انتخابات تركيا.. الأتراك فضّلوا الاستقرار على التغيير

محمد علوش
حجم الخط
0

إسطنبول- “القدس العربي”:

حقق الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مكاسب مذهلة في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية التي أجريت يوم الأحد بتقدّمه على منافسه الرئيسي المعارض كمال قليجدار أوغلو مرشح التحالف السداسي في السباق الرئاسي.

وبحصول التحالف الحاكم على أكثرية مقاعد البرلمان الجديد، فإنه لا يزال من غير الواضح ما إذا كان أردوغان سيتمكن من حسم الانتخابات الرئاسية من الجولة الأولى، لأن نسبة التصويت التي حصل عليها بعد فرز ما يقرب من 99% من الأصوات قريبة للغاية من تخطي حاجز الخمسين زائد واحد المطلوبة للفوز، لكنّ احتمال خوض جولة إعادة يبدو كبيراً. حتى مع احتمال خوض البلاد جولة إعادة رئاسية في الثامن والعشرين من مايو/أيار الجاري، فإن أردوغان أصبح في وضع أفضل بالفعل لحسم المنافسة لصالحه مقارنة بقليجدار أوغلو الذي سيجد نفسه تحت ضغط شديد بسبب الإخفاق الكبير للمعارضة في تحقيق النتائج التي كانت تتطلع إليها.

أظهرت الانتخابات أن أكثرية الأتراك يُفضّلون الاستقرار على وعود المعارضة بالتغيير ولا يزالون يُراهنون على أن الرئيس رجب طيب أردوغان هو الوحيد القادر على التعامل مع التحديات الداخلية والخارجية العديدة.

وقد أظهرت النتائج شبه الكاملة، والتي ينبغي على الهيئة العليا للانتخابات اعتمادها كي تُصبح رسمية، حصول أردوغان على 49.42 % من أصوات الناخبين مقابل حصول قليجدار أوغلو على 44.95 % وهو فارق يزيد من الصعوبات أمام المعارضة لتقليصه في جولة إعادة محتملة.

بعد بدء ظهور النتائج، اعترى الرئيس رجب طيب أردوغان شعور بالقوة والنصر وقال أمام حشود من مؤيديه في العاصمة أنقرة مساء الأحد: “أنا أؤمن من أعماق قلبي بأننا سنواصل خدمة شعبنا في السنوات الخمس المقبلة”. كانت المفاجأة الأخرى تتمثل في الانتخابات البرلمانية التي حصل فيها تحالف “الجمهور” الحاكم فيها على 321 مقعداً من مقاعد البرلمان المكونة من 600 معقد وهو رقم كافٍ للحصول على أكثرية في المجلس، في وقت فشل فيه كل من التحالف “السداسي” إلى جانب تحالف “العمل والحرية” الذي يقوده حزب “الشعوب الديمقراطي” الكردي في الحصول معاً على أكثرية في البرلمان، وهو ما يعني أن المعارضة، فقدت الأمل كلياً في إمكان تحقيق انتصار كامل في هذه المنافسة الانتخابية.

حقق مرشح تحالف “الأجداد” القومي اليميني المتطرف سنان أوغان مفاجأة أخرى بحصوله على 5.2% من الأصوات في الانتخابات الرئاسية، فلم يتمكن أوغان بطبيعة الحال من العبور إلى جولة إعادة مرجّحة، لكنّه عزز الكتلة التصويتية له وبدا أنه جذب جزءا من الكتلة التصويتية التي كانت تدعم المرشح الرئاسي الآمر مُحرم إينجه قبل انسحابه. وعليه، سيكون للخيار الذي سيُقرره أوغان في جولة الإعادة المنتظرة بين أردوغان وقليجدار أوغلو تأثير مهم على نتيجة الانتخابات. لأن الفارق بين أردوغان وقليجدار أوغلو يتجاوز 4%، فإن الأخير سيكون بحاجة إلى استمالة معظم الكتلة التصويتية لأوغان، وهو أمر يبدو صعباً لأن جزءاً كبيراً من هذه الأصوات قرر بالفعل دعم سنان أوغان في الجولة الأولى كرد فعل على تحالف قليجدار أوغلو مع حزب “الشعوب الديمقراطي” الكردي الذي ينظر إليه القوميون على أنه الواجهة السياسية لحزب “العمال الكردستاني” المحظور.

كتب عبد القادر سيلفي في صحيفة “حريت” الإثنين أن الخاسر الوحيد في هذه الانتخابات هو قليجدار أوغلو. وقال: “السيد كمال خسر الانتخابات الرئاسية وتراجع عدد الأصوات التي حصل عليها حزب الشعب الجمهوري على الرغم من تحالفه مع ستة أحزاب وقائمة برلمانية مشتركة.

لم يسبق للبلاد أن اختبرت من قبل خوض جولة إعادة في الانتخابات الرئاسية منذ أن عدّل أردوغان الدستور وجعل الرئيس يُنتخب عبر الاقتراع العام بدلاً من اختياره من قبل البرلمان، لكنّ نتائج الأحد شبه النهائية تُعطي صورة عن مدى قوة الرئيس رجب طيب أردوغان الذي تمكن من تحقيق نتائج انتخابية قوية رغم أنّه في السلطة منذ أكثر من عقدين ورغم أنه يواجه معارضة شبه موحّدة بالكامل ضدّه للمرة الأولى منذ عقدين، ويتعامل كذلك مع تداعيات زلزال مدمر ضرب جنوب البلاد في السادس من فبراير/شباط وأدى لمقتل أكثر من خمسين ألف شخص ودمار هائل في البنى التحتية، فضلاً عن تضخّم مرتفع تقارب نسبته حالياً خمسة وأربعين%. سيتعين على قليجدار أوغلو فعل الكثير من الأمور الصعبة في جولة الإعادة للبقاء على فرصه بالفوز ومن بينها الموازنة بين مواصلة تحالفه مع حزب “الشعوب” الكردي، وبين محاولة استقطاب الأصوات القومية المعارضة التي ترفض هذا التحالف. لكنّ أحد الشروط الأساسية التي وضعها أوغان لدعم أي من المرشحين في جولة الثامن والعشرين من مايو المقبل، يتمثّل بتخلي قليجدار أوغلو عن تحالفه مع حزب “الشعوب” الكردي. قال أوغان الإثنين إن تحالف المعارضة الرئيسي “لم يقدر على إقناع الناخبين بإمكان حله لمشكلات البلاد”، لكنّه أضاف أنه قد يدعم قليجدار أوغلو في جولة إعادة “ما لم يُقدم تنازلات” لحزب الشعوب الديمقراطي.

راهن قليجدار أوغلو على حسم الانتخابات الرئاسية من الجولة الأولى كي يتجنّب مثل هذا الخيار الصعب. مع الافتراض السائد بأن البلاد تتجه بالفعل نحو جولة إعادة رئاسية بعد أسبوعين، فإن الاستقطاب السياسي والمجتمعي غير المسبوق الذي صاحب الانتخابات الحالية سيبقى قائماً حتى حسم هوية الرئيس المقبل لتركيا. لكنّ الرئيس رجب طيب أردوغان سيكون في وضع أفضل لاستعراض القوة أمام ناخبيه وإظهار أنه لا يزال القائد القوي القادر على التعامل مع الصعوبات والتحديات الداخلية والخارجية التي تواجه البلاد. على العكس من ذلك، سيُكافح قليجدار أوغلو من أجل إعادة إحياء الروح المعنوية لدى الناخبين المؤيدين للمعارضة لأنّهم كانوا يعتقدون بالفعل أن قليجدار أوغلو سيتمكن من الإطاحة بأردوغان من الجولة الأولى وبأن المعارضة ستحصل على أكثرية في البرلمان تُمكنها من تحقيق أحد أكبر وعودها الانتخابية وهو إلغاء النظام الرئاسي وإنشاء نظام برلماني مُعزز.

لقد لعبت استطلاعات الرأي العديدة، التي اتّضح أنها بعيدة عن الواقع، دوراً في تشكيل تصور عام بأن أردوغان سيفقد على الأرجح السلطة في الانتخابات.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية