تمثال قائد الثورة السورية و«زوّار الفجر».. طارق تميم اليساري الكوني في فخ العنصرية

حجم الخط
1

بتنا نترقب فيديوهات قصيرة تبث على مواقع التواصل الاجتماعي لسوريين من كبار السن (فوق الـ65)، يحكون فيها قصصاً شهدوها، بلهجتهم، في إطار مبادرة أهلية (من آية مهنا وممدوح حمادة ونجاة عبد الصمد وآخرين) تحت عنوان «حكايا أهالينا».

في غضون أسابيع قليلة من طرح المبادرة بات لدى الجمهور مجموعة ممتعة ومؤثرة من الشهادات المصورة. ومع أن المسابقة افترضت أن حيّزها كل أنحاء سوريا، ما زالت تقتصر حتى الساعة على لون واحد، هو جبل العرب، جنوبي سوريا.
آخر الشهادات، جاء على لسان النحات شفيق نوفل. قال فيها: «فيما كنت أنحت تمثال الباشا (سلطان باشا الأطرش) زارني اثنان بسيارة فخمة، وكان طلبهما غريباً قليلاً. طلبا أن أنحت تمثالاً لحدا (لم يسمّه) أكبر من تمثال الباشا، أجبتُهما بأني لست مستعداً لأعمل منحوتة أكبر من تمثال الباشا، لأن الباشا، الذي قاد الثوار لتحرير سوريا، هو الأكبر».
سأل الزائران نوفل، كم تقاضى لنحت ذلك التمثال، فأجاب أنه لا يتقاضى مقابل ذلك شيئاً. قالا: «لكن نحن سندفع لك ما تطلب».

البلد شاسع، والتماثيل ملأت الأرجاء، ولكل واحد منها حكاية، بعضها في العلن، وبعضها الآخر تحت الفراش، ولكل حكاية شفيق نوفل.

هنا يشرح نوفل: «بذهني أني إذا رفعت السعر سيرفض الآخر. فطلبتُ مبلغاً كبيراً، فوافقا، وصرت بِحَيرة، لأني مش مقتنع بالتمثال اللي بدّي ساويه».
سأله أحدهما: «معناها أنت فنك تجاري، رفضت في البداية، وأمام المبلغ وافقت!»
أجاب نوفل: «مش دقيق هالكلام. جبت لهم قصة عن هارون الرشيد. جاء لعنده أبو نواس، وقال له أنا سأجعل الحمار يقرأ ويكتب، وأريد فقط ألف دينار ذهبي كي أعلمه، قال له اذهب لعند الكاتب، واكتب تعهداً بقطع رأسك إذا ما لم يقرأ ويكتب الحمار. قال لكني أحتاج إلى عشرين سنة. فوافق الخليفة.
الكاتب حذّر أبو نواس (والكلام لنوفل) من أنك ستنفق الألف دينار ذهبي، وستنقضي العشرين سنة دون أن يكتب أو يقرأ الحمار، فردّ بأنه خلال العشرين سنة سيموت أحدنا، أنا، أو الملك، أو الحمار».
يختم نوفل حكايته بالقول: «قام أحدهم باسني على رأسي، وقال: عندكم (أي عندي أهل مدينة السويداء) تقولون خلّها تحت الفراش، وهذه القصة خليها تحت الفراش ولا تجيب سيرة لحدا».
كنا سنستمع إلى فيديوهات وحكايا أهالينا على أي حال، فمتابعة اللهجة على أصولها وحدها متعة، عدا عن طزاجة المرويات الشفوية، والمشروع مهم وضروري لحفظ الذاكرة. لكن مع هذه القصة/ الهدية بتنا نترقب مفاجآت وهدايا ليست في الحسبان.
فالبلد شاسع، والتماثيل ملأت الأرجاء، ولكل واحد منها حكاية، بعضها في العلن، وبعضها الآخر تحت الفراش، ولكل حكاية شفيق نوفل.

شارع الحمرا

ذكّرنا المسلسل السوري اللبناني «النار بالنار» بممثل ذي حضور خاص وآسر، هو طارق تميم، بغض النظر عن رداءة المسلسل، وكذلك بعيداً عن ملامح الشخصية ومسارها في العمل، لكن يبدو أن لدى تميم من الحضور اللطيف ما يجعله مقبولاً في كل الأمكنة. ولا ننسى أن صوته يذكر أيضاً بأعمال لبنانية محبوبة ومحفوظة في الذاكرة.
تواجده الكثيف في المسلسل، أتاح له حضوراً كثيفاً في مقابلات إذاعية وتلفزيونية، وبدا على غير ما رأينا من شخصيته في المسلسل، الذي قدمه ذلك اليساري المهموم بكل قضايا الكون، صاحب المكتبة الهائلة، والصور على الجدران تشهد على امتداده في الماضي وفي مختلف الاتجاهات. في مقابلاته بدا مجرد ثرثار لا يدري ما يقول، يطلق الكلام اعتباطاً، الفكرة ونقيضها، يتورط بالقول، ثم لا يعرف كيف ينسحب منه أو يفسره.

يندر أن تجد عنصرياً، بمن فيهم أعتى الطغاة، يقول: «أنا عنصري، وسأحصد الآخرين حصداً، وسأبيد، وأدمر..»، غالباً ما تأتي العنصرية والتحريض بصوت ناعم وحجج مغلفة بالحق.

آخر ورطة وقع فيها كانت عنصريته تجاه عراقيي شارع الحمرا في بيروت. قال إنه «ما عم لاقي شارع الحمرا اللي معوّد عليه»، ولما نبهه مضيفه بأن الكلام قد يزعج، أكد: «ما في مشكلة، بس هل بيقبلوا (يقصد العراقيين) شارع المتنبي ببغداد يصير شارع الحمرا (الخاص) ببيروت؟». ويتابع: «صرت عم فوت ع محل غريب عليي. أنا مش زاعجني وجود العراقيين بالحمرا. بيروت لكل الناس، وعاصمة العالم كلياتو، بمختلف أطيافه، لكن لم يبق فيه شيء مما نعرف، لا ثقافة ولا فنون ولا مطاعم».
ولا يكفّ تميم عن التأكيد: «مع أن طول عمر شارع الحمرا مبني على التنوع والجنسيات، مبني على التناقضات».
لكن تناقضات شارع الحمرا وتقلباته لا تتسع، بنظره، للعراقيين!
يندر أن تجد عنصرياً، بمن فيهم أعتى الطغاة، يقول: «أنا عنصري، وسأحصد الآخرين حصداً، وسأبيد، وأدمر..»، غالباً ما تأتي العنصرية والتحريض على الكراهية بحجج مغلفة بالحق، وصوت ناعم كصوت طارق تميم، وبوجه طفل كوجهه، يقول «أنا لست ضد، ولكن أريد هوية المكان».

* كاتب من أسرة تحرير «القدس العربي»

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية