سارتر
أولا – الامتداد الظاهراتي والخيال عند جان بول سارتر
من البديهي جدا أن يربط سارتر مفهوم الخيال عنده بمفهوم الحرية، التي هي سمة من سمات الوعي. فبواسطة الخيال نستطيع تجاوز المعرفة الإدراكية المحدودة عبر عملية خلق وابتكار معان جديدة. وبه أيضا نستطيع منح التفكير مساحة هائلة للتحرك الحر من خلال الصور بغاية إخضاع الواقع لإرادتنا الخاصة.
سارتر، في كتابه «المتخيل» على عكس هوسرل، يلحُّ على أن الخيال مطبوع بالعدمية ، لأن العالم الخيالي، عالم لا واقعي وغير موجود إطلاقا، ومن ثم فإن النشاط التخيلي يتميز بالفقر والضعف. يقول الدارس العربي الذهبي في هذا السياق: «في كل ذلك وعلى طول كتاب «المتخيل» لا يفتأ سارتر يؤكد الخصيصة العدمية للخيال، عوض الخصيصة الحيادية التي نجدها عند هوسرل، لذلك لا وجود لعالم متخيل لدى سارتر إلا ضمن هذا السياق السلبي، فالعالم اللاواقعي (الخيالي) لا يملك وجودا ، ومن ثم فقره وشبحيته المرعبة» (سارتر: عن «شعريات المتخيل» للعربي الذهبي). ولأن منطلقات سارتر المنهجية ظاهراتية في الأساس، فإنه سيربط بين الوعي الخيالي والقصدية، يقول: «لن تشير إذن كلمة الصورة إلا إلى علاقة الوعي بالموضوع. وبعبارة أخرى إنها طريقة معينة في ظهور الموضوع أمام الوعي، أو إذا شئنا، أنها طريقة معينة يسلكها الوعي لكي يمنح لذاته موضوعا». (عن «الخيال والمتخيل – في الفلسفة والنقد الحديثين» يوسف الإدريسي- مطبعة النجاح الجديدة. الطبعة الأولى) إن الوعي الخيالي، انطلاقا من المنظور السارتري، يتبطن بنى موسومة بخصائص أربع هي:
«1- هذه الصور ليست موجودة في الوعي: وإنما هي نوع من الوعي، والصورة هي علاقة بين الوعي وموضوع ما.
2- هناك نوع من الاكتمال المباشر في بنى الصور الخاصة بالوعي، فالوعي الخيالي يعرض الموضوع كما لو كان واقعيا.
3- أما الخاصية الثالثة لبنية الصورة فهي قصديتها، أي أن هذا الوعي يضع (أو يموضع) موضوعه المقصود بأربع طرائق سالبة: على أنه غير موجود، على أنه موجود لكنه غائب، على أنه موجود في مكان ما غير محدد، على أنه محايد بالنسبة إلى حالة وجوده.
4- الخاصية الرابعة هي التلقائية: فالوعي الخيالي يبدو لذاته وعيا إبداعيا، حتى مع أنه لا يموضع موضعه (لا يعرفه) بوصفه موضوعا موجودا ( يمكن الرجوع إلى كتاب شاكر عبد الحميد: «الخيال. من الكهف إلى الواقع الافتراضي» عالم المعرفة- فبراير2009)
وليس من شك في أن النزعة الثنائية الدوغمائية للواقعي واللاواقعي، التي استحكمت في نظرة سارتر للوعي الخيالي، ستجعله يقلّل من شأن وأهمية هذا النشاط التخيلي بسبب الفقر الجوهري لهذا الأخير، يقول: «إن ما يظهر للوعي المتخيل ليس مشابها أبدا لما نراه في الإدراك، فالمادة تضعف في تحولها من وظيفة إلى أخرى، لأني أسقط الكثير من الخصائص. إذ أن ما يشكل ـ في الأخير ـ الأساس الحدسي لصورتي لن يشكل أبدا الأساس الحدسي للإدراك. ويظهر من الآن في مادة الصورة ضعفا جوهريا» (يوسف الإدريسي: الخيال والمتخيل).
والحاصل إن الخيال، كوعي قصدي، لا قيمة له، لا باعتباره وعيا معرفيا ولا باعتباره مجالا استتيقيا، لأنه في نظر سارتر، دائما، مجرد «خداع للرغبات».

ثانيا – شعرية المتخيل: جان بورغوس 1982.. أما فيما يخص جان بورغوس من خلال كتابه «من أجل شعرية المتخيل» (Pour une poétique de l’imaginaire) وهو بالمناسبة من الأعمال الرائدة، التي أحدثت انعطافة نوعية وحقيقية في البحوث المتعلقة بالمتخيل الشعري، فإنه يبني تصوره لشعرية المتخيل على منهجين أساسيين هما:
1ـ تعريف يونج للصورة.
2 ـ الإبستيمولوجية التكوينية لجان بييجي (يراجع كتاب» الشعر العربي الحديث-بنياته وإبدالاتها. 2 الرومانسية العربية» لمحمد بنيس، دار طوبقال للنشر. الطبعة الأولى).
فيونج يعرف الصورة قائلا: «إنني عندما أتحدث عن الصورة لا أقصد مجرد النسخة النفسية لشيء خارجي، لكن نوعا من التمثيل الفوري، الموصوف على نحو ملائم من خلال اللغة الشعرية، ظاهرة تخييلية ليس لها، مع إدراك الأشياء، إلا علائق غير مباشرة، وهي بالأحرى نتائج النشاط التخيلي للاوعي ، تتجلى للوعي بطريقة هي إلى حد ما مفاجئة، كرؤيا، أو كهذيان لا علاقة له بالخصيصة المرضية، أي من غير أن تكون على الإطلاق منتسبة للائحة العيادية للمرض. وخصيصتها النفسية هي تلك التي للتمثيل التخيلي، لا علاقة لها مطلقا بشبه واقع الهذيان، وبتعبير آخر لا تحتل أبدا مكان الواقع: فالذات تُمايزها باستمرار عن الواقع الحسي لأنها تدركها كصورة داخلية» (المرجع السابق). أما جان بييجي، وهو يدافع عن الصورة كخلق خالص فيقول: «وإذا كانت طبيعتها (الصورة) غير قابلة للاختزال إلى العناصر المركبة لها فلأنها ناتجة في الوقت نفسه عن الغرائز التي تهدف الانفجار التلقائي في اللغة، وعن الضغوطات التي تعيد باستمرار في ألعاب الكلمات صياغة دلالتها المرجعية، وقد التحم بعضها ببعض في قوة هي حصيلتها الخاصة، ما يميز المنهج التكويني ينحصر في اعتبار المُقدّر أو المحتمل خلقا يتبعه من غير كلل، فعلٌ راهنٌ وواقعيٌّ: فكل فعل جديد، وهو ينجز إحدى الإمكانيات المتولدة عن الأفعال السابقة، يُنتج هو نفسه مجموعة إمكانيات تكون معجبة حتى تلك اللحظة، ومن هنا سيكون على النص أن يُعرّف كنص في داخله يلعب المتخيل إلى الحد الأقصى، وحيث الكتابة تُحقق فضائية تجد دلالتها في الحجم الذي تحتله وتحركه في الوقت ذاته» (المرجع السابق).
لقد حاول جان بورغوس، من خلال عمله هذا، إعادة الاعتبار للمتخيل الشعري وللصورة التخييلية بالأساس. وفيما يلي نورد أهم ما جاء به هذا المشروع من أفكار وإضافات:
– تنفرد شعرية المتخيل عند بورغوس، في كونها تنظر إلى الصورة كدليل. وتعتبر هذه الإضافة أعلى عتبة في شعرية المتخيل.
– الصورة الشعرية لحظة استشرافية، منفتحة على المستقبل عكس الاستعارة التي تنتمي إلى الماضي (الذاكرة).
– إن للصورة الشعرية دينامية دؤوبة لتغيير نظم الأشياء والعالم في أفق بناء واقع آخر. فالصورة عند بورغوس تظل «منفلتة باستمرار من كل دلالة ومحيلة دائما على شيء آخر، تهيئ، أو تسهم في تهيئة واقع آخر غير ذاك الذي كان من المفروض أن يمثله الكلام». (جان بورغوس: نقلا عن» الخيال والتخيل» يوسف الإدريسي).
– الصورة تفتن، وفتنتها راجعة بالأساس إلى عنصريْ الدهشة والمفاجأة (اللاتوقع).
( Jean burgos : pour une poetique de l imaginaire ; cite ;p.9)
– لقد أعاد بورغوس الاعتبار للكلمة في ذاتها داخل الصورة: كما أن للتركيب دورا أساسيا في بناء عوالم المتخيل الشعري.
– للصورة قصدية ترمي من خلالها إلى تحقيق هدف أساس، يتمثل في تقديم أجوبة عن أسئلة الكينونة في العالم L etre au- monde.
شاعر وناقد من المغرب