انتخابات تركيا الحاسمة: ظروف اقتصادية صعبة ومعارضة متحدة وأوروبا تصلي لسقوط اردوغان

إبراهيم درويش
حجم الخط
0

المتابع لما يكتبه المعلقون الغربيون حول الانتخابات التركية التي ستعقد الأحد 14 أيار/مايو يرى أن هناك حالة انتظار للتغيير «المحتوم» في البنية السياسية التي هيمن عليها الرئيس رجب طيب اردوغان وحزبه «العدالة والتنمية» منذ عقدين، بل وخرجت بعض المرسلات الإعلامية عن «حياديتها» في التغطية ودعت إلى الإطاحة بالرئيس اردوغان، فيما بشرت المعارضة التركية بربيع تركي بعد يوم الأحد.
وتسابق المعلقون للحديث عن توقعاتهم بنهاية عهد اردوغان وأنه لن يكون رئيسا ليشهد المئوية الأولى على ولادة تركيا الحديثة من أشلاء الحرب العالمية الأولى في عام 1923. ولا يستغرب المراقب للإعلام الغربي حالة النشوة والجذل أحيانا والترقب في العواصم الغربية لرحيل اردوغان، فهو ومنذ سنين لا يحصل على تغطية إعلامية جيدة ويوصف بالديكتاتوري القامع للحريات والذي يسجن الصحافيين والمعارضين ويتعاون مع أعداء الناتو، رغم عضوية بلاده في النادي العسكري منذ خمسينات القرن الماضي. وبالتحديد شراءه للمنظومة الدفاعية الروسية أس-400 ورفضه فرض العقوبات على روسيا بعد غزوها لأوكرانيا واستمراره بالتحادث مع الرئيس فلاديمير بوتين، إلى جانب استهدافه الجماعات الكردية في شمال-شرق سوريا والتي باتت حليفة للغرب، رغم علاقتها بفصيل إرهابي أو جماعة «قنديل» حزب العمال الكردستاني، المصنف أمريكيا وأوروبيا وتركيا كمنظمة إرهابية.
وكان لافتا أن تخصص مجلة «إيكونوميست» في عدد 6/5/2023 عندما وصفت انتخابات تركيا بأنها الأهم في هذا العام ولن تترك أثرها فقط على تركيا وأوروبا والعالم. ودعت في الغلاف لإسقاط النظام. ورعم اعترافها بجاذبية اردوغان وهيمنته على السياسة في بلاده وكون منافسه زعيم المعارضة كمال قليجدار شخصية باهتة، لكن أي شخص بديل عن اردوغان يجب دعمه حتى ولو كان الشيطان.

معضلة المعارضة

والأمر واضح في كتابات المعلقين الأتراك الذي يعملون في مراكز بحث غربية، فهم وإن اعترفوا بقدرة وقوة قاعدة اردوغان الشعبية إلا أنهم دعوا الغرب لدعم المعارضة وزعيمها «الرئيس المقبل» لكي يعيد بناء تركيا من جديد، وهي مهمة صعبة، فلا يمكن تغيير نظام عقدين ومنظومة سياسية واقتصادية بشعارات انتخابية، كما أن المعارضة المكونة من الأحزاب الستة والتي تشمل على شخصيات برزت من عباءة العدالة والتنمية، مثل علي باباجان وأحمد داوود أوغلو، حيث رسم الأول سياسات الحزب الاقتصادية في السنوات الأولى من حكم العدالة والتنمية أما الثاني، فقد كان مسؤولا عن رسم السياسات الخارجية وبناء سياسات موالية للغرب. ولا يزال أوغلو وباباجان يعتقدان أن العودة لسياسة السوق وجذب المستثمرين الأجانب هي الترياق لمشاكل تركيا اليوم. مع أن استقالة أوغلو عام 2016 كانت نتيجة لاعتقاد الحزب أن سياساته المؤيدة للغرب لم تعد مثمرة وأن الحزب تجاوز فكرة الانضمام للاتحاد الأوروبي. وفي ظل صعود الصين وروسيا بالمنطقة، وجد اردوغان وأركان حزبه أن الطريقة الوحيدة لموازنة مصالح تركيا هي تحويط رهاناتها في ظل عالم متعدد الأقطاب وتراجع للهيمنة الأمريكية بالشرق الأوسط. صحيح أن المعارضة التركية الموحدة على طاولة سداسية، وهو إنجاز لم تحققه منذ وقت لديها حظوظ كبيرة وان مشاكل تركيا قد تكون عاملا في إنجاز انتصار ضد اردوغان الذي لم يعرف الهزيمة حتى الآن، إلا أن القراءة المتعجلة للواقع التركي توقع المراقب بالكثير من الأخطاء وترفع سقف توقعاته. صحيح أن تركيا تواجه معدلات عالية من التضخم ولم تنجح بإعادة الاقتصاد إلى مساره الصحيح منذ أزمة الليرة التركية في 2018 وأن الأوضاع المعيشية أصابت الجميع حتى ناخبي العدالة والتنمية، كما في شهادات رصدتها «صاندي تايمز» (7/5/2023) ومن مدينة طرابزون على البحر الأسود، والتي تعد معقلا مهما للعدالة والتنمية وتظل قاعدته الانتخابية فيها صلبة لدرجة أن اردوغان حصل في الانتخابات السابقة على نسبة 70في المئة من أصوات الناخبين. وكان هذا هو الحال طوال العشرين عاما الماضية التي حكم فيها اردوغان. ورصد التقرير تغيرا وسط الناخبين، غاضبين أو من الجيل الجديد بشأن خيارات التصويت التي قد تلعب في صالح المعارضة. إلى جانب عامل غير محدد قد يعمل ضد اردوغان، وهو الأثر الذي سيتركه الجيل الجديد من الناخبين على العملية. ونسبة الخمس من الناخبين هم من الشباب تحت سن 25 عاما نصفهم لم يصوت أبدا. ونشأوا تحت ظل اردوغان، وتظهر استطلاعات الرأي أنهم يعارضون ميول اردوغان الديكتاتورية. وأي تحول ولو كان صغيرا فقد يترك تداعيات ضخمة. ومنذ حزيران/يونيو الماضي ظلت استطلاعات الرأي تضع شعبية اردوغان في درجة متدنية، إلا أن الحزب ومنذ ذلك الوقت وضع استراتيجية للحملة وهي التركيز على إنجازات الحزب وتجاوز آثار الهزة الأرضية الكارثية في 6 شباط/فبراير. ففي الوقت الذي سارع فيه معلقون لربط صعود حزب العدالة بهزة 1999 التي كشفت عن عمق الأحزاب السياسية في حينه، يرى معلقون أن الهزة الأخيرة قد تودي بحظوظ اردوغان.

استراتيجية العدالة والتنمية

وفي داخل حزب العدالة والتنمية هناك شعور بأن الإستراتيجية الجديدة قد تنجح وتعطي اردوغان انتصارا جديدا، فالرئيس وإن ركز على سياسات الحكومة وزيادة الرواتب والقروض المجانية على الإسكان والحديث عن الصناعة العسكرية في مجال السيارات والسفن الحربية والمشاريع الكبرى الأخرى، إلا أنه يعترف بأن الانتخابات الحالية ليست مثل غيرها وأي خطأ قد يترك تداعياته على الحملة. وتجنب الحزب بعد الهزة مهاجمة المعارضة إلا أنه في الأسابيع الأخيرة بدأ يربط التحالف المعارض بالحركة الكردية الإرهابية، وهي معضلة لقليجدار الذي دعم سياسات الحكومة التركية في الكثير من الأحيان. ويعتقد قادة الحزب أن الهزة الأرضية لم تؤثر على وضع اردوغان لكنها غيرت من مسار الحملة. وتحول اردوغان الرئيس إلى اردوغان الباني أو الذي يريد الإعمار. وحسب مسؤول قال لموقع «ميدل إيست آي» (12/5/2023) «أردنا أن نظهر للجميع ما حققناه في وقت انشغلت فيه المعارضة باختيار مرشحها». وما بين شعور المعارضة بالتقدم في معاقل العدالة والتنمية وشعور الحزب الحاكم بأن لديه استراتيجية مؤكدة، يظل اردوغان الذي يعد أهم سياسي بين جيله منذ مصطفى كمال أتاتورك حاضرا في الحياة التركية، حتى لو ذهب، ذلك أن مشروعه لن ينتهي برحيله، علاوة على ان المعارضة التي يحلو لها الحديث عن «التجديد» ليست البدائل الكافية لكي تواجه مشروع اردوغان، كما أن قادتها يتحدثون بلغة الماضي ويحاولون بناء سياسات سابقة في وقت يشهد في الاقتصاد العالمي تغيرات وتمر المنطقة بسلسلة من الاصطفاف الجيوساسي. وكان لافتا حرص اردوغان على لملمة الملفات الخارجية، مع دول الخليج، السعودية تحديدا ومصر وإسرائيل وقدم إشارات عن تحول في الموقف من سوريا، بل وحاول سحب البساط من تحت قدم المعارضة عندما تعهد بإعادة اللاجئين السوريين إلى بلادهم، ويعرف هو وزعيم المعارضة أن الأمر ليس بهذه البساطة، لكنها تظل شعارت انتخابية. وإذا كان اردوغان يواجه تحديا كبيرا في الانتخابات الأخيرة، فالمعارضة نفسها ليست متوافقة على كل شيء، كما ناقش شيهان توغال، من جامعة كاليفورنيا بيركلي في صحيفة «نيويورك تايمز» (11/5/2023) أن وعود قليجدار بإعادة توزيع الثروة ليست كافية لإقناع الأتراك، كما أن الحديث عن تغييرات بنيوية لا تقرن ببدائل، ما يعني أن المعارضة لن تقنع الناخب التركي الذي يعتقد أن الوضع القائم هو الأفضل وتمسك الناس بالقيادة التي تعرفها. وما يميز حزب العدالة والتنمية عن غيره من الأحزاب أنه قام وعلى مدى عقود ببناء قاعدته الانتخابية على قاعدة شخصية، ولا تحتاج تركيا إلى حركة إحياء كما تدعي المعارضة بل طريق واحد للجميع وهو ما تفتقده المعارضة. وبالنسبة لأنصار اردوغان، فهم لا يرون حاجة لتغيير المسار الذي تدفع من أجله المعارضة ويعد به قليجدار، وما يقول إنه استعادة للمسار الديمقراطي.

لا بديل عن اردوغان

وكما أشارت صحيفة «نيويورك تايمز» (10/5/2023) فأنصار اردوغان المتحمسين يمثلون ثلث الناخبين يحبون خطاب الرئيس القومي والتوجهات الدينية ويتعهدون بالدفاع عن البلاد ضد مجموعة من القوى التي يرونها تهديدات، بما في ذلك المنظمات الإرهابية ونشطاء حقوق المثليين والولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي. ويحب نقاد حزب العدالة والتنمية الإشارة إلى صعود اردوغان على الساحة الوطنية كرئيس وزراء شاب وديناميكي في عام 2003 حيث وعد هو وحزبه بخدمات موثوقة ونمو اقتصادي. ولسنوات عديدة، قاموا بالوفاء بوعودهم الانتخابية. ارتفعت مداخيل الأتراك حيث أصبحت مدنهم أكثر نظافة وتنظيما. بين عامي 2003 و 2013 نما الاقتصاد الوطني ثلاثة أضعاف، وتم بناء مستشفيات ومطارات وطرق سريعة جديدة في جميع أنحاء البلاد، وكافأ الناخبون اردوغان في صناديق الاقتراع، وانتخبوه رئيسا عامي 2014 و 2018. ومع كل المشاكل التي تواجه البلاد وإقرار أنصاره بها إلا أنهم يرون بأنه الوحيد القادر على حلها. وفي الوقت الذي يركز فيه تحالف المعارضة على المشاكل المعيشية وكلفة الحياة، يصر اردوغان على أنها حلت. وقال في خطاب: «في هذا البلد، لا توجد مشكلة البصل، ولا مشكلة البطاطس، ولا مشكلة الخيار». ويرد اردوغان، المشاجر السياسي المتشدد بقوة على الاتهامات بأنه الرجل الذي يقوض الديمقراطية التركية. وكما فعل لسنوات، يقلب اردوغان الطاولة ويظهر نفسه على أنه صوت الأغلبية، ما يؤكد على الملاءمة الإسلامية والقيم الأسرية، بينما يقول إن خصومه هم مدينون للإرهابيين، والغرب الإمبريالي والتمويل الدولي الغامض ومنظمات المثليين.

جولة ثانية؟

ووضع استطلاع لمجلة «بوليتكو» (3/5/2023) السباق الرئاسي على قدم المساواة مما يعني جولة ثانية في 28 أيار/مايو. تحرص المعارضة في معركتها ضد اردوغان على اختيار تصريحاتها بعناية، ولم يوفق قليجدار عندما داس بقدمه على سجادة صلاة في نهاية شهر آذار/ مارس. على الرغم من اعتذار خصمه عن هذا الحادث غير المقصود، قام الرئيس بتحريض حشد من الناس لاستهجانه، متهما قليجدار بأخذ تعليماته من فتح الله غولن، الداعية المقيم في الولايات المتحدة والحليف السابق لحزب العدالة والتنمية، والذي يتهمه اردوغان الآن بالتحريض على الانقلاب الفاشل في البلاد.
ولكن هل الحذر كاف والتعبيرات الجديدة حول استعادة الديمقراطية التركية والحرص على التعددية وكل مشاكل البلاد كافية لإقناع الناخب التركي للتخلي عن اردوغان؟ ربما تعول المعارضة على حالة الغضب الذي تبع الهزة الأرضية وزيادة معدلات التضخم ومشكلة العملة التركية وغير ذلك، لكن خطاب المعارضة موجه في جزء منه للغرب وإقناعه أنها البديل عن النظام الحالي. وهو ما يفسر حالة الترقب والانتظار بفارغ الصبر لإسدال الستار على حقبة اردوغان.

أوروبا تريد التغيير

وفي هذا السياق تساءل ديفيد هيرست في «ميدل إيست آي» (11/5/2023) عن سبب رغبة دول أوروبا بخسارة اردوغان. وتحدث عن الحملة الإعلامية التي قامت بها وسائل إعلام غربية ضد الرئيس التركي قبيل الانتخابات. فقد تجاوزت مجلة إيكونوميست حدودها عندما عبرت بجلاء عن بغضها لرئيس دولة منتخب. وقالت المجلة: «إن أهم شيء على الإطلاق، في حقبة يتصاعد فيها حكم الرجال الأقوياء من المجر إلى الهند، هو أن إسقاط اردوغان سوف يثبت للديمقراطيين في كل مكان أن الرجال الأقوياء يمكن أن يهزموا». ولربما غاب عن إيكونوميست أن تركيا – في ظل نظام حكم رئاسي يقوده رجل قوي – بلد ما زال يمكن أن تنظم فيه الانتخابات الحرة، في تناقض تام مع منطقة غدت الديكتاتورية فيها هي العرف. وهذه هي الانتخابات السابعة التي يخضع اردوغان نفسه لها منذ أن انتخب عمدة لإسطنبول في عام 1994. ذلك هو الرجل الذي تنعته إيكونوميست بالديكتاتور. وخصصت المجلة نفسها ستة أغلفة لنفس الموضوع خلال عقد من الزمن، وكلها استهدفت اردوغان. فأين الإدانات المشابهة بحق زعماء ثمة إجماع عام على أنهم أسوأ بكثير من الزعيم التركي؟ ولم يقتصر الهجوم من إيكونوميست بل «دير شبيغل» المثل الأعلى لليبرالية الديمقراطية الاجتماعية في ألمانيا التي صورت اردوغان جالساً على عرش متصدع ومن ورائه الهلال، رمز الإسلام، وقد تهشم. وتساءل: هل لكم أن تتصوروا الغضب الذي كان سيتفجر فيما لو وضعت ديرشبيغل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي تحالف مع الإرهابيين والفاشيين، على عرش يهودي متصدع وخلفه نجمة داود مهشمة؟
ويعلق هيرست ان هذا النمط من الحديث ليس فقط حافلا بالأخطاء والتجاوزات، بل في حالة تركيا، يبدو أن عملية التحقق من صحة ما يزعم تم تعليقها مؤقتاً. وما من شك في أن هذه أصعب انتخابات يخوضها منذ عشرين عاما. ولو خسر اردوغان، فسوف يكون ذلك بسبب التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة، ما أثر مادياً على القوة الشرائية، ولا يوجد من يلام على ذلك سواه. في عام 2018 صوتت تركيا لصالح الاستقرار مقابل التغيير، أما الآن فالوضع انعكس، والأتراك يريدون التغيير. فثمة جيل كامل ممن صعدوا السلم الاجتماعي ودخلوا الطبقة الوسطى. وغدا أبناء وبنات الموالين لحزب العدالة والتنمية الآن أطباء ومهندسون ممن لا قبل لهم بالاستئجار في إسطنبول، وممن يجدون أنفسهم في خضم أزمة حقيقية بسبب ارتفاع تكاليف المعيشة. يتطلع هؤلاء إلى فرصة للارتقاء بناء على ما يتمتعون به من مؤهلات وليس بفضل المحسوبية السياسية. وأصبحت الحكومة الرئاسية في عهد اردوغان نظاماً يديره رجل واحد فيه آلة ضخمة تشمل الحكومة والمجتمع المدني ويتدخل في كل تفاصيلها بنفسه. فتوقيعه مطلوب تقريباً لتمرير أي تعيين في المستوى الأدنى من التسلسل الإداري التنفيذي، ما يلغي قيمة تواقيع المدراء المباشرين. بالفعل، ثمة الكثير مما يتطلب التغيير، ومن هنا تبدو حكاية قليجدار العودة إلى الديمقراطية البرلمانية والمؤسسات الأقوى المستقلة عن السلطة السياسية حكاية تثير الإعجاب. ولكنها حتى هذه اللحظة مجرد حكاية لا أكثر. وخلفها تيارات أقل جاذبية بالنسبة للجمهور الليبرالي الأوروبي، مثل الشعبوية العنصرية لسياسيي حزب الشعب والتي توجه سهامها ضد اللاجئين السوريين وكل من ينطق بلسان عربي مبين بشكل عام، وهي العنصرية التي تجلت بوضوح بعد الزلازل التي ضربت المنطقة مؤخراً. ورغم ذلك فقد تم تكريم قليجدار باعتباره أولاف شولتز التركي، وذلك في مقابلة مع التلفزيون الألماني. ولا شك أنه يسعد كذلك بأن يوصف بأنه جو بايدن التركي. وعندما يصل إلى السلطة سوف يتعلم كيف يعتذر عن هذه المقارنات لدى الناخبين الأتراك الذين صدقوا وعوده ثم سرعان ما أصيبوا بخيبة أمل، وسوف يدرك أن السبب الحقيقي الذي جعل الغرب يعبر عن مثل هذا العداء لاردوغان لا علاقة له من قريب أو بعيد بكونه سلطوياً أو لأنه مارس القمع أو اتخذ إجراءات ضد الصحافة الحرة، وإنما السبب هو أن اردوغان جعل من تركيا دولة مستقلة لديها قواتها المسلحة القوية، دولة لا تنصاع تلقائياً لما يوجه لها من إملاءات. ذلك هو السبب الحقيقي من وجود كل هؤلاء الأعداء له في الغرب، ولو فاز اردوغان فسيكون ذلك لأنه تمكن من إقناع الناخب المحافظ بالعودة إلى صفوف حزب العدالة والتنمية الحاكم. وهؤلاء الناخبون لا يشاركون في العادة في استطلاعات الرأي، لأنهم لا يقطنون المدن الكبيرة. ومع ذلك فهم يتمتعون بنفوذ كبير في الانتخابات. تصلي أوروبا من أجل سقوط اردوغان، وهي إذ تفعل ذلك إنما تمنح الأتراك أكبر سبب يجعلهم يقررون بأنفسهم ما الذي يرغبون فيه، هذا إذا أرادوا الحفاظ على استقلالهم الذي ناضلت من أجله زمنا طويلا وبذلت في سبيله الغالي والنفيس.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية