدنى؛ فإن مصر ينبغي لها أن تكون قريبة من ذلك. معنى ذلك أنه على المتحاورين أن يحددوا السبل التي تأخذ ناتجها المحلي من حالته الراهنة البالغة 378 مليار دولار إلى الضعف على الأقل ونسير على هذا المنوال لكى نتابع المستويات الأخرى من التنمية البشرية والتنافسية، ومَن يعرف السعادة أيضا. هنا فإن تحديد المقصد هو الذي سيحدد الطريق أيضا؛ وعلى كل فريق في الحوار أن يحدد الطرق والسبل. السؤال الثاني، يتعلق بأنه لكل أمر وقرار زمن وثمن، ولذا فإن المواقف المختلفة لا تؤخذ لجمالها أو عبقريتها، أو لمدى لمعان أصولها، وإنما لأنه من الممكن توفير الموارد اللازمة لتحقيق أغراضها. وهنا فإنه إذا كنا نريد لمصر أن تكون بلدا عظيما، وتقع مكانتها بين دول العالم في القمة الرفيعة، فإن السؤال هنا هل سيكون ذلك بإدارة الفقر، أم بإدارة الثروة؟ شكّل هذا السؤال إشكالية عظمى للتنمية المصرية خلال العقود الماضية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى الآن؛ حيث أدت إدارة الفقر إلى استنزاف كل قدرة على الاستثمار، وتطوير البلاد ونقلها من حال إلى آخر، يضعها ضمن صفوف الدول المتقدمة. السؤال الثالث هو ما المرجعية التي نستند إليها؛ حيث المرجعية هي التجربة العالمية التي سوف نسير عليها، خاصة في تلك الدول النامية التي سبقتنا في مسار التقدم والرفعة، ورغم أن لكل دولة من دول العالم خصوصيتها التي تطبعها على مسارها التنموي، فإن هناك نموذجين للتنمية الشاملة في العالم، حيث الشمول يجمع ما بين التقدم الاقتصادي مُقاسا بالناتج المحلي الإجمالي، والحداثة المجتمعية مُقاسة بمدى عمق دولة المواطنة، والتقدم الإنساني في المعرفة البشرية والقدرة التنافسية العامة. النموذج الأول يشيع بين الدول الغربية في أوروبا وشمال أمريكا وتوابعها في اليابان وأستراليا. النموذج الثاني مركزه الصين وشرق وجنوب شرق آسيا، حيث النمور والفهود الآسيوية، ومؤخرا فإن لها توابع في افريقيا وأمريكا اللاتينية. النموذجان لا يعرفان ذيوعا للفقر أو الجهل أو المرض؛ ولا يعرفان تمييزا على أساس ما هو معروف من اللون والعرق والدين والملة والمذهب والجنس ذكرا أو أنثى، وفى كليهما ترتفع الثقافة والتقدم التكنولوجي المتسارع. وفيهما يوجد أعلى درجات الغنى في العالم. إلى أي من النموذجين تنتمي مصر، أو يُراد لها أن تنتمي، فرغم وجود الكثير من التشابه، فإن هناك ما يميز كلّا منهما في ما يتعلق بالحالة السياسية، حيث الأولى تجعل من الفكرة الديمقراطية أيديولوجية وطنية وعالمية؛ والثانية ترى في المركزية السياسية إحدى أدوات الفاعلية والإنجاز.

قتلا الخوف

أخيرا.. انطلق الحوار الوطني.. وأخيرا على حد رأي مجدي حلمي في “الوفد” وجدنا تقييما حقيقيا للوضع العام في مصر.. واقتراحات لحل مشاكل مزمنة لها عشرات السنين، قضايا أثيرت وكانت تثار منذ عقود ولم نجد من يتصدى لحلها، وما أكد لي جدية الطرح الذي طرحه عمرو موسى بصفته رئيس لجنة الخمسين لصياغة دستور 2014 والدكتور حسام بدراوي مستشار الحوار الوطني، اللذان طرحا المشاكل بجدية وبقوة وبدبلوماسية، وهي المشاكل التي لو كان أحد قد كتبها على مواقع التواصل الاجتماعي لوجهت له تهمة نشر أخبار كاذبة والانضمام إلى جماعة إرهابية تناهض الدستور. نعم الطرح الذي طرحاه يحتاج إلى قوى سياسية وشعبية تساند الرغبة الموجودة لدى القيادة السياسية في التغيير، فالدولة الديمقراطية المدنية لها قواعد وشروط ومعايير متكاملة، يجب الأخذ بها كلها لا يمكن أن نأخذ معيارا ونترك معيارا آخر، أو نعتمد على قاعدة ونترك باقي القواعد. فالنظام السياسي الذي طرحه الدكتور حسام بدراوي وهو النظام الرئاسي، قد يكون مناسبا لمصر، ولكن يجب أن يقوم على قواعد محددة منها آليات ديمقراطية لمحاسبة الرئيس في حالة خرقه للدستور، واحترام المدة المنصوص عليها في تولي المنصب، وهي مدتان ولا يجوز تعديل هذه المواد تحت أي ظرف من الظروف وخلق توازن حقيقي بين السلطات الثلاث بمعنى أن تكون الانتخابات التشريعية وفق قواعد ومعايير النزاهة والشفافية وتعبر عن إرادة الشعب ووضع قيود قوية على الإنفاق الانتخابي ورفع يد أي جهاز من اختيار المرشحين وفي النظام الرئاسي يجب تقوية الأحزاب السياسية بوقف تصدير الأزمات لها والتدخل في شؤونها، والتي يصل إلى اختيار قياداتها.

سالبة للحرية

طالب مجدي حلمي بضرورة أن يكون هناك استقلال حقيقي للسلطة القضائية، وفق القواعد الدولية لاستقلال القضاء، وهي القواعد التي اعتمدتها مصر منذ عقود وفصل سلطتي التحقيق عن الاتهام ووضع حد للحبس الاحتياطي، والتقليل من العقوبات السالبة للحرية واستبدالها بعقوبات الخدمة العامة، أي نظام رئاسي ديمقراطي تعددية إعلامية حقيقية تعبر عن جميع الآراء، وأن يكون لدينا إعلاميون وصحافيون يتمتعون بالشجاعة في مواجهة الأخطاء، والأهم أن يتقبل المسؤولون كبيرهم وصغيرهم حق النقد والخلاف في الرأي. وأي نظام رئاسي يحتاج إلى أجهزة رقابية قوية تحارب الفساد بقوة وبعنف، وأن لا تكون لديها خطوط حمر في هذه الحرب، ولديها كل الإمكانيات لمواجهة لوبي الفساد، لأن الاستثمارات الأجنبية لا تأتي إلى بلد فيه أمران الاحتكار والفساد. ما طرحه رئيس لجنة الخمسين ومستشار الحوار في افتتاح الحوار الوطني خريطة طريق للإصلاح في مصر، وعلى المتحاورين أن يحولوا هذه الخريطة إلى خطوات تنفيذية بمواعيد وتوقيتات محددة، لأن التغيير يجب أن يكون مدروسا ووفق مخطط زمني واضح للجميع، حتى لا تحدث حالة من فوضى الإصلاح المتعجل، وأن يتم تقديم هذه الخطة للرئيس للبدء في تطبيقها. فتطبيق ما طرحه سوف يواجه معارضة قوية من الفئات المستفيدة من الأوضاع الحالية وهو ما حذر منه الدكتور حسام بدراوي، ولكن هناك فئة اخرى سوف ترفض الإصلاح، لأن حججها في محاربة النظام سوف تسقط وسوف تشكك في أي إصلاح يتم إلا وهي جماعة الإخوان وأنصارها ولوبي الفساد الذي يعمل في ظل التكتيم الإعلامي وسيطرة الصوت الواحد.. والإرهاب والفساد حليفان متلازمان ومترابطان، لذا يكون الحذر منهما أهم من الهيئات التي أشار اليها الدكتور حسام بدراوي في مداخلته والذين سماهم دعاة السكون.. فتحية إلى عمرو موسى وحسام بداروي على ما طرحاه فقد أغنيتمونا عن الكلام.

كل شيء وارد

يرى الدكتور أحمد عبد ربه في “الشروق”، أننا أمام احتمالات كثيرة في ما يتعلق بنتائج الحوار الوطني بعضها متشائم، بعضها متواضع، وثالثها لا بأس به، ورابعها متفائل. الاحتمال الأكثر تشاؤما، هو ألا يؤدي الحوار إلى تغييرات حقيقية في شكل وبناء النظام السياسي المصري، ورغم أن هذا بالفعل سيكون احتمالا محبطا للكثير من الأطراف المشاركة في الحوار، إلا أن تقديري هو أن الاستماع إلى الشخصيات المستقلة والمعارضة ورأيهم في المشهد المصري وفي حوار مباشر مع السلطة، هو في حد ذاته مكسب للحركة المدنية المصرية، التي كثيرا ما حرمت من التعبير عن رأيها في منابر سياسية مصرية بشكل آمن، أما الاحتمال الأكثر تواضعا، فهو أن يؤدى الحوار في نهايته إلى الإفراج عن بعض المحبوسين في قضايا رأي وفكر، وغيرها من القضايا السياسية، مع إنهاء مشكلة الحبس الاحتياطي واحترام القوانين في ما يتعلق بمدد هذا الحبس وظروفه. صحيح هي نتيجة متواضعة لكنها تظل مهمة، فهناك آلاف الأسر التي لم يتورط أبناؤها في أعمال عنف وإرهاب، تتوق للحظة التي سيخرج فيها أبناؤها للحياة مرة أخرى ليعفوهم من أعباء مادية ومعنوية أتصور أنها وصلت لمداها وحان الوقت لإنهاء هذه المعاناة. أما الاحتمال الذي يمكن وصفه بأنه «لا بأس به» لهذا الحوار، فيتمثل في أن ينتج عنه اتفاق ضمني غير معلن يتجاوز مشهد الانتخابات المقبلة بحيث لا تشهد قواعدها الكثير من التغيير.

ديكور وأشياء أخرى

أشار الدكتور أحمد عبد ربه إلى أنه إن كانت هناك تغييرات في المشهد السياسي فسيكون في الشكل والإخراج لا في النتائج، مقابل ألا تكون نتائج الحوار مقتصرة فقط على ملفات المحبوسين السياسيين والاحتياطيين، ولكنها تتجاوز ذلك لتشمله وتضيف عليه التزاما من السلطة بإدارة أكثر نزاهة للانتخابات البرلمانية المقبلة، وغيرها من الانتخابات النقابية مع الالتزام بإجراء انتخابات المحليات، بحيث تشهد إدارة سياسية لا أمنية تؤدي إلى تعددية محدودة وقدر من المنافسة السياسية، والأهم أن تخضع خطة التنمية، وما يتعلق بها من سياسات اقتصادية لإعادة رسم الأولويات بمشاركة فعالة في عملية صنع القرار من دوائر خارج الدائرة الحالية لصنع القرارات الاقتصادية والتنموية، أما الاحتمال شديد التفاؤل، فهو أن يؤدي الحوار إلى عملية إعادة هندسة كاملة لشكل وبناء النظام السياسي الحالي، يتطرق إلى قواعد إدارة الانتخابات المقبلة مع ما قد يتطلبه ذلك من إعادة فتح ملفات مهمة وحساسة مثل ملف التعديلات الدستورية وغيرها من ملفات إعادة صياغة قواعد النظام السياسي برمته، بشكل شخصي، لا أعتقد أن الاحتمال الأخير ممكن لأسباب كثيرة قد يتعذر نشرها بسبب المساحة أو لعدم ملاءمة الظروف، لكن أتمنى في كل الأحوال أن تتجنب مصر أي تغييرات عنيفة وأن يصل الجميع في السلطة والمعارضة وغيرهم من الشخصيات المستقلة إلى اتفاق وقناعة مؤداها أن تغييرات في محتوى السياسات تتجاوز عمليات التجميل هي ما تحتاجه مصر، الدولة والشعب، في مرحلة حرجة تشهد وستشهد تغييرات عنيفة في شكل النظام الدولي والإقليمي، وستكون كلفتها عالية لو لم يؤد الحوار إلى تغييرات فعلية ملموسة على الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

مرض الزعامة

حتى الآن أخفقت كل المحاولات، كما أوضحت سناء السعيد في “الوفد”، لوقف الحرب الضروس التي تدور رحاها في السودان بين كل من الفريق البرهان قائد الجيش السوداني، وغريمه حميدتي قائد قوات الدعم السريع. حرب شرسة لكونها صراعا على النفوذ، فكل منهما يريد أن يكون هو الرئيس الذي يشار إليه بالبنان، ولهذا فإن الصراع سيظل قائما، وستستمر المناوشات العسكرية في محاولة كل طرف لإخضاع الآخر، والفوز بمقعد الرئاسة. لقد حلقت طائرات الجيش بكثافة في الخرطوم لاستهداف مرتكزات قوات الدعم السريع. كما أن قوات الاحتياطي المركزي التابعة للشرطة انتشرت في جنوب الخرطوم وأم درمان، مع استمرار الاشتباكات في وسط الخرطوم، حيث أصبحت المنطقة مثيرة للقلق العارم بالكامل. كما أن هناك استهدافا جويا لتمركزات الدعم السريع في القصر الجمهوري والقيادة العامة في الخرطوم. كما أظهرت لقطات جوية تصاعد أعمدة الدخان بعد استهداف مواقع للدعم السريع في منطقة بحري، حيث اتهمت قوات الدعم السريع الجيش بمهاجمة قواتها عن طريق شن قصف عشوائي على عدد من مواقع تمركزها وبعض الأحياء السكنية التي لم تسلم من الأضرار التي لحقت بها جراء ذلك. رغم ما تم الإعلان عنه من أكثر من هدنة إلا أنها فشلت جميعها في وقف حرب الاستنزاف، ليتبادل الطرفان الاتهامات بالبدء في شن العمليات العسكرية ضد بعضهما بعضا، فبادرت قوات الدعم السريع واتهمت الجيش بقيامه بالقصف بالمدافع والطائرات منذ فجر الخميس الماضي، بما يشكل تجاوزا سافرا للأعراف والقوانين الدولية والإنسانية. في المقابل اتهم الجيش قوات الدعم السريع بقتل خمسة من قوات الشرطة وجرح أربعة آخرين في الخرطوم. وكانت المعارك العنيفة قد اندلعت في الخرطوم، وشوهدت انفجارات في محيط القصر الجمهوري والقيادة العامة، حيث تشهد الخرطوم اشتباكات هي الأعنف منذ بدء الصراع في السودان. كما شهدت العاصمة تحليقا للطيران الحربي، فضلا عن وجود إطلاق كثيف لقذائف المدفعية في أم درمان.

لن تصمد

لا شك والكلام ما زال لسناء السعيد أن اندلاع هذه الحرب واستمرارها، وفشل الجهود في وقفها يعود إلى أنها حرب على النفوذ والسلطة، فكل طرف يحلم بالاستحواذ عليها، ولهذا كان إخفاق الأمم المتحدة في وقفها. ما حدا بالأمين العام للأمم المتحدة إلى أن يبدي حسرته على استمرار المعارك قائلا: «إن بلدا مثل السودان عانى كثيرا لا يمكنه تحمل نزاع السلطة بين شخصين». ولهذا كان من الطبيعي أن يستمر الصراع على النفوذ رغم إعلان الهدنة أكثر من مرة، ما أدى إلى أن تسود حالة من الفوضى في العاصمة الخرطوم، منذ أن اندلعت المعارك بين الطرفين في 15 أبريل/نيسان الماضي بين الطرفين. وازداد عدد قتلى المعارك في العاصمة ومناطق أخرى خاصة في دارفور إلى أكثر من 560 قتيلا، وأكثر من خمسة آلاف مصاب وفقا للبيانات الرسمية، ويعتقد أن هذه الأعداد أقل بكثير من الواقع. كما أدت الاشتباكات إلى دفع أكثر من مئة ألف سوداني إلى اللجوء إلى دول الجوار. في تطور حدا بالكثيرين من كارثة إنسانية قد تطال تداعياتها المنطقة. وتستمر المعارك مندلعة بين الطرفين على الرغم من إعلانهما وقف إطلاق النار عبر أكثر من هدنة، ولكن الهدنة لم تصمد وهذا أمر طبيعي، حيث لا بقاء لهدنة تحت وقع الرصاص، ولهذا لا يبدو أن هناك أملا في وقف هذه الحرب التي أبادت ودمرت ونشرت الذعر والرعب والخوف.

ليسوا جالية

تبذل الدولة المصرية مجهودات مضنية في سبيل إنهاء الأزمة والتخفيف على المواطن السوداني، بعد فتح المعابر المصرية أمام تدفق الوفود السودانية ضيوفا أعزاء في مصر. وربما كما أوضح حسام العادلي في “المصري اليوم” تكشف الأحداث في السودان عن وجه مهم من أوجه الثقل المصري السياسي والعسكري في الدائرة الافريقية، وإظهار قدرة الدولة على تدعيم عناصر تأمين الحدود ومراعاة أبعادها السياسية والتاريخية. وإدراك الأهمية القصوى التي تشكلها للمحيط الافريقي عموما، والسوداني خصوصا لخطوط الاستراتيجيات المصرية؛ إذ يبدأ البعد الافريقي للدولة المصرية من الحدود الجنوبية، والسودان من الجهة الجغرافية هي البوابة الأولى للعلاقات المصرية الافريقية، وإلى جانب هذا الاعتبار الدبلوماسي والجغرافي للسودان أهمية كبرى في استراتيجيات الأمن القومي المصري. ليس لكون السودان دولة حدودية، إنما لكونها دولا ضمن حوض نهر النيل والسعي الدائم من خلال أراضيها لتأمين منابع النيل، أما الإطلالة الشرقية على البحر الأحمر فيضيف لها حظوة لدى أسس السيادة المصرية في تأمين المحيط الحدودي للدولة. ويأتي السودان تاريخيّا من أيام الدولة المصرية القديمة حتى أيام المملكة المصرية ضمن المكون الرئيسي للدولة العظمى في فترات تمددها التوسعي التاريخي، كما كان في عهد تحتمس الثالث ورمسيس الثاني وصولا للظاهر بيبرس البندقداري، ومحمد علي باشا إدراكا لأهمية السودان الاستراتيجية بمفاهيم هذا الوقت وآليات العصر. وفي نظرة أخرى يأتي بوصفه نتاجا للعوامل الجغرافية والسياسية والتاريخية آنفة البيان؛ نجد السودان معاملا مهمّا في إحداثيات الدولة الديموغرافية الممتدة من النوبة المصرية، وهو ما نراه الآن في الامتزاج الحادث في منطقة «وادي كركر»- على سبيل المثال- بين المصريين والسودانيين النازحين من جراء الحرب، فالتواصل الإنساني بين الدولتين موصول عبر التاريخ. ووجود السودانيين في مصر- ليس كجالية – أمر ليس بغريب أو طارئ، إنما ألف المصريون حصوله ورحبوا به ولا يخلو فيلم سينمائي أو مسرحية قديمة ربما يعودان إلى أربعينيات القرن الماضي من شخصية السوداني المتمصر، وتظهر بشكل دائم وأساسي ومألوف ومقبول من الجمهور ومرحب به ثقافيّا وإنسانيّا حتى يومنا هذا.

فزع منطقي

التجـربــة المستفـادة من غلاء الأسعــار، بعـد الارتفــاع الجنـوني للـدولار، أنهــا أفرزت كما أوضح بهاء الدين حسن في “المشهد” مجمـوعـة من الحكمــاء، الذين لــم يبخلــوا على الشعب بالنُصـح والتوجيه، حتى تمر الأزمة بسلام، فالكاتب الصحافي والإعــلامي مصطفى بكــري، عــاد بنـــا إلى حقبة الخمسينيات والستينـيات، على طريقــة “إن كُنتـوا نسيتـوا اللي جـرى هاتــوا الدفاتـر تتقرى”، وكيف أن الشعب المصري (وقتها)، كان يأكل الشلوّلوّ والمش والبتاو. وقدّم الإعلامي أحمـد موسى نصيحتـه، لمن يشتكـون من غلاء اللحمـة والفراخ على طريقة فؤاد المهندس “بلاها سوسو وخد نادية”، ونصح الشعب بعـدم أكل اللحمة والفراخ، وأن الشعب لو توقف عن أكلهما (على حد قوله) لن يموت. ليس بالضـرورة أن يكـون الحكيم متقشفا، وهـو يطالب بالتقشف، وكذلك الحاكم حتى وإن كان يحكـم دولــة فقيــرة، يشتكى شعبها من الفاقــة، فالخديوي إسماعيل عندما افتتح قنـاة السـويس، دعا وقتها (16 نوفمبر/تشرين الثاني 1869) الملـوك والأمراء ورؤســاء الحكــومـات، ورجــال السياســة والعلــم والأدب والفن وقرينـاتهـم، وتـم استدعــاء الطبّاخين من مرسيليـا وجنوة وتريستا، لحضور حفل الافتتاح، الذي بلغت تكاليفــه آنذاك مليونا ونصف المليــون جنيه (ولم يكن وقتهـا الــدولار يُذكَر) وأقـام حفلا أسطوريـا، وعلى الرغـم من أن مصر كانت في عهد الخديوي إسماعيل غارقــة في الديــون والقروض، ومع ذلك كان الخديوي إسماعيل غارقا في البذخ وحياة القصور، ربما لأنه لم يكن وقتها لديـه حكمـاء من أمثـال بكري وموسى، ينصحونه بالتقشف، وإن كنت أعتقـد أنهمـا لو عاصرا الخديـوي، لتركاه يستدين ويصرف ويبني في القصور، دون توجيه نصيحة لـه بالتوقف عن إغراق البلد في الديون، ولطالبا الشعب بالتقشف منذ قديـم الأزل والشعـوب هي المطالبـة بالتقشف وربط الحـزام، وهذا لا يحـدث إلا في عالمنا الثالث، الذي لم يشهد حاكما بدأ بنفسه وتقشف، على عكس ما حدث في ملاوي مثلا، عندما قامت جويس باندا رئيسة الدولة بطرح طائرة رئاسية للبيع لدعــم اقتصــاد بلدهـا، أو كما فعل الرئيس المكسيكي أنـدريس مانــويـل لــوبيـز أوبرادور، وقام بطرح طائـرة للبيـع عن طريـق مسـابقـة يانصيب، أو حتى يتقشف كما تقشف غاندي.

ما بعد الكرملين

كان على البلدان الكبرى المهتمة بالحروب والمدججة بالأسلحة الفتاكة في كل أشكالها، أن تدرس بعناية وفق ما نصحها به أسامة سرايا في “الأهرام” دقة تجارب الحروب الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط ما بعد أحداث سبتمبر/أيلول 2001 في واشنطن ونيويورك، التي كانت ردا على عملية إرهابية استهدفتها في عُقر دارها، خاصة في العراق وأفغانستان، فلا فارق يمكن قياسه بين إمكانات أمريكا العسكرية وهذين البلدين من العالم الثالث، لكن أمريكا العظمى، التي تكاد تكون فشلت عسكريا بعد سنوات من الحروب، استطاعت إسقاط الحكم في العراق، وتركته مغلوبا على أمره، ويعاني الهشاشة، ولم تنجح في غرس ديمقراطيتها المزيفة هناك، وزادت من ضعفه، وأخلّت بالتوازن بين طوائفه، وفي أفغانستان لم تستطع أن تُسقط الحكم، وبعد سنوات مريرة، وتكاليف باهظة، عادت الجماعة المتطرفة إليه، وخرجت أمريكا تهرول من هناك، لم تحقق أي أهداف، بل خسائر فادحة لها، وللمنطقة، والعالم. من هنا، كان على الروس مراجعة تجارب حروبهم في أفغانستان، أو حتى في سوريا، فلا نجاح يُذكر، أو أي أهداف تحققت، كما أن دخولهم حرب أوكرانيا لإخضاعها جعل روسيا عُرضة للقياس العالمي من كل أطراف اللعبة الدولية، ليعرفوا حجمها عسكريا، واقتصاديا، ودورها السياسي ما بعد الاتحاد السوفييتي، وقد وقعت روسيا في فخ كبير.. حرب لا تدرك نهايتها، أو أبعادها، وكل الدول المحايدة حولها انضمت إلى «الناتو»، وأصبحت تشعر نحوها بمخاوف جمة.. وهكذا تتداعى الأمور، حتى الدول غير المسلحة دخلت مضمار التسلح الواسع (ألمانيا واليابان)، والأوكرانيون يتسلحون بكل الفنون، حتى الغناء والفن، ويطوفون حول العالم ليقولوا للروس «لن تهزمونا».. وهكذا الطائرات المسيرة تنطلق من داخل روسيا فوق الكرملين، والجيش الروسي كأنه يقاتل في صحراء مكشوفة، والعالم كله يتفرج ويقول ماذا يحدث؟ أعتقد أنه على كل الدول الراغبة في فتح جبهات للحروب معرفة المتغيرات التي حدثت في السلاح، وأننا عالم واحد.. الكل يريد أن يعيش، وأصبح يملك ما تملكون، ولن تفرضوا على أحد سياسات بالقوة.. فقط حكموا العقول، وأوقفوا الحروب التي أصبحت من الوسائل القديمة، ولا جدوى منها

في النهاية بشر

نهاية منطقية توقف عندها الدكتور أسامة الغزالي حرب في “الأهرام”: نحن بشر.. سواء كنا أفرادا عاديين نمارس حياتنا اليومية بعيدا عن الشهرة ووسائل الإعلام، أو كنا من أولئك المشاهير الذين يركز الإعلام على حياتهم وسلوكياتهم، وسواء كنا ممن يقرأون الصحف ويتابعون الأخبار، أو كنا ممن يكتبون في الصحف ويصنعون الأخبار، سواء كنا مزارعين أو عمالا أو موظفين بسطاء، أو كنا ملاكا للأراضي، أو رجالا للأعمال وأصحاب شركات ومؤسسات يشار لها بالبنان. سواء كنا علماء وأطباء ومحامين ومحاسبين ومهندسين، أو كنا فلاحين فقراء معدمين… نعم كلنا بشر، ننفعل ونحب ونكره ونغار ونتسامح ونتشاجر إلخ. قفزت إلى ذهني تلك الخواطر وأنا أشاهد واقعة الشجار العنيف الذي جرى بين دبلوماسيين رفيعي المستوى، في مؤتمر كان منعقدا في العاصمة التركية أنقرة لمنظمة إقليمية اسمها «الجمعية البرلمانية للتعاون الاقتصادي للبحر الأسود» التي تناقلتها على نطاق واسع كل وسائل الإعلام، وكثير من وسائط التواصل الاجتماعي، وربما أصبحت هي السبب الذي نبه كثيرين إلى وجود ونشاط تلك المنظمة. في هذا المقطع نشاهد المندوب الروسي وهو يدخل قاعة المؤتمر رافعا علم أوكرانيا بكلتا يديه، وهو بالطبع أمر غير مألوف في مثل تلك المؤتمرات، قاصدا الإشارة إلى أن اوكرانيا جزء من بلده، روسيا، وربما قاصدا أيضا إغاظة المندوب الأوكراني، فما كان من المندوب الأوكراني إلا أن هجم عليه ليضربه وينتزع منه علم بلده. اشتبك الاثنان بالأيدي في شجار عنيف، متبادلين اللكمات.. وكان من المسموع في المقطع أن المشهد كله أثار أيضا الضحك. إننى أنصحك عزيزى القارئ أن تشاهد ذلك المقطع المثير، لتعرف أننا جميعا – كما قلت ـ بشر، وفي لحظات الانفعال يتشابه دبلوماسيون رفيعو المستوى في انفعالاتهم وردود أفعالهم مع خناقة في بولاق في القاهرة، أو الأنفوشي في الإسكندرية، أو سهيل في أسوان. كلنا، في لحظات الانفعال، بشر.

سنة الحياة

سبعون عاما أحصاها جلال عارف في “الأخبار”، من حكم ملكة بريطانيا الراحلة اليزابيث الثانية تجعل من مشهد تتويج ابنها تشارلز الثالث حدثا استثنائيا بالنسبة لأجيال عديدة من البريطانيين، لم تعرف ساكنا في القصر الملكي إلا اليزابيث. تغير الزمن، ورغم الفخامة والأبهة في احتفالات التتويج، فإنها لا تخفي هذه الحقيقة. تغير الزمن، وتغير العالم، وتغيرت بريطانيا.. ولا بد أن يصل التغيير إلى قصر بكنغهام المقر الملكي الذي كان يوما رمزا لامبراطورية تشمل نصف العالم. في استطلاع أخير للرأي، قال نحو نصف البريطانيين أنهم سيتابعون الحدث في الشوارع أو على شاشات التلفزيون، بينما قال النصف الآخر إنهم لا يهتمون، والاحتفال نفسه تم اختصاره ليلائم شخصية الملك الجديد التي تتميز بالثقافة والتواضع والانفتاح على الثقافات الأخرى.. وهو أمر تحتاجه بريطانيا الآن بشدة لتواجه رياح التغيير الحتمي، ولتتصدى لمشاكل صعبة تستدعي، ما هو أكثر من أبهة التاريخ. رياح التغيير جعلت وصول الملك الجديد يترافق مع وصول رئيس وزراء من أصل هندي ليحتل المقعد الذي كان يحتله تشرشل، وجعلت الملكة إليزابيث قبل رحيلها تقر بأن تجلس زوجة الملك “كاميلا” إلى جواره على العرش وهي المطلقة الأمريكية ليتم بذلك تجاوز تقاليد كان يمكن أن تحرم تشارلز نفسه عرش بريطانيا، لكن المشاكل الباقية أكثر تعقيدا، في الداخل أزمة اقتصادية طاحنة، وأزمة أكبر مع تنامي التوجه نحو الاستقلال في اسكتلندا وويلز وإيرلندا داخل بريطانيا، وتوجه المستعمرات السابقة، وفى مقدمتها كندا واستراليا إلى التخلص من ارتباطها الشكلي بالتاج البريطاني، والتوجه نحو إعلان الجمهوريات المستقلة. بعد أكثر من ستين عاما وليا للعهد، يجلس تشارلز على عرش بريطانيا وسط تساؤلات عن مستقبل بريطانيا كقوة كبرى، وعن مصير العرش الأقدم في العالم. وبعيدا عن أبهة التاريخ التي رآها العالم بالأمس في احتفالات التتويج، تظل أسئلة المستقبل هي الأهم، ويبقى تحديث النظام الملكي البريطاني هو المهمة الضرورية للحفاظ عليه، وعلى بريطانيا كقوة موحدة ومؤثرة ومستقرة.. بعيدا عن أحلام امبراطورية أصبحت عبئا، وعن أبهة إمبراطورية ربما لن تتكرر.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية