أسئلة الهزيمة والنصر في «عاصفة الحزم»

أسهل ما في الحروب بدايتها. وأصعب ما فيها إنهاؤها. لن تشذ الحرب الذي يقودها تحالف دول عربية على جماعة الحوثي في اليمن منذ عدة ايام. بل تبدو هذه الحرب مختلفة تماما بتعقيداتها الكثيرة والمتشعبة.
أول ما يميز هذه الحرب أنها بدأت بسرعة فائقة غير مألوفة عند العرب وكادت، لأول مرة في تاريخ العرب الحديث، تكون اسما على مسمى بالنظر إلى الصرامة والإصرار اللذين يحيطان بها.
لكن مَن الذي يستطيع أن يجزم بنهايتها، نتائج وجدولا زمنياً. يبدو الجدول الزمني أقل تعقيدا من النتائج، إذ قد تنتهي هذه الحرب غداً أو بعد سنة، لن يكون هناك جدل كبير حول المدة الزمنية التي ستتطلبها أو ستستغرقها. الجدل الأهم سيكون حول النتائج المأمولة ومقارنتها بما سيتحقق.
كون الأهداف التي وُضعت لهذه الحرب غير معروفة بوضوح، سيجعل القراءة أصعب، ما يعني استحالة أن يجادل أحد عن يقين، بعد أن تنتهي هذه الحرب، هل حققت أهدافها أم لا، خصوصا وهي حرب ميدانها اليمن لكن تمددها أبعد جغرافيا ويمس بشكل أو بآخر أغلب وربما كل بلدان المنطقة.
الوضع في اليمن من التعقيد والخطورة بحيث أن أهدافا تبدو بسيطة قد يحتاج كل منها إلى حرب منفصلة. في اليمن حديث عن أهداف عدّة يمكن شملها جميعا أو تفكيكها الواحد عن الآخر، وتستمر الحياة (والحرب): هناك عودة (إعادة) الرئيس عبد ربه منصور هادي ليحكم براحة ودون خوف من مؤامرة أو انقلاب. وهناك تجريد الحوثيين من السلاح ومن أسباب القوة ومصادرها. وهناك إبعاد الحوثيين عن مصادر القرار السياسي والإداري وعن دوائر السلطة. وهناك تحييد الرئيس المخلوع علي عبد الله صالح واجتثاث شبكاته ومصالحه المتداخلة. وهناك تأهيل الجيش اليمني بحيث يصبح جيش دولة لا قوة في يد شخص أو قبيلة أو فصيل مذهبي. وهناك غير هذا كثير.
تبدو الحرب الحالية للوهلة الأولى من تلك الحروب التي يسهل على كل طرف أن يدّعي بأنه انتصر فيها. نحن في زمن النسبية في كل شيء، وكل شيء فيه وجهة نظر بما في ذلك الهزيمة والانتصار. ناهيك أن الحوثيين لن يعترفوا بالهزيمة مهما كانت مكلفة لهم لأنهم، مثل حزب الله اللبناني والحرس الثوري الإيراني، ينطلقون من عقيدة بارعة في مسح مفهوم الهزيمة من قاموسها، بل في تحويل هذه الهزيمة إلى نصر والإفراط في الاحتفال به.
فما هو النصر هنا؟ سياسي أم عسكري، أم كلاهما؟ هل تدمير الحوثيين عسكريا وبقاؤهم اجتماعيا، نصر؟ ولمن.. للتحالف أم للحوثيين؟ هل تدمير قدرات الجيش اليمني العسكرية (التي هي بيد الحوثيين) وبقاء هؤلاء كمجموعات لزجة تذوب في المجتمع وتظهر، نصر؟ نصر مَن؟ هل عودة هادي للحكم وبقاء الحوثيين نصر؟ لمن؟ هل يجب أن يعود هادي إلى صنعاء لكي يُسمى ذلك نصرا، أم يكفي أن يحكم من عدن؟ هل التوفيق في منع سيطرة الحوثيين وإيران على مضيق باب المندب وخليج عدن يكفي لاعتباره نصرا؟ هل موافقة طرفي الحرب أو احدهما على وقف إطلاق نار بعد وساطات وضمن شروط، نصر أم هزيمة؟ هزيمة مَن ونصر لمَن؟ هل صمود الحوثيين فترة معينة، بغض النظر عن خسائرهم، انتصار لهم؟ كم يجب أن يصمدوا قبل ان يعلنوا الاستجابة لشروط او مطالب التحالف ليمكن اعتبار ذلك هزيمة؟
من الوارد والسهل أن يدمر طيران التحالف مخازن الأسلحة والصواريخ التي يسيطر عليها الحوثيون، إن لم يكن قد فعل، فهل سيكفي ذلك للحديث عن نصر؟
أسئلة كثيرة تبدو سطحية وأقرب إلى السذاجة، لكنها تختزن صورة مستقبل «عاصفة الحزم» ومن ورائها خارطة المنطقة والعلاقات بين دولها في ما بينها ومع إيران باعتبارها المتهمة الأولى.
في تموز (يوليو) 2006 دمر الطيران الإسرائيلي الضاحية الجنوبية لبيروت وأعاد حزب الله انتشاره في جنوب لبنان وفق خطط ترعاها الأمم المتحدة وتقلص من هامش حركته، لكن كثيرين من أتباع الحزب والمعجبين به يتباهون بحرب الستة وثلاثين يوما ويفتخرون بالانتصار فيها على الرغم من أن فئة من اللبنانيين ما زالت تدفع ثمنها الإنساني إلى اليوم.
بالمقابل، ما لا خلاف حوله أن «عاصفة الحزم» قد تطول زمنيا. وامتدادها في الوقت يعني أنها قد تصبح عبئا سياسيا وماديا على طرفيها اللذين من مصلحتهما معاً أن تنتهي اليوم قبل غد. ذلك أن الحوثيين كطرف في الأرض معرضون لخسائر بشرية ولوجستية ضخمة، وانتظارهم للمواجهة البرية، التي يعولون عليها عساها تمكّنهم من بعض الثأر ورد الاعتبار، قد يطول. أما التحالف فلا مصلحة له إطلاقاً في ديمومتها، كل ساعة طيران وقصف يوفرها وكل يوم هو نصر سياسي له ومادي وعسكري.
صحيح أن هذه الحرب تتمتع بالشرعية السياسية والدبلوماسية إقليميا وحتى عالميا، والأصوات التي تعارضها قليلة ومحتشمة، لكنها، في نهاية المطاف، هي حرب بكل تبعاتها وتفرعاتها ومآسيها، ولا أحد يبتغيها.

٭ كاتب صحافي جزائري

توفيق رباحي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية