القاهرة ـ «القدس العربي»: يمكن القول إن تاريخ الجنس البشري ما هو إلا تاريخ الحروب، ولا أدل على ذلك من قراءة أي كتاب مدرسي في التاريخ، ما بين هذا الذي انتصر وآخر مهزوم، أو جماعات استتب لها الأمر بعدما نجحت في إبادة جماعات أخرى أقل حظاً. لكن.. ماذا عن (الناس) الفئة الغالبة المجهولة، البعيدة بشكل أو بآخر عن أرض المعارك ـ لم يعد الأمر كذلك الآن ـ ماذا عن ضحايا الجانبين، بغض النظر عن الهتافات والأغنيات التي تصاحب رب المنتصرين؟ ولنا أن نزيد من السخرية، بأن يؤكد كل فريق انتصاره، لكن الحقيقة تكمن في ضحايا الفريقين، وحياتهم التي تحولت إلى مأساة لن تنتهي.
عن عالم هؤلاء (الضحايا) تدور أحداث العرض المسرحي المصري «بعد آخر رصاصة» الذي يقترب من عالم الجانب الآخر ـ الأصدق ـ من عالم الحروب، الناس العادية وحياتهم التي انهارت جرّاء الحرب بشكل عام، دون إسقاط على حرب بعينها، أو زمن معيّن يمكن الاستناد إليه، فقط (الحرب) وبما أنها الفعل الأكثر تأثيراً ـ للأسف ـ في حيوات الناس، فلا زمان ولا مكان، فقط.. الحالة وتبعاتها.
العرض أداء، طارق شرف، محمد دياب، مي رضا، إبراهيم الزهيري، آسر علي، وفاء عبده، إيناس المصري، إيمان مسامح ومريم سعيد. ديكور محمد هاشم، أزياء دينا زهير، ماكياج إسلام عباس، أشعار رشا ضاهر، موسيقى وألحان هشام طه، توزيع موسيقي محمد همام، رؤية سينمائية طارق شرف. تأليف علي الزيدي، إعداد وإخراج شريف صبحي.. إنتاج البيت الفني للمسرح، وزارة الثقافة المصرية.
النص المسرحي وإعداده
يتألف العرض من مجموعة من النصوص المسرحية للكاتب العراقي علي الزيدي، بحيث تم اختيار ثلاث حالات من نصوص بعناوين (جيل رابع) (قمامة) و(عودة الرجل الذي لم يغب) وهي نصوص تمت كتابتها في تسعينيات القرن الفائت. وهنا لم يتطرق المؤلف بصورة مباشرة للحروب، لكن في حالاتها الأعمق، وهي مدى تأثيرها في حياة الناس العادية، هذا التأثير الذي يبدو وكأنه زمن أبدي لا ينتهي. فالأمر لا ينفض بعودة الجنود من جبهات القتال بأمر حاكم أو رئيس أو ملك، لكنه بالأدق يبدأ بمجرد عودة هؤلاء، لتتضح المأساة أكثر وأكثر.

وعبر هذه الحالات المختلفة للضحايا، يتم سرد الأحداث، التي تبدو متوازية في البداية، إلا أنها سرعان ما تتداخل، لتصبح الصورة أكثر فزعاً، حيث التشوهات طالت كل شيء، أقلها جسد العائدين من المعارك، وأعمقها روح وسلوك العالقين في هذه الحياة.
قوادون وشحاذون وخائبو الرجاء
تتواتر الحكايات من خلال شخصيات تعود من الحرب، لتكتشف واقع عائلاتهم الأشد قسوة. ثلاثة رجال يعودون إلى ذويهم.. الأول يعود مشوهاً وقد فقد نصفه الأسفل، يعود إلى أمه وزوجته، لكن لم يعد له مكان بينهما الآن، فالأم قوادة والزوجة تحترف الدعارة، وبعد محاولات عدة لطرده والتخلص منه وصولاً إلى القتل، يرضخ المحارب ـ رغماً عنه ـ للحياة الجديدة رغماً عنه أيضاً، ويكتفي بالجلوس والمشاهدة، بل تحصيل الإيراد من زائري زوجته. الشخص الآخر يعود إلى أسرته فاقدا إحدى ذراعيه، أبوه فقد بصره في بدايات الحرب، فكانت نعمة من الله، فهو لن يرى بعد الآن، كما كان كف بصره هذا جواز مروره لاحتراف التسوّل، وبهذا يصبح هذا العائد المُشوّه كنزاً جديداً في هذه المهنة، الأكثر من هذا، أن المحارب مبتور الذراع هذا يُصر على بتر ذراع طفله الوحيد، مُتعجلاً النهاية، ليبدأ الطفل العمل، وحتى يأمن دعوته للحرب كأبيه.
أما الأخير فهو موسيقي، ترك امرأته سنوات طويلة، وهي لم تزل في ثوب العُرس، وعاد ليجد الزمن أصاب ملامحها، وقبله روحها، فلم تغفر له هذه الغيبة، وتحول الحب إلى كراهية شديدة، وها هو الآن عازف الموسيقى، يعود فاقدا ذراعيه، فكيف سيعزف، وكيف يمكنه استعادة حياته الأولى، والمرأة على حالها، فقط في ثياب عرسها التي أصبحت سوداء، وترفض تماماً إتمام الزيجة!
وفي الأخير.. فقط (طفلة) مُشردة، لا تنتمي لأي من هذه الأسر، هي الوحيدة القادرة على التنقل بين هذه الحيوات، تعزف الفلوت، لتزيد من هذا الحِس المأساوي بالضياع، مُجسدة بدورها مستقبلاً تائهاً ومشوهاً لا أمل فيه.

العرض المسرحي
استعرض العرض هذه الحالات من خلال ديكور يوحي بالقضبان والعزلة، وكأنه سجن كبير. فجاءت الحكايات وكأنها منفصلة شكلاً، لكنها تتكامل من خلال الحوار والحركة على خشبة المسرح. لكن ما بين الحِس التجريبي للعرض في بعض مناطقه، والإطالة في الحوار، وكذا تكرار الحوارات بشكل أو بآخر، بعد أن وصلت دلالة العبارات، خلق حالة من الخلل في الإيقاع العام للعرض، رغم الجماليات الفنية من ديكور وإضاءة وحركة الممثلين. من ناحية أخرى لجأ المخرج إلى شاشة السينما في الخلفية، والاستعانة ببعض المشاهد السينمائية للحروب والجثث والمدن المُتهدمة، كبداية للعرض، وكأن هذا العالم هو ما سيتم عرض لمحات منه ليس أكثر، أو حكايات منتقاة، حيث الخراب والدمار يحيط بكل شيء. وفي الأخير يُختتم العرض بعدة لقطات في شكل عكسي لعودة الحياة إلى هذا الحطام وهذه الأشلاء ـ أقرب إلى تصوير أغنية الأرض Earth Song لمايكل جاكسون ـ ربما دعوة خافتة ـ لن يسمعها أحد ـ لإيقاف هذه المهزلة المُسماة بـ(الحرب).