الجدال حول العلاقة مع إيران ذهب باتجاهات «المربع صفر» مؤخرا بالأردن خصوصا بعد إعلان بعض تفاصيل الاتفاق الإستراتيجي المثير الذي حضنته الصين ورتبت له بين طهران والرياض.
عمان ـ «القدس العربي»: في المدلول العام لسياق الاصطفاف الاقتصادي الإقليمي ثمة ما يؤشر على تحديات قد تتعرض لها قريبا سلسلة الاتفاقيات الأردنية المزمع ترتيبها وتنظيمها مع فعاليات عراقية حصرا بعد الاتفاق السعودي الإيراني الذي قرع جرس الإنذار بالنسبة للأردنيين، ودفع باتجاه مطالبات غير مسبوقة لمراجعة التحالفات السياسية والدبلوماسية في المنطقة خصوصا وان التفاهم مصلحيا مع إيران وبناء علاقات دبلوماسية طبيعية معها كان طوال الأسابيع الماضية أساسا مفصليا في سلسلة مؤتمرات وندوات وبيانات حاولت البحث عن الوصفة الأفضل لكي يقلل الأردن من مخاطر التكيف مع حكومة اليمين الإسرائيلي.
وهي حكومة أصبحت بدورها عبئا كبيرا يضغط على الأعصاب المشدودة للدولة الأردنية ولمؤسسات القرار ليس فقط بحكم التحديات التي تنتج عنها في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ولكن أيضا بحكم التحديات التي تفرضها على صناعة القرار الأردني وعلى المصالح الحيوية الأردنية خصوصا بعدما توثقت المؤسسات من ان الطرف الذي منع ما تم الاتفاق عليه في قمة العقبة الأمنية أو التي سميت كذلك هو الطرف اليميني المتشدد قبل أي اعتبار آخر.
طوال الوقت كانت عمان حريصة جدا على عدم المجازفة بان تحشر بوصلتها السياسية في زاوية مقارنة أو حتى مقاربة أو أي صنف من أنواع المقايضة ما بين العلاقات مع إيران والعلاقات مع إسرائيل.
وفيما تعتبر عملية التواصل مع إسرائيل قدرية ومحتومة بما في ذلك التحديات التي تنتج عنها، لجا الأردن إلى الابتعاد وإقصاء نفسه دبلوماسيا عن إيران طوال الأعوام السابقة.
ولكن من باب ما اسماه الكاتب حسن التل المجاملة للمملكة العربية السعودية حصرا بعد حادثة حرق القنصلية السعودية الشهيرة منذ 7 سنوات يمتنع الأردن عن تسمية وإرسال سفير له إلى طهران.
وخلال نفس الفترة بقيت طهران حريصة جدا على تسمية وإرسال وتثبيت وبقاء سفير لها في عمان في مفارقة دبلوماسية سبق ان أثارت الكثير من التساؤلات والألغاز.
لكن هذه المفارقة أصبحت تطرق أبواب الخارجية الأردنية وسط شعور بان الوزن النوعي للاصطفافات والتحالفات والشراكات الإستراتيجية الأردنية بدأت تتأثر سلبا بالتطورات الحادة التي يشهدها الإقليم بين الحين والآخر بما في ذلك التقلبات الناتجة عن التفاهمات الإستراتيجية الضخمة التي يقال إنها في الطريق ما بين دول خليجية كبيرة من بينها السعودية وما بين الإيرانيين.
بالمقابل تبقى المصالح الأردنية الاقتصادية في السوق العراقية معلقة بحزام من المصاعب والمتاعب أهمها عدم حصول أي تطور على العلاقات الأردنية مع إيران.
ومن بينها عدم وجود جاهزية أردنية حقيقية حتى الآن للاستفادة من آفاق الاستثمار مع العراق كما لاحظ يوما أمام نخبة من البرلمانيين والخبراء عضو البرلمان البارز الدكتور خير أبو صعليك وهو يشرح أمام «القدس العربي» بأن المطلوب أردنيا سواء مع العراق أو غيره في المسألة الاقتصادية رفع مستوى الجاهزية وتحضير الدروس والاستفادة من الفرص بطريقة مهنية وتتميز بالكفاءة أردنيا.
الجدال حول العلاقة مع إيران ذهب باتجاهات «المربع صفر» مؤخرا بالأردن خصوصا بعد إعلان بعض تفاصيل الاتفاق الإستراتيجي المثير الذي حضنته الصين ورتبت له بين طهران والرياض.
لكن السؤال الإيراني مفتوح في الساحة النخبوية والسياسية الأردنية.
ولا يبدو ان المؤسسات الرسمية تريد ان تحقق أي قفزة أو خطوة بناء على حسابات الراهن والتطورات الأخيرة وتهتم بالبقاء في منطقة الحذر قبل المغامرة بقرار بأي من الاتجاهين وهما المبادرة وفورا إلى استئناف العلاقات الدبلوماسية وتطبيعها مع الإيرانيين كما فعلت الرياض أو البقاء في حالة المرحلة الحالية حيث لا سفير يمثل المملكة إلى ان تدرس المستجدات جيدا.
بالمقابل كل الأسئلة حول غياب الأردن عن بعض الترتيبات الإقليمية تبقى مطروحة بالرغم من ان أحدا في المنطقة كما كان يصر أمام «القدس العربي» وزير الداخلية الأسبق مازن القاضي لا يمكنه حسم أي ملف أساسي من ملفات الإقليم بدون الأردن أو عبر تجاهل الدور الأردني.
الجغرافيا هنا برأي القاضي تحكم والدولة الأردنية عريقة وخبيرة.
لكن تلك الخبرة وتلك العراقة لم تعد تفسر ما يجري من مجازفات سواء بتأخير اتخاذ قرارات ومسارات محددة، أو بالمسارعة باتجاه مبادرات قد لا تكون منتجة مثل قمة العقبة الأمنية الأخيرة في الوقت الذي يعتبر فيه الأردن ان حواراته ورسائله لأركان البيت الشيعي في بغداد وللنظام السوري مؤخرا عبر الجملة التضامنية مع نتائج الزلزال الأخير هي رسائل للتقارب مع الإيرانيين ينبغي ان تقرأ بحيطة وعمق وعلى أساس ان طهران أيضا من جهتها المطلوب منها ضمانات تخص حرسها الثوري والمنظمات المسلحة الموالية لها في الجنوب السوري قرب الحدود مع الأردن.
الانطباع اليوم ما دامت إيران مستعدة للتفاهم مع السعودية وغيرها حول ما يجري في اليمن أو ماذا سيجري لاحقا في لبنان وسوريا فإنها لن تكون بصدد اختلاق أي مشكلة جديدة مع الساحة الأردنية.
وهذا المناخ يسمح بمراجعة حسابات بالطريقة المطلوبة الآن باتجاه المبادرة للجلوس على الطاولة الإيرانية أو بمعية الإيرانيين على طاول المصافحة والتواصل مرة جديدة.