مؤتمر المياه في بغداد والعودة بخفي حنين

مصطفى العبيدي
حجم الخط
2

بغداد ـ «القدس العربي»: انعقدت النسخة الثالثة من المؤتمر الدولي للمياه في العاصمة العراقية، بمشاركة وفود من تركيا وإيران وسوريا وأطراف دولية أخرى، لبحث أزمة نقص المياه والجفاف، وسط انتقادات لضعف موقف الحكومة العراقية وعجزها عن انتزاع حقوق البلد المائية من دول الجوار. وانطلقت أعمال مؤتمر المياه الدولي في العاصمة بغداد، والذي استمر لمدة يومين، بمشاركة وفود من إيران وتركيا وسوريا إضافة إلى سفراء ومنظمات دولية عاملة في العراق.

وخلال المؤتمر، قال رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، إن العراق يسعى للحصول على مساعدة دولية لحماية نهريه دجلة والفرات من الجفاف نتيجة للتغير المناخي، مشددا على «أن حماية دجلة والفرات تتطلب تدخلا دوليا عاجلا، وأننا نحتاج جهود جميع الأصدقاء في الدول والمنظمات لمساعدة العراق في هذا الوقت الحرج لنهريه العظيمين».
وتابع أن حكومته وضعت استراتيجية مناخية تمتد إلى 2030 وستشمل الحد من انبعاث الغازات لتقليل الضرر البيئي وتحفيز المزارعين الذين يستخدمون تقنيات ري حديثة، واستخدام الطاقات المتجددة.
وأوضح رئيس الوزراء العراقي، أن أزمة المياه بحاجة إلى التعاون بين العراق ودول المنبع التي تتشارك معها بالمياه، مشددا على ضرورة أن يحصل العراق على حصته المائية من دون نقص، وأن «التهاون به سيجعلنا نخسر الكثير من عناصر التنمية والتطور».
وقال إن «لقاءاتنا مع المسؤولين بالدول التي نتشارك معها في المياه، تركزت في ضرورة حصولنا على حصتنا الكاملة من المياه، وتكثيف الجهود الفنية لحل الإشكالات دبلوماسيا بعيدا عن لغة التصعيد» مشيرا إلى اننا «نشترك مع الدول المتشاطئة بجوار جغرافي وروابط دينية واجتماعية وأخلاقية وإنسانية، تستدعي منا جميعا الحوار البنّاء والمثمر».
بدوره، أكد وزير الموارد المائية العراقي عون ذياب عبد الله، أن المؤتمر يشكل فرصة لمواجهة المخاطر التي تواجه الموارد المائية والعمل على تقاسم المياه، مبينا ان وزارته «تعمل على زيادة مستويات التخزين في السدود، ما دفعها إلى إيقاف الإطلاقات المائية التي تغذي الأهوار».
وأكد الوزير العراقي أن هناك مفاوضات متواصلة مع الجانب التركي بهدف حل مشكلة حصص المياه، وتفعيل بنود الاتفاقية المائية التي أقرت في عام 2021 مضيفا «أن الجانب التركي أطلق مياه دجلة لمدة شهر بعد زيارة السوداني إلى أنقرة، كما أن هناك تفهما من الجانب الإيراني لتطبيق وعود إطلاق المياه عبر نهر الكارون، لتعزيز منسوب المياه في شط العرب جنوب العراق» في إشارة إلى قطع إيران لمياه نهر الكارون وأنهارا أخرى عن العراق.

توصيات المؤتمر

أما أبرز توصيات المؤتمر التي أقرها المشاركون فيه، فقد شددت على تفعيل التنسيق والتعاون المشترك مع دول الجوار المتشاطئة مع العراق وعلى المستوى الإقليمي والدولي في مجال إدارة الموارد المائية وتحليل المخاطر الناجمة عن الجفاف والتغير المناخي، وتقديم الدعم التقني من قبل المنظمات الدولية والقطاع الخاص بغية التكيف مع آثار الشحة المائية والتغير المناخي.
وحثت التوصيات على دعم العراق في مجال استدامة الموارد المائية العابرة للحدود، لضمان النظام البيئي والحفاظ على التنوع الأحيائي ودعت الدول المتشاطئة لإبرام الاتفاقيات الثنائية معه، حول تحديد حصة منصفة ومعقولة من تلك الموارد وتفعيل الاتفاقات المبرمة. إضافة إلى التأكيد على مبدأ الاستخدام الرشيد للمياه من خلال زيادة التثقيف ونشر الوعي لدى السكان المحليين ومستخدمي المياه.
وحث المشاركون في المؤتمر على التعاون بين الحكومات والمنظمات والجهات المانحة لتنفيذ المشاريع الخاصة بمعالجة مياه الصرف الصحي وتحلية المياه لتقليل الضغط على استخدامات المياه السطحية، كما دعوا الدول المتشاطئة في حوضي نهري دجلة والفرات للانضمام لاتفاقية المياه هلسنكي 1992 واتفاقية الأمم المتحدة عام 1997 بهدف الحفاظ على المياه العابرة للحدود من التلوث.
وكان الرئيس العراقي عبد اللطيف رشيد أكد العام الماضي أن بلاده ستواجه عجزا في المياه يقدر بأكثر من 10 مليارات متر مكعب بحلول عام 2035. فيما أكد الخبراء ان العراق لا يستلم سوى 30 في المئة من استحقاقاته المائية من دول الجوار، حيث أجبر الجفاف ونقص المياه في السنوات الأخيرة، العراق على خفض المساحات المزروعة إلى النصف للموسم الشتوي 2021-2022 كما شهدت مناطق جنوب ووسط العراق، هجرة واسعة نحو المدن وتضرر الثروة الحيوانية، إضافة إلى جفاف مناطق الأهوار التي وضعتها اليونسكو ضمن اهتماماتها لكونها حاضنة لمئات الأنواع من الطيور والأسماك والجاموس.
ويذكر ان الأمم المتحدة توقعت مؤخرا جفاف الأنهار العراقية في عام 2040 إذا استمر الجفاف وقطع المياه من دول الجوار، كما هو الحال الآن.

مواقف بلدان المنبع

ويؤكد الخبراء أن أساس أزمة المياه في العراق هو خفض بلدان المنبع إيران وتركيا، حصص العراق بشكل كبير في السنوات الأخيرة، من خلال إقامتهما العديد من السدود على مجاري الأنهار، أو تغيير مسارات بعضها، إضافة إلى قلة هطول الأمطار للسنوات الأخيرة. ورغم ان إيران قطعت خلال العشرين سنة الأخيرة، معظم الأنهار التي تمر إلى العراق، ورفضت كل الدعوات لتقاسم مياه الأنهار بشكل عادل، فإن وزير الطاقة الإيراني علي أكبر محرابيان، ادعى خلال كلمته في المؤتمر «أن بلاده ملتزمة بكل الاتفاقيات الدولية بشأن تقاسم المياه مع الدول الإقليمية والتوصل إلى تفاهمات مشتركة لحل مشكلة المياه».
وبرر محرابيان موقف حكومته بقطع المياه عن العراق، بأن المنطقة «تواجه اليوم التغيرات المناخية وتراجعا في كميات الأمطار» داعيا العراق إلى «استخدام الأساليب الحديثة والتقنيات الجديدة في استهلاك المياه والري والإدارة السليمة للموارد المائية!».
وأقر وزير الطاقة الإيراني: «أن لجنة التعاون المشتركة المعنية بمناقشة قضايا المياه بين إيران والعراق، تعطلت منذ 2012» من دون أن يشير إلى ان بلده هو الذي عطلها، فيما نوه إلى الاستعداد لإنشاء العديد من المحطات المائية لإنتاج الكهرباء في العراق على إيدي المهندسين الإيرانيين، كما أكد على «ضرورة عدم تسييس موضوع المياه بين البلدين».
وقد تسببت المواقف الإيرانية بانتقادات لحكومة بغداد التي تقودها أحزاب صديقة لطهران، والتي بدلا من الضغط على إيران لإطلاق حصص العراق المائية، أعلنت انها تقدم المشاريع المائية والكهربائية للشركات الإيرانية، وتفتح حدودها للبضائع الإيرانية الرديئة بمليارات الدولارات.
أما عن الموقف التركي، فإن مبعوث الرئيس التركي لشؤون المياه إلى العراق فيصل إراوغلو، أكد أن بلاده تقوم بتطوير التعاون المشترك مع العراق. فيما قال إن «عام 2021 كان الأشد جفافاً خلال 75 سنة الماضية، ورغم ذلك فإن تركيا لم تترك العراق وسوريا بدون مياه» حسب تعبيره.
وأشار أن «ثمة فريقا شكلته تركيا مكونا من 50 مختصاً في مجال تنمية المياه بغية وضع خطة عمل خاصة مع العراق، وتم عقد اجتماعات فنية بين تركيا والعراق» إضافة إلى «إنشاء المركز البحثي العراقي التركي الذي ستكون له فوائد كبيرة جدا، وسنقوم بتوسيع تعاوننا أكثر».
وفي السياق، وقع وزير الموارد المائية العراقي عون ذياب، مع وزير الري السوري تمام محمد رعد على بروتوكولات للتعاون الفني المشترك بين البلدين في المجال المائي، رغم أن إدارة مياه الفرات في سوريا تتقاسمها حكومة دمشق والمعارضة معا.
وعلى ضوء المؤتمر، شدد رئيس لجنة الزراعة والمياه والأهوار النيابية النائب فالح الخزعلي، على «جعل ملف حصة العراق المائية، كقضية متعلقة بالأمن القومي، والعمل على توقيع اتفاقيات ملزمة مع دول الجوار لتقاسم الضرر وتأمين الحصة العادلة» مشيرا إلى أن العراق يحتاج 2000 متر مكعب للزراعة والصناعة والنفط والكهرباء، وما يرد الآن هو 500 متر مكعب بالثانية، واصفا الوضع بانه ينذر بكارثة.
وإضافة إلى تقلص الزراعة وتصاعد الهجرة نحو المدن، جراء شحة المياه، فقد برزات مشكلة تلوث الأنهار، نتيجة إلقاء كميات كبيرة من مخلفات المعامل ومحطات الطاقة، إضافة إلى الصرف الصحي الذي يتم رميها إلى أنهار العراق من دون معالجات ضرورية، ما يرفع نسبة التلوث وزيادة الأمراض.
وبالرغم من التصريحات المتفائلة، لحكومة بغداد، فلا شك بان عقد هذه المؤتمرات السنوية وتبادل زيارات الوفود حول أزمة المياه في العراق لم تؤت ثمارها، بل أثبتت انها مجرد لقاءات مجاملة وفعاليات إعلامية، حيث أن كارثة الجفاف ونقص المياه في العراق، لن تجد لها حلولا سريعة عبر أسلوب المجاملات والمواقف الضعيفة لحكومة بغداد مع دول الجوار، التي تتهرب من عقد اتفاقيات ثنائية أو مشتركة، ولا تعترف بحصص العراق المائية، وبالتالي فإن العراق مقبل على صيف حار وجاف جديد، وهو ما يعزز الانتقادات لحكومة بغداد لتقاعسها عن استعادة حقوق العراق المائية المغتصبة رغم ما يسفر عنها من كوارث اقتصادية وصحية واجتماعية.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية