الحوار الوطني حال بين مصر والانفجار… وتقزيم المعارضة لا يفيد السلطة ولا أنصارها

حسام عبد البصير
حجم الخط
1

القاهرة ـ «القدس العربي»: السخرية من المعارضة باتت أقرب للصيحة خلال الفترة الأخيرة، وازدادت وتيرتها مع بدء أعمال الحوار الوطني، إذ يرى البعض أن السلطة من دون أن تدري ساهمت في إعادة الحياة، خاصة لتلك الكيانات الحزبية الضعيفة التي لا وجود لها في الشارع، غير أن خصوم ذلك الرأي يرون أن السلطة هي المستفيد الأول من الحوار الوطني المنعقد حاليا، إذ انه كان خير معين لتجميل صورتها في الداخل والخارج، وتسويقها باعتبارها راعية للديمقراطية وللمطالبين بها.
واهتمت صحف أمس الخميس 11 مايو/أيار في المقام الأول بالجريمة الإسرائيلية الجديدة ضد الشعب الفلسطيني، وندد عدد من الكتاب بالصمت العالمي تجاه العدوان الإسرائيلي والخذلان العربي في نصرة الأشقاء.
ومن أخبار الحكومة: أكد الدكتور محمد معيط وزير المالية، أن العام المالي الماضي شهد ارتفاع الإيرادات العامة بمختلف قطاعاتها، حيث بلغت الإيرادات الضريبية 991.4 مليار جنيه بنسبة نمو 18.9%مقارنة بـ834 مليار جنيه عام 2020/ 2021. ومن تقارير الغلاء التي أثارت ضجة واسعة خاصة في أوساط الطلاب والشباب: أعلنت هيئة المتحف القومي للحضارة المصرية، رسميا عن الأسعار الجديدة لدخول الزائرين المصريين والأجانب، على أن يتم العمل بها اعتبارا من بداية نوفمبر/تشرين الثاني المقبل. وقالت غرفة شركات السياحة في خطابها المرسل إلى شركات السياحة، إن أسعار تذاكر الزيارة الجديدة ستصل إلى 500 جنيه للزائر الأجنبي و250 جنيها للطالب الأجنبي و80 جنيها للزائرين المصريين و40 جنيها للطلاب الزائرين المصريين.. ومن أخبار القيادات الحزبية: أكدت جميلة إسماعيل رئيسة حزب الدستور، إنها تقدمت بشكوى إلى النائب العام المستشار حمادة الصاوي، بعدما اكتشفت تشميع منزل ابنيها نور وشادي أيمن نور في شارع الملك الأفضل في الزمالك دون سبب معروف.
وقالت جميلة في تدوينة على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، إن السبب “تحريات قام بها أمين شرطة (مرهق في ما يبدو بسبب ظروف الحياة) أدت بقوة كاملة قوامها 13 فردا؛ حسب روايات حراس البناية، قامت بتشميع منزل ولديّ على ما يبدو بالخطأ”.  وأضافت أنها اكتشفت بالصدفة تشميع باب المنزل. وتشارك رئيسة حزب الدستور في فعاليات الحوار الوطني الذي بدأ رسميا الأسبوع الماضي، بهدف الوصول إلى توافق بين السلطة والأحزاب المعارضة، في محاولة لتفكيك الاحتقان والتشارك في مواجهة التحديات التي تعيشها البلاد.
لن تجني أمنا

هل ستكون إسرائيل أكثر أمنا بعد هجمة الاغتيالات البشعة التي راح ضحيتها أربعة أطفال وخمس نساء وثلاثة من رجال المقاومة في تنظيم الجهاد وهم في منازلهم في غزة؟ الإجابة على لسان جلال عارف في “الأخبار”: نتنياهو وأركان حكومته والقيادات التي أشرفت على العملية يشيعون هذا التصور في الداخل الإسرائيلي، لعله ينقذ حكومة زعماء عصابات اليمين الفاشي من أزماتها، والإرهابي بن غفير يحتفل بإثبات أنه صاحب الكلمة في الحكومة، وأنه هو الذي وضع عودة «سياسة الاغتيالات» شرطا لبقاء الحكومة أو لبقائه فيها، والمعارضة لا تملك إلا تأييد أي عملية عسكرية للجيش، ولكن يبقى السؤال بلا إجابة: هل ستكون إسرائيل بعد الاغتيالات التي طالت الأطفال والنساء أكثر أمنا؟ وفي انتظار رد المقاومة تعطلت الحياة في نصف إسرائيل التي تستمر في التصعيد لكي تنهي العملية، ويبدأ الحديث من المعارضة عن خطر الدخول في حرب جديدة، وعن المدى الذي ستذهب إليه حكومة يسيطر عليها بن غفير وسموتريتش مع فاشية لا تخفي أن هدفها هو التخلص من الشعب الفلسطيني بكامله. مع هذه الفاشية.. يبقى خطر التوسع في العدوان قائما في كل الأحوال، وتبقى الحرب ممتدة في الضفة والقدس أولا ثم في غزة، ويبقى نسف أي طريق للسلام مع الشعب الفلسطيني مغلقا، ومع ذلك كله تبقى إسرائيل أبعد ما يكون عن تحقيق الأمن والسلام والاستقرار، ويبقى الوضع الداخلي فيها قابلا للانفجار، وتسير جهود أمريكا لفرض التطبيع المجاني إلى حائط مسدود. وتبقى الحقيقة الأساسية أنه لا أمن ولا استقرار لاحتلال عنصري مهما فعل، ولا سلام حقيقي إلا بالتسليم بحقوق الشعب الفلسطيني المشروعة. عادت إسرائيل لسياسة الاغتيالات. في الحقيقة هي لم تغادرها أبدا كانت وما زالت توجه جهدها كله لاغتيال كل فرصة لسلام حقيقي. وكان هذا هو نجاحها القاتل.. أو مأزقها الخطير.

صمت متكرر

جريمة جديدة ومتكررة ترتكبها القوات الإسرائيلية في الأراضي المحتلة أسفرت عن استشهاد 20 فلسطينيا من بينهم 10 أطفال وسيدات. يوم دام شهدته الأراضي الفلسطينية المحتلة، بعد أن قامت القوات الجوية الإسرائيلية بشن سلسلة من الغارات على عدة مواقع في قطاع غزة. وبدوره تابع عبد المحسن سلامة في “الأهرام”: هكذا تعود إسرائيل إلى ارتكاب جرائمها وسط صمت دولي مريب، في محاولة من الحكومة الإسرائيلية لتصدير فشلها إلى الخارج. صحيفة «يديعوت أحرونوت» الإسرائيلية أشارت إلى أن الهجوم الإسرائيلي تم التخطيط له منذ فترة، وأن تنفيذه تم بعد الحصول على الضوء الأخضر من الولايات المتحدة الأمريكية. أمريكا التي تقوم بالتصعيد ضد روسيا، وتحاصرها بالعقوبات، وتساند أوكرانيا بالدعم المالي والمعنوي والعسكري، لرفضها الغزو الروسي لأوكرانيا تقف صامتة في وجه الجرائم الإسرائيلية «السادية» التي لا تفرق بين الأطفال والنساء. 4 أطفال و6 نساء كانوا من بين الضحايا الـ20.. أي أن 50% من الضحايا كانوا من الأبرياء الذين لا ذنب لهم، ولم يرتكبوا أي أعمال عدائية ضد الكيان الصهيوني. مصر أدانت تلك الغارات، وأدانت قيام المستوطنين باقتحام المسجد الأقصى، تحت حماية القوات الإسرائيلية، وأعلنت وزارة الخارجية المصرية رفض مصر الكامل لتلك الاعتداءات التي تؤجج الوضع في الأراضي الفلسطينية، وتقوض كل جهود التهدئة. مشكلة قادة إسرائيل أنهم لم يتعلموا من خبرة الأعوام الـ75 الماضية منذ النكبة الكبرى في 1948، خاصة أنهم استخدموا أساليب العنف والقتل، ولم تمت القضية الفلسطينية ولن تموت.

مأساة منسية

فيما عدا الجلستين التي شارك فيهما، الدكتور عبد المنعم سعيد، فإن الشرق الاوسط ظل بعيدا عن الأذهان في منتدى دلفي الاقتصادي. أصداء السودان كانت تبرق ولكنها كانت تبعد كما لو أنها ذكريات معتادة. أضاف الكاتب في “الأهرام”: الجلسة التي جاءت عن دول البلقان كانت فيها ملامح منطقتنا من غضب وسخط، فبعد أكثر من عشر سنوات من المفاوضات مع الاتحاد الأوروبي لم تصل إلى دخول الجنة الأوروبية. ممثلة الاتحاد كانت هادئة في قولها، إن الحقيقة الكاملة هي أن دول البلقان عليها أن تطبق القواعد المحددة أولا، حتى نصل إلى النهاية السعيدة. الردود رأت في ذلك مماطلة، وراءها مطالبة بتحديد موعد. الدعوة إلى نظام خاص للتكامل بين دول البلقان لم يجد حماسا، ولكن الخلفية كانت فيها الحروب التي جرت في البوسنة وكوسوفو، التي ما زالت دماؤها لم تبرد بعد. الثقة لم تزد عندما جرت الإشارة إلى أن أوكرانيا ومولدافيا وجورجيا، وهي الدول الواقعة في الحرب مع روسيا، ربما تحتاج عناية أكبر في الانضمام إلى الاتحاد، وربما ألبانيا، لأنها الأكثر إنجازا في تبني القواعد الأوروبية. ولكن ملامح الشرق الأوسط تظهر أكثر عندما يصل الحديث إلى العلاقات اليونانية التركية. اليونان وتركيا معا في حلف الأطلنطي، اليونان نعم عضو كامل العضوية في الاتحاد الأوروبي، ولكن تركيا أيضا لها روابط غير قليلة. ظروف البلدين متشابهة، كلاهما يعيش حالة انتخابية، وكوارث الطبيعة خلقت شهرا للعسل لا يريد أحد أن يتركه، دون وفاق أبدي. ولكن بعد هذه الفرضية، فإن التاريخ يلح بشدة، فلا أحد يظن أن أردوغان سوف يذهب بعيدا، أو أن الذكريات العثمانية سوف تغيب عن اليونان، ولا حتى حروب طروادة. المناقشات في عمومها تجعل دولتين لا يُعترف بوجودهما في القارة الأوروبية: روسيا وتركيا. الأولى أرثوذوكسية والثانية إسلامية؛ ولم يكن هنتنغتون مستبعدا أيا منهما من صراع الحضارات.
مهمة عسيرة

في محاولة بحثه عن أسباب ما آل اليه وضعنا الاقتصادي خلص الدكتور زياد بهاء الدين في “المصري اليوم”، إلى أن هناك سوء فهم سائدا في الخطاب العام بشأن تخارج الدولة من الشركات التي تمتلكها أو تساهم فيها. ما أقصده بالدولة يشمل الدولة كاملة بكل وزاراتها وهيئاتها ومؤسساتها، وكلها صاحبة مساهمات عديدة ومعروفة في مختلف القطاعات الاقتصادية. كتبت خلال السنوات الماضية – كما كتب وتحدث كثيرون غيري – عن ضرورة مراجعة وتحديد دور الدولة في الاقتصاد، واتخاذ موقف معتدل وعملي من هذا الموضوع.. لا التوسع غير المحسوب للدولة في النشاط الاقتصادي، إلى الحد الذي يعرقل نمو القطاع الخاص، ولا انسحابها بالكامل، خاصة في المجالات الاستراتيجية وفي تطوير البنية التحتية وفي الخدمات الاجتماعية والأنشطة التنموية.. المطلوب إذا كان – ولا يزال – تحديد وتنظيم دور الدولة في هذا المجال، لا طغيانها عليه ولا انسحابها منه. لهذا رحبت مع كثيرين باستجابة الدولة، منذ حوالي عام، للمطالبات المتكررة بتحديد دورها في النشاط الاقتصادي، ثم بإطلاق مسودة «وثيقة ملكية الدولة» وطرحها للنقاش المجتمعي مطلع 2022، ثم إطلاقها في شكلها النهائي، ثم التصريح بأن 32 شركة سوف يتم التخارج منها خلال العام الجاري، وضمنها شركتان مملوكتان للقوات المسلحة. وأخيرا بما يتاح من أخبار عن الاستعدادات الجارية لإعداد هذه الشركات للبيع من خلال برنامج «طروحات». ومع أن التقدم في هذا البرنامج لا يزال بطيئا، إلا أن هذا طبيعي، نظرا لأن تنفيذ عمليات التخارج ليس مما يمكن إتمامه على عجل، بل تحتاج الشركات الداخلة فيه إلى الكثير من الدراسات والإجراءات، وإعادة الهيكلة، وإعداد أوضاعها ومستنداتها للفحص القانوني والمحاسبي، ثم إجراء تقييم علمي.. وأخيرا التسويق المطلوب لإتمام بيعها أو تخارج الدولة منها.

تقارير مزعجة`
بقدر حماس الدكتور زياد بهاء الدين منذ عام أو أكثر لاتجاه الحكومة للتخارج من بعض الشركات، إلا أنه بات قلقا لأن التقارير الدولية الصادرة بكثرة في الشهور الأخيرة، أصبحت تركز على هذا الموضوع، وكأنه الهدف الرئيسي المطلوب تحقيقه، والمعيار الأساسي (إن لم يكن الوحيد) لتقييم أدائنا الاقتصادي. وتأثرا بذلك، تبنى المعلقون عندنا – بل الحكومة – الخطاب نفسه، وأصبح تحقيق التخارج من الشركات الاثنتين والثلاثين الهدف الأسمى. يزعجني هذا التركيز الشديد على تخارج الدولة من بعض الشركات التي تملكها، ليس لأنني أفضل استمرار هذه الملكية، بل أقف تماما في جانب التخارج.. ولكن أخشى أن يكون التخارج قد تحول من وسيلة لإصلاح الاقتصاد إلى هدف في حد ذاته. تخارج الدول عموما من الشركات والنشاط الاقتصادي له أربعة أهداف رئيسية: (1) زيادة كفاءة الوحدات الإنتاجية في البلد بنقلها من الإدارة البيروقراطية إلى إدارة خاصة وراءها مساهمون حريصون على أموالهم. (2) الحد من منافسة أجهزة الدولة للقطاع الخاص منافسة غير متكافئة وطاردة للاستثمار. (3) توسيع قاعدة الملكية بين المواطنين والمؤسسات محليا بما ينمي سوق المال ويشجع على الادخار والاستثمار في أصول إنتاجية. (4) استقدام رؤوس أموال أجنبية وتكنولوجيا حديثة وقدرات تسويقية. هذه هي الأهداف المطلوب تحقيقها من تخارج الدولة.. أما إذا كان الدافع أو المحرك للتخارج هو استخدام حصيلة البيع في سداد أقساط الديون المحلية والدولية، أو مجرد استيفاء مستهدفات البرامج المتفق عليها مع مؤسسات التمويل الدولية. دون أن يصاحب ذلك تحقيق الأهداف الأربعة الاقتصادية التي ذكرتها، فإن التخارج يكون قد تحول من وسيلة إلى هدف.. وليس هذا ما نحتاجه الآن. دعونا إذن لا نلتفت أكثر مما ينبغي لعدد الشركات التي سوف يتم طرحها للبيع أو لحصيلة التخارج، بل علينا متابعة تحقيق أهدافها الأصلية. وأهلا به طالما كان مؤديا لمزيد من تنافسية الأسواق، وتشجيع الاستثمار، وجذب التكنولوجيا، وتعميق سوق المال، وتنشيط الاقتصاد القومي.

بلا جدوى

بعض المصريين يعتقدون وفق ما يراه عماد الدين حسين في “الشروق”، أنه كان من الخطأ البالغ انعقاد الحوار الوطني من الأساس. وأن الحكومة أعطت القوى السياسية المعارضة حجما كبيرا يفوق حجمها الجماهيري مرات عدة. وأن ما تفعله الحكومة يعيد استنساخ «التجربة المريرة» لثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011، التي تسببت كما يعتقدون في كل هذه الفوضى والمشاكل التي تعاني منها مصر حتى الآن. الانتقادات السابقة قرأتها وسمعتها ومع احترامي الكامل لها، فإنني أختلف معها إلى حد كبير. سبب الاختلاف الأول أن العديد من الأنظمة في المنطقة جرّبت مرارا هذه الوصفة، وانتهى بها الأمر إلى التحاور بالرصاص والدبابات والمدرعات والقاذفات والأحزمة الناسفة والقنابل والسيارات المفخخة والاغتيالات. في حين أن الحوار الوطني جعل كل الأطراف في مصر تجتمع تحت سقف قاعة واحدة هي نفرتيتي في أرض المعارض في مدينة نصر يوم الأربعاء قبل الماضي، لكي تتحاور بالكلمة والفكرة والحجة والرأي. بوضوح شديد ومنذ الغزو الأمريكي للعراق في 2003 الذي أطلق كل الشياطين في المنطقة لمصلحة إسرائيل، فإن النظام الجديد في العراق الذي فكك الجيش واستبعد وأقصى فئات كثيرة من المشهد، تسبب في نشأة “داعش” وتقوية “القاعدة”، وأطلق صراعا سنيا شيعيا بغيضا. وحينما بدأت ثورات الربيع العربي في أواخر 2010 في تونس ثم في مصر يناير 2011، وسوريا في العام نفسه، ثم اليمن وليبيا، فإن الأنظمة التي استخدمت العنف فقط ظنا أنه الوسيلة الوحيدة للتعامل مع الأزمة، غرقت في حرب أهلية وطائفية لم تسلم منها حتى الآن.

كي لا ننفجر

الدول التي اتبعت وصفة احتكار السلطة، يعيش معظم أهلها نازحين أو لاجئين أو ساعين للهجرة لأي مكان وبأي ثمن، والسبب أن الحكومات والنخب اعتقدت أنه بإمكانها إسكات الجميع إلى ما لا نهاية. تابع عماد الدين حسين : أظن أن المعالجة الحكيمة التي تمت بها الأمور في مصر هي التي جنّبت مصر الكثير من الشرور. صحيح أننا دفعنا ثمنا كبيرا لها، لكن في النهاية بلدنا ما يزال متماسكا ومستقرا ويتحاور بالكلمة وليس بالسلاح. انحياز القوات المسلحة للشعب ولثورة 25 يناير/كانون الثاني هو الذي جنّبنا مصير سوريا والسودان وليبيا واليمن. وانحيازها للشعب مرة ثانية في 30 يونيو/حزيران 2013 هو الذي جعل مصر تقف على قدميها وتحافظ على هويتها، في وجه القوى الإرهابية والظلامية، ما قاد إلى نهاية صعودها في المنطقة العربية. لكن من المهم الإشارة إلى التفريق بين أمرين مهمين؛ الأول هو أن النجاح في الانتصار على التطرف والإرهاب لا يعني بأي حال استبعاد باقي القوى السياسية المدنية من المشهد السياسي، وهو الأمر الذي تم بالفعل حينما أطلق الرئيس السيسي الحوار الوطني واتفق الجميع في مصر على استبعاد كل القوى الإرهابية والمتطرفة أو التي لا تؤمن بالدستور. وحتى لو كانت غالبية الأحزاب والقوى السياسية في مصر ضعيفة وهامشية وأنبوبية، فهناك قوى اجتماعية وسياسية كثيرة يفترض أن تتحاور معها الحكومة وتستمع إليها، سواء كانت في نقابات أو هيئات أو اتحادات أو كيانات أهلية، خصوصا في ظل الأزمة الاقتصادية الطاحنة التي تعيشها مصر هذه الأيام. نعم لاستبعاد المتطرفين والمتاجرين بالدين، لكن هناك قوى مدنية أخرى كثيرة، وكما رأينا منذ إطلاق الحوار الوطني، وحتى الجلسة الافتتاحية يوم الأربعاء الماضي فإنه من الأفضل تريليون مرة أن نتجادل ونتحاور ونختلف بالكلمة حتى نصل إلى التوافق النسبي بدلا من انسداد القنوات التي تقود إلى الانقسامات ثم الانفجارات.

أمل بعيد

استبشر الدكتور هاني سري الدين خيرا بجلسات الحوار الوطني، ومناقشاته التي وصفها في “الوفد” بالصريحة الواضحة، وأجدها فرصة مناسبة لتصحيح السياسات وتسريع الإصلاحات المأمولة التي تأخرت كثيرا نتيجة بعض الظروف الاستثنائية والتقلبات الدولية، وأجد اتفاق كل الأطراف على ضرورة تمكين القطاع الخاص في الاستثمار بادرة طيبة تستلزم سرعة تفاعل وتعاطي الحكومة، مع هذا التوجه. إن مصر تحتاج على أقل تقدير لتوليد نحو مليون فرصة عمل سنويا لخريجين جدد ينضمون إلى سوق العمل، ولا يمكن لأي حكومة مهما أوتيت من قدرات أن تلبي احتياجات العمل وحدها. وهذا بطبيعة الحال يعني أن الاستثمارات الخاصة لا بديل عنها، وأننا في حاجة لمشاركة واسعة للقطاع الخاص في مختلف مجالات الاستثمار. إعلان وثيقة تمكين القطاع الخاص، وما فيها من تصورات إيجابية بشأن تخارج القطاعات الحكومية والعامة من كثير من الأنشطة الاقتصادية، يمكن أن تمثل نقطة انطلاق لسلسلة إجراءات متسارعة تعمل على تحويل بنود هذه الوثيقة إلى قصة نجاح عملية. فقبل بضعة أسابيع كان من مهما صدور قرار رئيس الجمهورية، بتشكيل مجلس أعلى للاستثمار يضم ممثلي الوزارات والهيئات المعنية كافة، ومهمته تذليل العقبات وإزالة المعوقات وتحسين مناخ الأعمال، لكن في نظري، فإن الأعظم من ذلك هو أن يتحول هذا القرار إلى فعل حركي يتضمن حصرا تفصيليا لكل المشكلات التي تواجه المستثمرين المحليين والأجانب على السواء، وحلها بشكل عملي بناء على مقترحات رجال الأعمال أنفسهم، إلى جانب إلغاء المواد التشريعية كافة المقيدة للاستثمار، واستبدالها بإجراءات ميسرة تستهدف تحفيز أصحاب المشروعات والتيسير عليهم.

محاولة للإنقاذ

واصل الدكتور هاني سري الدين: نُدرك يقينا أن ظروف مواجهة الإرهاب التي مرت بها مصر على مدى عدة سنوات، ثم ظروف جائحة كورونا، دفعت صناع القرار إلى التوسع في الاستثمارات الحكومية بصورة كبيرة جدا لتعويض التراجع الحادث في قطاع الاستثمار تخوفا من عدم الاستقرار. غير أن استقرار الأوضاع في الوقت الراهن يدفعنا بجدية إلى تغيير نظرتنا والسعي حثيثا لإفساح الأسواق مرة أخرى للقطاع الخاص للمنافسة بعدالة وشفافية وثقة. كذلك، فإن الأزمة الاقتصادية بآثارها وتوابعها القاسية، التي تعاني منها كل فئات المُجتمع تعني بوضوح أن السياسات المتبعة في مجال الاقتصاد، ربما شابها بعض الزلل، وأنها لم تراع في بعض الأحيان المتغيرات الحادثة. من هنا فإننا أمام لحظات تاريخية قلما يتفق فيها صناع القرار والاقتصاديون من مختلف الاتجاهات السياسية على توجه واحد محدد هو، تفعيل دور القطاع الخاص. إننا في حاجة ماسة للإسراع بالإصلاح المؤسسي في النظم الجمركية والضرائب والتراخيص والهيئات المسؤولة عن التصدير والاستيراد، وتقديم قصص نجاح عملية لافتة ومبهرة، تؤكد أن مصر بلد منفتح للاستثمارات من مختلف الجنسيات، وأنها قادرة بفضل ثقلها الإقليمي على التحول إلى مركز إقليمي كبير للصناعة والخدمات، ومن ثم عبور الأزمة الاقتصادية الأكبر والسير في طريق التنمية الحقيقية.

عميد رؤساء الجمهوريات

قرار عودة سوريا للجامعة العربية استقبله كارم يحيى بحذر شديد كما أوضح في “المشهد”: مبروك أو لنقل “مبارك” لأصحاب الفخامة ملوكا وأمراء ورؤساء، عودة تأخرت لشقيق في مكانه الطبيعي المستحق بين أشقائه الأقربين. أما روابط العروبة بين الشعوب وعواطفها ووعيها، وكذا إرادتها عندما يحين الأوان، فأمر آخر. ومعه حساب معاناة الشعب السوري منذ قبضت عائلة “الأسد” على السلطة قبل ما يزيد على نصف القرن. ومبارك أيضا لوفود “المثكفين” و”القوميين” و”اليساريين” إياهم، وليجهزوا حقائبهم للمزيد من الرحلات الفخمة للحج لفنادق دمشق الـ5 نجوم، وللعودة المظفرة بالهدايا و”البوكيت ماني” مع “شعارات الصمود والتصدي” من بلد تحتله وترتع فيه 5 جيوش. ولا ننصح باصطحاب أعمال ابن خلدون الشهير بعبارة “الطغاة يجلبون الغزاة”، أو الكواكبي مؤلف “طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد” مع مقولته ” السلطة المطلقة مفسدة مطلقة”. كما لا ننصح بتذكر نحو 13 مليون لاجئ ونازح سوري، ومعهم كلمات أديب عراقي قبل عقود للأشقاء المثقفين العرب مرحبا باستضافتهم من طاغية آخر في مدينته بغداد التي لا يمكنه ولو زيارتها. “بشار” النموذج الأنجح لليوم في توريث الحكم “جمهوريا” بين المجموعات العسكرية الحاكمة في المنطقة. وبعد نحو 22 عاما في الرئاسة أصبح قاب قوسين من لقب “عميد رؤساء (الجمهوريات) العرب”، إذا أخلى الطريق أمامه مصير رئيس جيبوتي إسماعيل جيلي. وقبل قرار الجامعة بأيام، خرج إعلامي من القاهرة لينصح مع سلفيين ومشايخهم: “أخي المواطن العربي دافع عن حاكمك المستبد، وإن ضرب ظهرك وأكل مالك”.

بين الغياب والحضور

سوريا دولة محورية في المنطقة، ولذلك كان قرار عودتها من وجهة نظر أيمن عدلي في “الوفد” إلى الحضن العربي هذا الاسبوع واستعادة عضويتها في الجامعة العربية، واحدا من الأخبار السارة لكل الشارع العربي. بالتأكيد العودة لم تكن سهلة، بل واجهت معارضة من البعض وتحفظا من آخرين، لكن في النهاية صوت العقل كان هو الغالب والتغيرات التي يشهدها العالم كانت الحاسمة في القرار، فنحن الآن ندخل عالما جديدا لن تفيد فيه الفردية ولن يكون عصرا أحادي القوة وإنما ستفرض الجماعية والتكتلات الإقليمية اقتصادية كانت أو سياسية، نفسها، ولذلك أدرك الجميع أن العالم العربي في قلب التحدي الذي قد يصبح طوفانا يطيح بالكل إذا لم نحاول التوحد والتماسك الجماعي، ولهذا شهدنا على مدار العامين الأخيرين تحديدا تحركات عربية عربية بهدف توحيد الصف، ومن بين هذه التحركات كان الموقف المصري، الثابت والقائد والداعي دائما إلى أهمية هذا التوحد، وكانت عودة سوريا جزءا من هذا الهدف. ولهذا ففي السنوات الأخيرة بدأ العديد من الدول العربية، وفي مقدمتها مصر في التحرك لإعادة سوريا إلى عضويتها في الجامعة العربية، من خلال تفكيك الأزمات بين العواصم العربية وتقريب وجهات النظر. صحيح أنه ما زالت بعض العواصم العربية تتحفظ، لكن في النهاية تحققت العودة السورية، وهنا وبكل صراحة الكرة في الملعب السوري، لأنه مثلما من المهم أن يتمكن الوفد السوري من المشاركة في الاجتماعات والمناقشات المختلفة التي تعقدها الجامعة العربية، وان تتاح الفرصة والدعم لسوريا، كي تكون عودتها حقيقية وجادة، وأن تكون شريكا في مناقشة القضايا الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية في المنطقة، فمن المهم أيضا أن تقدم سوريا ما يؤكد رغبتها في إزالة غيوم الماضي، وإغلاق صفحة الخلافات مع الأشقاء وأن تثبت عروبتها الكاملة، بمعنى أن تكون البوصلة السورية عربية ورهاناتها عربية، وبالطبع من حقها أن تكون لها علاقاتها الإقليمية وأن ترتبط مصالحها ببعض القوى الإقليمية، لكن شريطة ألا يكون هذا على حساب الأمن القومي العربي.

طموح سعودي

يبدو أنه موسم الهجرة إلى الشرق، كما أشار حسن المستكاوي في “الشروق”، والشرق هو الدوري السعودي تحديدا، وهو توجه في سياق مشروع كبير، أظنه مشروع دولة قبل أن يكون مشروع لعبة أو اتحاد. فبعد صفقة رونالدو مع النصر، تدور حلقة الأخبار حول انتقال ميسي إلى الهلال. فهل هو هدف تعزيز قوة النصر أو الهلال للفوز بالدوري السعودي، أم أنه مشروع تعزيز وإثراء قيمة الدوري السعودي وترسيخه كقوة ناعمة تجذب أضواء العالم وعدسات الوكالات واهتمام وسائل الإعلام؟ هو هذا كله وأكثر، فالهدف أيضا تسويق واستثمار بعض المكاسب المادية البسيطة، مقابل مكاسب أدبية كبيرة. فكلاهما رونالدو وميسي أبرز نجوم كرة القدم على مدى عقدين تقريبا، وعدد متابعيهما يزيد عن تعداد مجموعة دول. ومعلوم أن وجود رونالدو في النصر قفز بعدد متابعي النادي إلى الأضعاف، وإن حصيلة بيع قميص رونالدو وصلت إلى ملايين الريالات، والأمر نفسه سوف يتكرر مع ميسي في حال انتقاله إلى الهلال. الهدف ليس البطولة للنصر أو للهلال، وإنما ترسيخ دور كرة القدم والرياضة كقوة ناعمة جاذبة تماما مثل، الفن والموسيقى والدراما والثقافة والترفيه، وهذا كله يصب أيضا في مسار السياحة، وهو توجه أساسي في استراتيجية المملكة الواضحة، ومحورها سيكون مشروع نيوم الضخم الذي يخاطب المستقبل، ويسعى لصناعة تنمية مستدامة تدر مليارات من الدولارات، وتوفر آلاف فرص العمل، ويجعل من شاطئ البحر الأحمر الذي يبلغ طوله قرابة 450 كيلومترا منطقة سياحية عالمية. وتلك هي الحقيقة، وهو حق مشروع لأي دولة.

من ميسي لصلاح

تملك مصر كما أوضح حسن المستكاوي الحق نفسه والحلم نفسه والمشروع السعودي نفسه، بما تملكه من قوى ناعمة، ومنها كرة القدم والرياضة وتحديدا الأهلي والزمالك، وهما ناديان لهما جمهور في الإقليم. لكن مع قوة الرياضة هناك قوة السياحة، وهي صناعة كبيرة وتدر مليارات على الدول التي تجيد بيع مقاصدها ومنتجها، ومصر قوة ناعمة بفنونها وبموقعها، وبتنوع منتجها السياحي، شواطئ وآثار، وحضارة فرعونية، ودور أوبرا، وحفلات يجب أن تسوق جيدا، ويعلن عنها جيدا، لكن المنتج، أي منتج، يرتبط بكيفية تسويقه وبيعه ومنتج السياحة يرتبط بكيفية التعامل مع السائح؟ هجرة رونالدو إلى الشرق، ولحاق ميسي به، سيكون بمثابة إثراء للصراع بينهما، صراع يراه أهل الدراما مثاليا، فالدراما القوية هي تلك التي يتصارع فيها طرفان على القدر نفسه من القوة. فمن يكافئ قوة رونالدو، محمود المليجي، سوى ميسي فريد شوقي؟ سوف يرحل ميسي عن متجر العطور الباريسية الفاخرة في شارع الشانزليزيه، المسمى باريس سان جيرمان، بكل نجومه لكن ماذا عن محمد صلاح؟ أراه أهم هدف. فهو ينقل بحق اتجاه المشاهدة والمتابعة إلى الدوري السعودي، بصورة تكاد تنافس ميسي ورونالدو، لأنه الأكثر شعبية في الإقليم، وسوف يجعل للنادي الذي ينتقل إليه، إذا حدث ذلك، جماهيرية إضافية في المدرجات بفضل الجالية المصرية في المملكة. وصلاح هو أهم لاعبي ليفربول منذ عام 2017.. فهو اللاعب الذي لا ينافسه أي لاعب آخر في الريدز من ناحية التأثير والمشاركة وهو لعب 99 مباراة خلال العامين الأخيرين مع ليفربول. وهو أيضا اللاعب الموجود مع فريقه بنسبة 97% منذ عام 2017.. هل يكون صلاح ضمن اختيارات الكرة السعودية أيضا؟ هذا مجرد سؤال عابر وليس خبرا باليقين.

بعلم الجميع

تهريب المخدرات عبر الحدود من سوريا إلى الأردن لا يتوقف، وحجمها يشير إلى أن الأردن ممر أكثر منه مقرا في العمليات كلها، وهو القضية التي اثارت اهتمام سليمان جودة في “المصري اليوم”: قبل أيام كانت جامعة الدول العربية قد أعادت سوريا إلى مقعدها الشاغر في الجامعة، وكانت العودة على أساس ما يسمى «خطوة مقابل خطوة».. وكان المعنى فيما بين الأقواس أن لدى جامعة الدول مطالب وضعتها على المائدة أمام الحكومة السورية في دمشق، وكان من بين هذه المطالب ضرورة أن تتدخل حكومة الرئيس السوري بشار الأسد لضبط الحدود السورية مع الأردن، لأن ما تضبطه الجهات الأردنية من المخدرات من هناك لا آخر له، ولا حد، ولا حصر، ولا سقف. والذين يتابعون عمليات الضبط يعرفون أنها لا تهدأ، وأنه لا يكاد يمر يوم إلا وتكون فيه عملية ضبط جديدة أو أكثر، وإذا كان هذا حجم ما يتم ضبطه، فإن لنا أن نتخيل حجم ما يفلت عبر الحدود الطويلة الممتدة. وبعد ساعات من عودة سوريا إلى مقعدها في الجامعة، كانت طائرة أردنية مقاتلة قد نفذت عملية جوية في منطقة درعا السورية القريبة من الحدود، وكانت قد قتلت واحدا من أخطر رجال تهريب المخدرات، ودمّرت مصنعا للمخدرات، وكان ذلك قد تم بناء على تنسيق مخابراتي بين البلدين في ما يبدو.

فواكه الموت

من أشهر المخدرات التي يجرى تهريبها عبر الحدود «حبة الكبتاغون» التي صارت كما اوضح سليمان جودة شهيرة في الإعلام، وسبب شهرتها أنه لا يمر يوم إلا وتكون كميات هائلة منها قد جرى ضبطها في طريقها إلى دول في المنطقة.. وبالذات دول الخليج. ويتفنن المهربون في إدخال هذه الحبة إلى الخليج، وأشهر طريقة في التهريب هي وضعها في أقفاص الفواكه، وما أكثر المرات التي جاءت فيها أقفاص التفاح إلى هذا البلد الخليجي أو ذاك، ثم تبين عند ضبطها أنها أقفاص كبتاغون لا تفاح. عندما نفذت عمان العملية الجوية الأخيرة، قالت إن مجمل ما حاولت العصابات تهريبه عبر الحدود خلال الربع الأول من هذه السنة تصل تقديراته إلى مليار حبة، وإن العمليات صارت لها تشكيلات محترفة لا مجرد عصابات. وعندما يصل عدد الحبات إلى هذا الرقم المخيف في ثلاثة أشهر لا غير، فما يجب أن نفهمه على الفور أن الأردن ليس وحده المقصود، وأنه ممر كما قلت لا مقر، وأن الممر هو إلى كل دولة عربية، وأن معركة الأردن مع هؤلاء المجرمين هي معركة تخص كل عاصمة عربية، وأن كل عواصم العرب مدعوة إلى دعم الأردنيين على خط المواجهة، فالهدف هو الإنسان في كل بلد عربي.. وإذا جرى تدمير الإنسان فلا شيء سيتبقى؟

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية