الشاعر الكويتي محمد النبهان: الوطن كذبة أو رصاصة طائشة!

حجم الخط
0

اجرى الحوار: حسين الجفالالشاعر الكويتي محمد النبهان؛ شاعر يبسط قلبه على مفترق الطرق ، يترك بصمتة الخاصة في قلب كل من يلتقيهم، طاولات المقاهي تشهد على انسكاب روحه على كل جزء منها، في خضم البحث عن وطن راح يزرع في كل بيت وطنا من كتاب، أدمن الغربة حتى وسعت روحه الأمكنة وصار لزاما عليه التوحد معها، لا يستقيم معه الحال في مكان لفترة طويلة، فراح يحث الخطى بعيدا ومتخففا من أي ميراث يثقل عليه سفره للقصيدة والإنسان الذي يراه اهم من أي مكون آخر، كما لم تعنه رابطة الأدباء الكويتية وعنصريتها ولا تعنيه التنظيرات للقصيدة ويرى الحياة أصعب من الشعر بعد أربعة دواوين شعرية، من هنا نلج للشاعر محمد النبهان.*’الشارعُ مبتلُ، والغيمة غادرت التو، إلى أرض أخرى، كل بلاد أعبرها، ترحل غيمة’، إلى أين تمضي غيماتك يا محمد؟*تمضي إلى حيث توجهها ريح، أقلها القلق وأوسعها ولعي بعوالم مفتوحة على تجارب إنسانية شديدة التنوع. وأنا أتبعها بهذا الشغف، ليس على سبيل المعرفة نظريا، بل من خلال حياة معاشة ولو في الظل والأزقة البعيدة عن شوارع الزحام اليومي، وتهافت الشعراء على قصيدة شعر بائتة، أو تدافع الذاهبين العائدين من بيوتهم لبيوتهم بمرارة أو بغيرها. هكذا، أن تقف في مفرق زقاق تتحدث لصديق تعرفت عليه للتو كأي صديق قديم، وتحرق من عمرك ثلاث ساعات عن عمر كامل لم تعشه، أو على طاولة في مقهى عابر، أو في ركن حانة قديمة.. وهو بالضرورة ليس سفرا وحيدا في أماكن وحيدة، لكن أن تترك روحك أن تتصرف بحريتها كما هي بلا تزويق أو ربطة عنق خاصة بالصور الجماعية المعلقة على جدار المكتب.*تحضر مفردة (المسافة) في تجربتك الأخيرة لتكون منفى، أفعى، بردا، وجوعا؛ هل تخيفك الغربة وأنت الذي يسكنك الشمال والجنوب؟*والشرق والغرب، والأمام والوراءô وكل مسافة أو اتجاه لا يؤديان إلى ‘وطن’ بعينه. لم تكن الغربة لتخيفني يوما، وليس السفر هو بدايتها، اكتشفت مبكرا أنني لا أحتمل البقاء في مكان واحد أكثر من سنتين، على أقل التقدير سوف أغير السكن والعمل.. وأحيانا المهنة! يقولون: غربة الشاعر في وطنه.. لا أحتمل العبارات الجاهزة، الغربة ليست نقيض الإقامة، ورغم أن المقام يتعبني لي في كل أرض نبتة لم تشكل حتى الآن بيتا بغرف سفلية وعلوية، وصالة ضيوف، وأثاث مرتب، ومكتبة واحدة لا أضطر لنقل ما يهمني منها من مكان لآخر. الكتب التي خلفتها في ثلاثة بيوت كفيلة بأن تعلن إقامتي فيها ورحيلي عنها في الوقت ذاته.. لكنني لا أخاف الغربة، أدخلها كل مرة كأي هاوٍ لم يجرب معناها الحقيقي حتى الآن.*نص (المسافات يا فاطمة) تعانقه روحك مراراً، ماذا يعني لك؟*قد يكون الحب الذي لم أفصح به حتى الآن، ولن أفعل، ولا تُسقط هذه العبارة (كأي قارئ) على تأويلاتك الخاصة والبحث في قائمة الأسماء، فلن تجد شيئا، لي احتيالاتي التي يمكن أيضا أن أسقطها على النص لإحالات بعيدة.. الشاعر شخص ماكر جدا يا صديقي كما يقول سيوران.. وفاطمة والمسافات لا تؤدي إلا إلا جملة واحدة في النص، عليك أن تبحث عنها، إن وجدتها فيما دوّن من كلمات.*كيف يفتح النبهان الشاعر بوابات الروح، والناس على الطرف الآخر باب موصد؟*احتيال آخر، كل باب توصده ينفتح لك منه ألف باب إلى داخلك، داخلك الذي يسكنه بشر كثيرون. أكتشفت مؤخرا أنني كائن لا يعرف كيف يضع سؤالا مباشرا مريحاً ومحرضاً عن صحة أو قلق صديق، حين يلفظ كلمة ‘مرارة’ أشعر بها في حلقي، لكن تخرج مني في مقابلها كلمة عادية كرد، مثل كائن بدائي قديم يتعلم النطق كأول مرة، أو كمن عاشها وأراد أن يداريها عن ساكنه الذي في القلب. بوابات الروح لا تصد أو توصد، والوحدة ليست بالضرورة حالة إنطوائية، في رأيي هي انفتاح على الحياة والآخر في أغلب الأحيان، الحياة التي لا تأتي دائما بصيغة الجماعة.*تعلن أنك رجل طارئ أدمنت الغربة وسقط من يدك كأس نبيذك الأخير، أليس ثمة مساء مزدحم بالرقص؟*هل قلت انه كأس النبيذ الأخير فعلا؟! لا أتذكر، لكن من المؤكد أن أكثر من كأس نبيذ سقط من يدي على طرف الطاولة؛ الطاولة المشبعة برائحة البلوط والنبيذ وعرق الكفين والأصدقاء، والحبيبات والقصائد، ومساء مزدحم بكل هؤلاء، أو بأحدهم بكل زخمه وحضوره. أوهم نفسي مرات عديدة أنني طارئ في كل الأماكن التي سكنتها، وأنزع هذا الشبح الذي يطاردني منذ الركن الأول وقصيدته الملعونة التي تركها في جيبي شاعر مجنون مغامر. هكذا أفضل صدقني، لأنه يدفعني لمكان جديد بلا ميراث ثقيل من صور وأحداث وتفاصيل مملة وقصائد بشعة.*كل غريب مرَ على ذكرى يتكئ على صورة’، على أيها يتكئ محمد النبهان وقد أدمن الغربة ومازال؟*على الصورة التي لم ألتقطها بعد. هو الفرق بين أن تعيش حياتك كإنسان يعيش حياته، وبين سائح!! السائح يلتقط صورته ليؤرشف الذكرى، والغريب يتكئ على صورة في ألبوم قد لا يعود إليه لاحقا. وقد أكون حاليا لا أملك ميولا للهوايتين.. الصورة محدودة المساحة، لن تلتقط يدك التي تخفي فيها سيجارتك أو سكينك أو وردتك، ولن تلتقط ما يبهجك أو يخيفك في الجهة المقابلة، أثر ذلك كله فقط يعود لك من الذاكرة لا أكثر، من عينك التي شهدت ورأت وكانت الأقدر على نسج كل تفاصيل الصورة وانطباعاتك فيها.. كلما رجعت لصورة في ألبوم الصور وراجعت تفاصيلها وجدتها، لاحقا، تضيع من الذاكرة، ولهذا لا أملك ألبوم صور، بكل هذا التطرف لذاكرتي وصوري التي لم ألتقطها.*شاركت مع شعراء عرب وألمان بورشة كتابة القصيدة، حدثنا عن تلك التجربة؟*المشروع كان بعنوان ‘ورشة تهريب الشعر’ في برلين بإشراف الشاعر قاسم حداد، تم اختياري إلى جانب شعراء من الخليج العربي (علي الشرقاوي، محمد الحارثي، محمد الدميني، نجوم الغانم، وأنا) في مقابل شعراء ألمان في ورشة ترجمة من النص العربي للنص الألماني والعكس.. كل شاعر عربي مقابل زميل ألماني ومترجم وسيط.. قلت حينها في الكتاب الذي ضم الأعمال، ان إعادة ترجمة النصوص أعادتنا، بشكل أو بآخر، إلى المستوى الأول للنص، إلى الشرارة الأولى، إلى تلك اللحظة الشعرية التي سبقت تدوين النص. هذه الفكرة أغرتني وأخافتني، ربما لأنها تحيل إلى النص الغائب بين سطور النص المدون. الأمر الأكثر إغراءً في المشروع هو أن تبحث عن ذاتك في الآخر، كيف سيعبّر هذا الآخر من ثقافة مختلفة عنك في نصك؟ كيف سيسرقك من لغتك ويبقي عليها إلى لغته ويبقي عليك. الجزء الثاني من المشروع كان عرض هذه النتائج في أمسيات ‘قافلة الشعراء’ التي تم من خلالها دعوة الشعراء الألمان لزيارة منطقة الخليج وإقامة أمسيات بدأت بالمنامة مرورا بالكويت والشارقة.*في ديوانك (دمي حجرُ..على صمت بابك) ، كانت صرختك مدوية لسيرة ذاتية متعبة، أما زال الوطن يشكل لك ارتباكا في الانتماء، هل أدمنت السياط فأرخت الروح نفسها واستكانت؟ أم تراك تحمل قلق المنفيين واتخذت العالم وطنا آخر؟*كنت في ذاكرتي الأولى للشعر أرغب بكتابة سيرة شعب لا يحمل أوراق إثبات وجوده، شعب منسي ظلم كثيرا وتحمل أكثر وهو يعيش على حافة التغييب والتجهيل والاندثار، وفشلت.. ربما لأنني أناني وفرداني جدا في فكرة الكتابة فشلت. وبعد أن أصدرت ‘غربة أخرى’ بكل ما فيه من خيوط لهذه السيرة الجماعية عدت لذاتي وفردانيتي في الكتاب الثاني. أنتمي لـ ‘بدونيتي’ فقط، الشيء الوحيد الذي أعتقد أنني محظوظ به هو أنني لا أنتمي لوطن، وأنتمي لكل بلد سكنته.. هذه المفارقة شائكة في الاستيعاب ضمن بشر عاشوا حسب كتاب دليل التعليمات الاجتماعية والوطنية والعادات والتقاليد. ‘دمي حجر على صمت بابك’ بالنسبة لي هو نفضة الذبيحة الأخيرة.. الوطن كذبة أو رصاصة طائشة، حرّكت شَعر رأس عابر مجهول لكنها لم تصبه بمقتل، فانقلب على ظهره من الضحك، وتابع مسيره.*وماذا تقول للمرأة التي هربتك إلى عِطرِها؟*أقول لها كما قلت في الكتاب: ‘هيأت لك الجسد الطازج/ فاقتربي’.*إذا؛ إلى أين تأخذك القافلة يا محمد، وهل ثمة بوصلة تحدد وجهتك؟*إلى كل ما سبق، قد يتصادف أن أصعد القافلة كعابر لا أكثر، ليس بالضرورة أن أعرف أحدا فيها، أو يعرفني أحد، سأستقلها من أي محطة وأنزل منها في أي محطة أخرى وأغيب في الزحام. البوصلة الوحيدة هي المغامرة الجديدة لاكتشاف ما لم أختبره، ففي الضفة الأخرى توجد كل الألعاب السحرية – كما يقول ماركيز- فيما نعيش هنا وكأن الله لم ينزل غير هذه البقعة من الأرض ولا غير هذه الحفنة من البشر. أن تذهب للحياة بكلك، دع الشعر جانبا، الحياة أصعب من الشعر يا صديقي، وأولى منه بالعناية.*جائزة الشعر وهبت لك في رومانيا، ماذا تعني لك، حدثنا عنها؟*الجوائز لا تقدم شيئا للشاعر، الجائزة هذه ليست مادية، وهذا جميل بحد ذاته، والأجمل أنها ارتبطت باسم ‘نيكيتا ستانيسكو’ الشاعر الروماني الذي رحل مبكرا وله أهمية في بلده. تصادف أن اختارت جمعية الكتاب الرومانيين نصوصي للترجمة في مهرجان سابق، وفعلا ترجموا لي نصوص المجموعتين الاوليين ونصوصا متفرقة أخرى وصدرت في كتاب بعنوان ‘الوحيد في ظل نخلة’ ودعيت في مهرجان نيكيتا ستانيسكو للمشاركة وتوقيع الكتاب لاحقا، فكانت الجائرة الخاصة التقديرية باعتقادي للكتاب، ويستحقها أكثر مني مترجم العمل الذي بذل جهدا عظيما في نقل النصوص للغة الرومانية.*الانتخابات الأخيرة لرابطة الأدباء في الكويت وما أفرزته من نتائج؛ كيف تراها لدفع عجلة الثقافة في الكويت؟*لم أتابع انتخابات ‘رابطة الأدباء الكويتيين’ كما يحلو لهم أن يسموها، لسبب بسيط جدا أنها لا تعنيني.. كنت أتابع أنشطتهم وانتقد سياستهم طوال أعوام وجودي بالبلد وغيابي عنه، وأكثر في فترة اشتغلت فيها بالصحافة الكويتية. أشفق عليهم فعلا في هذا الوقت الذي ينفتح فيه الإنسان على العالم ويكتشف ويطور ويعيش تجارب إنسانية ومعرفية جديدة، وهم في مساحة مربعة لا يزالون غير قادرين على رؤية شيء.. رابطة الأدباء لا تمثل الأدباء في الكويت من وجهة نظري، بل أنها تسيء لهم في أحيان أكثر، أي جمعية نفع عام أو مؤسسة أهلية أدبية دورها أن تكون منفتحة على التنوع الأدبي ولا تتحيز ولا تطلق عنصريتها على الجاليات. لكن ماذا نستطيع أن نقول يا سيدي إلا أن نعيد كلمة كررها كتاب وصحافيون وشعراء كثيرون في مقالاتهم على مدى عقدين وأكثر حين يتعلق الأمر بسياسة هذه الرابطة وهي أن ‘الضرب في الميت حرام’.*ترى لم لم يكتب تنظير حقيقي للقصيدة في الكويت ؟*لست معنيا بالتنظير للقصيدة، ولا اهتم بقراءة ما يقوله النقاد عنها، سيغضبون مني أعرف، لكن برأيي أن الشاعر الناقد وحده القادر على كتابة رأي في النص، ومع ذلك ستكون كتابته مجازية ومفتوحة على تأويلات كثيرة.. ما أجمل ما كتبه بورخيس عن الشعر مثلا دون الحاجة للتنظير بقدر رغبته في اكتشاف دهشته. جد لي شعرا مدهشا أولا ثم ابحث عن التنظيرات.*شعراء تركوا علامة فارقة بديوان يتيم؛ لوركا، رامبو. كيف تقرأ هذا التقاطر الكثيف للدواوين الهاطلة للشعراء الجدد؟*الشعراء الجدد والقدامى أيضاً، لست في محل تنظير أو أستذة أمقتها، ولا أدعي بأن جيلنا أفضل من الجيل الجديد، ولا جيل النجوم، الشاعر الحقيقي لا يعترف بكل هذا.. وكل شاعر لا ينتمي للجيل الجديد والقصيدة الجديدة شاعر قتل تجربته في مكان ما وجلس على صخرتها غريبا.. الشعر الجيد سيفرض نفسه بديوان يتيم أو دواوين كثيرة، أما الزبد فسوف ينتهي في المطبعة التي خرج منها أو عند مجموع القطيع الذي صفق له لاعتبارات لا أفهمها ولا أريد فهمها.. *لو وهبناك ثلاث برقيات، إلى من تبعثها وماذا تقول فيها؟*كل الذين أريد أن أقول لهم شيئا، سأكتبه في إيميل أو رسالة نصية قصيرة أو جلسة مقهى ليلية بكل خصوصية وانتهى الأمر.. ومع ذلك هذه البطاقات الثلاث كنز لا يقدر بثمن، ربما أحتفظ بها لزمن قادم، قد أفقد فيه صلتي بالعالم والناس والأصدقاء فأتذكرهم وأرسل لهم لعناتي كلها كأي رجل عجوز يشتم أصدقاءه القدامى.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية